السبت 29 نوفمبر 2025

كيف تغيرت معالجة قضايا المرأة على الشاشة؟

كيف تغيرت معالجة قضايا المرأة على الشاشة؟

29-11-2025 | 14:31

همسة هلال
شهدت الدراما المصرية خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً فى طريقة تناولها لقضايا المرأة ومواجهة العنف الذي قد يمارس ضدها أحياناً بالرغم من دعم الدولة لها، إذ لم تعد الأعمال الدرامية تكتفى بعرض مشكلات تقليدية، بل توسعت لتقدم موضوعات أكثر تعقيداً تكشف داخلها عن البنية النفسية والاجتماعية التى تحافظ على استقرار الأسرة ما يعكس أيضاً تغيراً فى نظرة صناع الدراما أنفسهم. ورغم أن دراما المرأة ليست جديدة، فإن الموجة الحالية من الأعمال تبدو أكثر إهتماماً فى طرح الأسئلة، وأكثر دقة فى تناول التفاصيل المرتبطة بحياة المرأة اليومية؛ بدءاً من الحقوق الأسرية، مروراً بالضغوط النفسية والاجتماعية، وانتهاءً بملفات مواجهة العنف، والتمييز، والعلاقات الإنسانية المعقدة. في البداية أكد المخرج محمد الخبيرى، أن الطريقة التى يتناول بها القضايا فى أعماله الدرامية تختلف عن المنهج السائد عند البعض، مشيراً إلى أن هدفه هو مناقشة القضية داخل سياق الدراما وليس تقديم حلول مباشرة. وأوضح الخبيرى، أن القضايا الأسرية التى يتناولها تتعلق بحالات العنف الأسري أو الخلافات، مؤكداً أن هذه الأمور لا تمثل المجتمع بأكمله، وإنما فئة معينة فقط، مضيفاً: دور المرأة مهم فى المجتمع، لكن ليست كل قضية تعرض هى قضية كبيرة، نحن نعرض حالات فردية محددة، ونسعى لمعالجتها ضمن الأحداث الدرامية. وأضاف الخبيرى أنه فى مسلسله السابق «وتقابل حبيب»، لم يكن العمل موجهاً لمناقشة قضايا المرأة على الإطلاق، ولم يناقش قضية عنف أسري، بل كان مسلسلاً اجتماعياً رومانسياً يعتمد على أحداث طبيعية داخل بيئة تحكمها المصالح والاعتبارات المادية، ولم تكن هناك «قضية نسوية» محددة، بل مجرد قصة درامية وشخصيات تتفاعل وفق طبيعتها. واختتم الخبيرى حديثه بالتأكيد على أن هناك قضايا كثيرة لم تطرح بعد، وأن بعضها لا يزال فى حاجة إلى تسليط الضوء، لكنه لا يختار أعماله من زاوية «البحث عن قضية»، بل من زاوية ملاءمة العمل له كصانع دراما، مشيراً إلى أن الهدف فى النهاية هو تقديم دراما اجتماعية تحمل رؤية أو أمنية بأن يتحقق الصواب فى الواقع، وإن حدث ذلك يكون أمراً محموداً، خاصة وأن الواقع يشهد دعماً كبيراً لقضايا المرأة والأسرة من قبل الدولة. وأشادت الفنانة إلهام شاهين بالدور المهم الذى تؤديه الدراما المصرية فى تسليط الضوء على الملفات الاجتماعية المرتبطة بالمرأة والأسرة، مؤكدة أن كثيراً من الأعمال لا تزال حاضرة بقوة فى ذاكرة الجمهور رغم مرور سنوات طويلة على عرضها. وأوضحت شاهين أن بعض المسلسلات استطاعت تناول قضايا واقعية بعمق إنسانى منحها قدراً كبيراً من الخلود، قائلة: إن مسلسل «قصة الأمس» مثال واضح، فقد مر عليه سنوات طويلة وما زال الناس يحدثوننى عنه حتى اليوم، لأنه تناول قضية تتواجد فى بيوت كثيرة؛ وتتعلق بأن الرجل قد ينجذب لامرأة أخرى عندما