7-1-2026 | 12:39
فى مشهد نادرا ما يتكرر كثيرا ، تحولت جنازة السيدة الفاضلة مرجريت توفيق مجلى الوحش والدة النجم الكبير هانى رمزى، إلى ما يشبه استفتاء شعبي صامت على قيمة الإنسان حين يعيش ويزرع الخير دون انتظار مقابل، لم يكن المشهد مجرد وداع لسيدة راحلة بل كان إعلانا واضحا أن المحبة لا تموت .
داخل كنيسة أبى سيفين بالتجمع الخامس تجلت صورة مصر فى أنقى صورها مسلم ومسيحى، نجوم فن وإعلام، مسئولون، وفئات عديدة من الشعب، جميعهم تجمعوا على كلمة واحدة " العزاء فى إنسانة تركت أثرا لا يمحى" ، طوابير طويلة من المعزين نظام شديد، هدوء مهيب، دفء إنسانى طاغ وكأن المكان كله يهمس برسالة واحدة هكذا تودع الأرواح الطيبة.
وسط هذا المشهد، لفتت الأنظار مواقف إنسانية صادقة وراقية للنجم الكبير هانى رمزى منها طلبه الهادئ من المصورين الالتزام بالنظام احتراما لجنازة والدته، وانحناؤه على يد سيدة محجبة جاءت لتعزيته، ثم مشهد بالغ الرقى جمعه مع شقيقه المستشار أمير رمزى وشقيقهما النائب إيهاب رمزى وهم يشكرون المصورين على تعاونهم فى تنظيم العزاء، فى لقطة قدمت نموذجا راقيا لحل أزمة طالما عانت منها الجنائز الخاصة بالمشاهير.
لكن السؤال الذى فرض نفسه بقوة فى هذا اليوم من هى هذه السيدة التي اجتمع الناس على حبها بهذا الشكل الاستثنائى؟
عرفتها عن قرب بحكم اجتماعنا الأسبوعى للصلاة فى الكنيسة ذاتها كل يوم جمعة وبرغم أن حالتها الصحية لم تكن على ما يرام ،فإن حضورها كان يسبق تعب الجسد ،كانت سيدة فى غاية الأناقة و الرقى (هانم من الزمن الجميل) لطيفة مع الجميع تسير فى أروقة الكنيسة توزع السلام بابتسامة ثم تمضى فى هدوء وتصلى فى خشوع كامل، هذا كل ما كان يبدو لى عن هذه السيدة الجميلة كما كشف المستشار أمير رمزى فى وداع والدته عن جوانب إنسانية عميقة فى شخصيتها، مؤكدا أنها لم تكن تهتم بالمظاهر أو الذهب بل كانت روحها معلقة بالسماء، وعندما كانوا يسألونها أين ذهبك تقول لهم الغلابة أولى، وماذا تريدين هدية فى عيد الأم كانت تجيب ببساطة أن هديتى الحقيقية هى قضاء ديون الأرامل ومساندة المحتاجين، ووصفها بأنها شخصية نقية وصادقة وكانت مثالا للحنان والعطاء الصامت ، قادنى فضولى الإنسانى لمعرفة المزيد عن حياتها فكان حديثى مع النجم الكبير هانى رمزى الذى شاهدناه جميعا متأثرا بعمق فى جنازتها لم يستطع تمالك نفسه من الانهيار، وظلت عيناه معلقتين بالصندوق طوال الصلاة، كأن القلب يرفض الاعتراف بالرحيل وكأن النظرة الأخيرة كانت محاولة أخيرة لتأجيل الوداع، حيث عبر هانى فى مكالمة هاتفية معى عن هذا الموقف قائلا لحظة الوقوف أمام صندوقها لم أتمالك دموعى غير مصدق رحيلها، فى تلك اللحظة شعرت أننى طفل فالأم تظل حبا وعطاء بلا حدود مهما كبر الأبناء، وأنا وأخواتى نشعر بفخر بالغ أن هذه السيدة ذات السيرة العطرة هى أمنا وسنظل نحيا على نهجها حاضرة فى قلوبنا ودليلا نستنير به فى حياتنا، فبدأ يحكى عنها بمشاعر حب ممزوجة بفخر، والدتى لم تكن امرأة عادية بل كانت نموذجا نادرا للرضا والإيمان والخدمة الصامتة امرأة اعتادت أن تبدا يومها بدعاء بسيط (يارب سلمتك أولادى ،سلمتك أحفادى ،سلمتك بيتى وبيوت أولادى ..احفظهم يارب) ..وحين كان القلق يتسلل إلى قلبى كانت كلمتها تطمئنى (ماتقلقش.....إنتوا مابين إيد ربنا) عاشت خادمة للجميع ،خائفة الله فى كل خطوة مؤمنة أن العطاء ليس مالا فقط بل وقت وجهد ومحبة.