يشعر بأن زوجته قد انشغلت بأولادها، فيتصور أنه قادر على حب جديد أو زواج ثان، فبعض العائلات مرت بهذه التجربة. وأضافت شاهين أن العمل كشف أيضاً جانباً آخر من المشكلة يتعلق بسفر الأزواج للعمل بالخارج وترك الزوجات يتحملن وحدهن مسئوليات الأسرة، وهو ما يدفع بعض الرجال لاتخاذ قرارات تهدد استقرار بيوتهم، وقالت: قد يتوهم الزوج أن هذه خطوة جيدة لحياته، لكنها فى الحقيقة تهددها، فقد جاءتنى رسائل كثيرة من نساء يقلن: هذه قصتى.. أنا زهرة، النهاية كانت عودة الزوج إلى أسرته، وهذا هو الطبيعى، فالأولوية دائماً للحفاظ على كيان الأسرة. كما أشارت إلى مسلسل «نعم ما زلت آنسة» الذى تناول الضغوط الاجتماعية على المرأة غير المتزوجة بعد سن معينة، موضحةً أن العمل قدم رؤية نفسية واجتماعية مؤثرة، فعندما تتجاوز الفتاة سن معين دون زواج ينظر إليها للأسف باعتبارها دخلت مرحلة يسمونها «العنوسة»، وقد تمر بأزمات نفسية شديدة، المسلسل عرض هذه المعاناة، لكنه أكد أيضاً أن المرأة قد تجد نصيبها فى وقت أفضل، وباختيار أكثر نضجاً وعقلانية. وأضافت أن المسلسل قدم رسالة إيجابية تدعم المرأة، موضحة: فى النهاية تتزوج بطلة العمل من شخصية مهمة للغاية، وتجد حظاً أجمل مما كانت تتوقع. واختتمت شاهين حديثها بالتأكيد على أن مشوارها الفنى يضم أعمالاً كثيرة تنتصر للمرأة وتساند حقوقها، قائلة: هناك العديد من القضايا وكل عمل من أعمالى يعالج جانباً من حياة المرأة وينتصر للحق والخير والصواب. وقالت الفنانة لبنى ونس: لا شك أن الفترة الأخيرة شهدت اهتماماً واضحاً بقضايا المجتمع والأسرة، وهذا ما اعتدناه دائماً من الدراما المصرية، ومن وجهة نظرى، فإن الفن لا يقدم حلولاً جاهزة، بل يسلط الضوء ويثير التفكير لدى المتلقى. وعن أكثر القضايا إلحاحاً فى الوقت الراهن، أوضحت ونس: أرى أن القضية الأهم اليوم هى عودة الأسرة إلى دورها فى المتابعة والتربية الأخلاقية، سواء للأولاد أو للبنات، فيجب أن تعود إلى منهجنا الحقيقي المتعلق بالدين والفطرة السليمة. وقال الفنان كريم العمرى: المعالجات الدرامية لقضايا مثل العنف الأسرى أو التفكك العائلى تعتمد غالباً على رؤية صناع العمل، وهذا جيد ولكننا نحتاج في المرحلة المقبلة إلي تقديم حلول لمثل هذه المشكلات وغيرها من خلال الاستعانة بخبراء في علم النفس والاجتماع، علي أن يكون تقديم الحلول بشكل غير مباشر. كما أكد أن المشاهد الإنسانية التى تعكس الصراع الداخلى للأفراد داخل السياق الدرامى تترك أثراً خاصاً عليه، مستشهداً بمسلسلات مثل «حكايات بنات» وغيره حيث تناول موضوعات حساسة بذكاء وموضوعية، مضيفاً: المشاهد التى تبرز الصراع بين ضغوط الأسرة والعلاقات الاجتماعية تؤثر كثيراً. أكد الفنان مؤمن نور أن الدراما المصرية شهدت خلال السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً فى طريقة تناولها لقضايا المرأة، إذ أصبحت أكثر قرباً من الواقع وأكثر قدرة على كشف ما حصدته المرأة من مكتسبات عديدة علي كافة الأصعدة، هذا بجانب تطرقها للمشكلات الاجتماعية والنفسية التى قد تواجهها النساء. وقال نور: الدراما المصرية مرت بتحول مهم فى تناول قضايا المرأة؛ فقد ركزت على الموضوعات التي تطرق للعنف الذي قد يمارس ضدها أحياناً والتفكك الأسرى، وتأثير الضغوط الاجتماعية والنفسية عليها، وأعمال مثل «تحت الوصاية» و«ما تراه ليس كما يبدو» و«برغم القانون» و«أمل فاتن حربي» نجحت فى طرح هذه القضايا بطريقة صادقة تعكس بعض جوانب الواقع المعاش. وأوضح أن الهدف الأساسى لهذه الأعمال لا يتمثل فى تقديم حلول جاهزة، بل فى فتح باب النقاش المجتمعى وإثارة الوعى، مضيفاً: الدراما وظيفتها أن تثير الحوار وتسلط الضوء على مشكلات قد تكون غائبة أو مهمشة، لا أن تقدم وصفات جاهزة للحلول. وأشار نور إلى أن الفن بطبيعته لا يفرض حلولاً مباشرة، بل يطرح الأسئلة قائلاً: الفن يعكس الواقع بجوانبه المعقدة، ويظهر الشخصيات فى لحظات ضعف وقوة دون ادعاء القدرة على حل كل شىء. ورغم التطور الحاصل، يرى نور أن هناك قضايا ما زالت بحاجة إلى معالجة أعمق، وفى مقدمتها الصحة النفسية للمرأة. وتحدث نور عن مشاركته الفنية فى قضايا المرأة، مستشهداً بتجربته فى مسلسل «ما تراه ليس كما يبدو»، موضحاً: دورى فى المسلسل كان مؤثراً بالنسبة لى، خاصة فى شخصية (شقيق هند) الذى يعانى نفسياً بسبب استغلال أخته عاطفياً، أحد المشاهد التى تركت أثراً داخلى هو المشهد مع ليلى زاهر عندما أحاول إنقاذ أختى من العودة لطليقها، فى تلك اللحظة شعرت بأنى أخ حقيقى، لا ممثل أمام الكاميرا. واختتم حديثه بالتأكيد على ضرورة الاستمرار فى تعميق الطرح الدرامى لقضايا المرأة، قائلاً: الدراما المصرية تتطور بالفعل، لكنها بحاجة إلى مزيد من التعمق فى القضايا الإنسانية، فالفن قوة قادرة على تغيير وعى المجتمع، وتجسيد هذه الأدوار يعزز تأثيره بشكل حقيقى. في النهاية يقول الناقد الفنى أحمد سعد الدين: الدراما المصرية قدمت فى السنوات الأخيرة نماذج متفاوتة فى تناول قضايا المرأة؛ فبينما ذهبت بعض الأعمال إلى معالجة جادة وواعية، اكتفت أخرى بطرح بسيط لا يلامس عمق المشكلة، فالأعمال الجادة تمكنت من تقديم زوايا جديدة لقضايا مهمة، مثل الطلاق الشفهى فى مسلسل «لعبة نيوتن»، وقضية الوصاية على الأطفال فى «تحت الوصاية». وأضاف سعد الدين: كانت المرأة قديماً تقدم بوصفها الضحية فى السبعينيات والثمانينيات، خاصة قبل دخولها الواسع إلى سوق العمل، أما فى الألفية الجديدة فقد أصبح الطرح أكثر نضجاً، وبدأ يركز على قضايا ملموسة كالميراث والمسئوليات الأسرية. وأشار إلى أن الأعمال الناجحة جماهيرياً تسهم فى رفع الوعى المجتمعى، مستشهداً بنجاح مسلسل «تحت الوصاية» الذى فتح نقاشاً واسعاً حول حقوق المرأة، قائلاً: النجاح الجماهيرى يمنح العمل قوة تأثير، ويضع القضية الحقيقية فى دائرة الضوء. ورغم ذلك، حذر من الانجراف وراء تكرار نفس القضايا بشكل مفرط بعد نجاح عمل واحد، مضيفاً: المشكلة ليست فى القضية نفسها، بل فى طريقة معالجتها؛ فإذا قُدمت بوعى كانت إضافة، أما إذا طُرحت بسطحية فإنها تتحول إلى مجرد موضة عابرة بلا أثر.