أسست مشروعات صغيرة لتعليم الفتيات الحرف اليدوية داخل منزلها، التطريز والمفروشات والستائر والمكرميات حتى أصبح الإنتاج يعرض فى المعارض وتحولت أيادى الفتيات إلى مصدر رزق كريم لهن ولأسرهن، كما أنها لم تتردد يوما فى مساعدة مريض على شراء دوائه وكانت تشارك بنفسها فى تنظيف الكنيسة معتبرة الخدمة شرفا لا واجبا، ثم استكمل هانى حديثه معى متأثرا، رغم معاناتها الطويلة مع أمراض قاسية ظل الرضا رفيقها الدائم وعندما هاجمها السرطان بشراسة متنقلا بين الثدى والأمعاء والعظام والكبد كانت تقابل الآلام بكل إيمان وكنا نقف مندهشين أمام قدرتها على تحمل الألم فى صمت وشكر، حتى فى أشد لحظات الوجع داخل العناية المركزة كانت تصرخ من شدة الألم ثم تعود تقول شكرا يارب، أنا محظوظ أنها والدتى وهى كانت أقرب إنسانة إلى قلبى كانت مقيمة دائما عندى بالمنزل وعندما أسافر كانت تقيم عند أخواتى،(كنت أعيش مع ملاك ...ربنا كان يباركنا ويبارك بيتى بوجودها ).
هذه السيدة أم عظيمة لم تورث أبناءها مالا ولا ذهبا ولا بيوتا بل منحتهم ما هو أثمن وأبقى البركة ورضا الله وحب الخير ومحبة الناس وهو أعظم ما يمكن أن يرثه الإنسان، لم يكن غريبا أن سيدة تجتمع بها كل هذه الصفات أن تخرج من تحت يديها أسرة يشهد لها الجميع بالأخلاق والاحترام ثلاثة رجال وابنة وصفهم الشارع المصرى بجملة بسيطة ولكنها عميقة (ولاد ناس محترمين) كانت توصيتها الدائمة لأبنائها (خدوا بالكم من الغلابة ....حبوا بعض).
بالفعل هذه السيدة كما وصفها ابنها أمير رمزى (كانت قطعة ألماس ...لاتنشغل بالدنيا).
رحلت السيدة مرجريت الوحش لكن ما حدث فى جنازتها لم يكن وداعا عاديا بل كان تكريما لإنسانة عاشت بإخلاص والعزاء يتحدث عن ذاته، محبة الناس، النظام ،الهدوء ، الالتفات الإنسانى النادر كلها رسائل واضحة أن مصر مازالت بخير وأن الخير حين يزرع بصدق يعود أضعافا يقول هانى رمزى (ما شهدته من حب صادق فى قلوب الناس قبل عيونهم يؤكد أن مصر بخير وأن المحبة مازالت وستظل متجذرة فى نسيج هذا الوطن ).
العزاء الحقيقى ليس فى الدموع بل فى أن تظل السيرة الطيبة حية وأن يتحول الفقد إلى مسئولية أخلاقية لاستكمال الطريق، وما شهدناه من وقوف أبنائها فى عزائها بكل احترام وأخلاق ومحبة الناس لهم يجعلنا نقول إنها سيدة صنعت رجالا فاستحقت وداعا يليق بها، رحلت الأم لكن بقى الدعاء وبقى الأثر وبقيت المحبة وتلك وحدها حياة لا تنتهى بالموت بل بداية جديدة .