الثلاثاء 13 يناير 2026

من «الأستاذ حمام» إلى «رمضان مبروك».. المدرسة فى عيون السينما.. مرآة للإصلاح وسند للطالب والمعلم

من الأستاذ حمام إلى رمضان مبروك .. المدرسة فى عيون السينما.. مرآة للإصلاح وسند للطالب والمعلم

9-1-2026 | 04:38

خالد فؤاد
لطالما كانت السينما شريكاً وفياً يرصد مسيرة تطوير التعليم، فمن خلال عشرات الأعمال المبدعة، نجحت الشاشة فى تخليد قضية التعليم بأبعادها الإنسانية والتربوية، فمن تقديم المعلم كرمز للوقار والحكمة، وصولاً إلى تحليل العلاقة التفاعلية بينه وبين طلابه، فلم تكن السينما مجرد ناقل للواقع، بل كانت صوتاً قوياً يتابع إصلاح المنظومة التعليمية وتطويرها بشكل مستمر كما يحدث الأن. فى التقرير التالى نرصد أهم الأعمال الفنية التى رصدت دور المدرس والمدرسة فى أكثر من حقبة وزمن . جسدت السينما المصرية فى أبهى صورها تضحيات المعلم، فجعلت من شخصية «الأستاذ حمام»، فى رائعة نجيب الريحانى (غزل البنات 1949) رمزاً للنبل الذى يتجاوز المادة، ورغم أن الفيلم استعرض ببراعة بعض المشكلات التى قد يواجهها رجل العلم، إلا أنه ركز بتقدير شديد على ثبات المعلم على مبادئه، حيث ظل الأستاذ حمام شامخاً بقيمه، يغرس الأخلاق فى نفوس طلابه قبل العلم.. لقد نجح الفن هنا فى تكريم المعلم عبر إظهار جوهره النقى الذى لا يتأثر بالمظاهر، مؤكداً أن قيمته الحقيقية تكمن فى أثره لا فى راتبه فهو لم يتخل يوماً عن وقاره أو دوره التربوى. الطريق المسدود فى هذا الفيلم المميز قدمت السينما المصرية من خلال سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة نموذجاً ملهماً للمعلمة التى تتخذ من مبادئها درعاً فى مواجهة أصعب التحديات، لم يكن الفيلم مجرد رصد لظروف قاسية، بل كان احتفاءً بصمود بطلته التى اختارت طريق العلم هرباً من زيف الحياة، ومن خلال شخصية المدرسة الشابة، أبرز الفن أن رسالة التعليم هى طوق نجاة أخلاقى، فحتى حينما حاولت الظروف المحيطة جذبها للوراء، ظلت متمسكة بشرف مهنتها، مؤكدة أن المعلم الحقيقى هو من يمتلك القوة لاستكمال المسيرة مهما بلغت التضحيات، بل وكانت مصممة على مواصلة التمسك بمبادئها لتحطيم طريق الفساد المسدود، وتتحقق «الولادة الجديدة» الحقيقة من جديد لتعلن الانتصار على ظروفها بنجاح فى النهاية وتنتصر لمبادئها الطيبة الحقيقية. غصن الزيتون والسفيرة عزيزة لعل من أهم الأفلام التى قامت بترسيخ صورة المدرس قديما فى أذهاننا فيلم«غصن الزيتون» فنحن هنا أمام اثنين من المدرسين بمدرسة ثانوية بنات الأول المدرس الجاد «أحمد مظهر»، الذى يتعامل مع الفتيات بصرامة شديدة، والثانى المدرس الوسيم خفيف الظل الذى تنجذب له بعض الفتيات بشكل كبير ومنهن من تقع فى غرامه بالفعل، وحينما يتزوج الممثل الصارم شديد الجدية من إحدى طالباته يظل يحاصرها بغيرته الشديدة لشكه فى وجود علاقة غرامية قديمة بينها وبين زميله المدرس الوسيم ليكتشف فى النهاية أن كل شكوكه لم يكن لها محل من الإعراب. ورغم أن فيلم «السفيرة عزيزة» بطولة سعاد حسنى وشكرى سرحان وعدلى كاسب وعبدالمنعم إبراهيم لم يقدم لنا صورة لطبيعة الطلبة والطالبات إلا أن المحور الرئيسى للأحداث هو المدرس المثقف المسالم شكرى سرحان الذى يقع فى غرام جارته عزيزة شقيقة الجزار المتوحش، وقدم لنا الفيلم نموذجا رائعا لحوارات المدرسين بداخل المدرسة التى تجمع مجموعة المدرسين وأسلوب النقاشات بينهم. من هنا نجد أن غالبية الأفلام التى عرضت فى هذه الحقبة الزمنية قد أهتمت بتسليط الضوء بطرق وأشكال مختلفة علي المكانة الاجتماعية لمهنة التدريس والتقدير المجتمعى الكبير الذى يحظى به المدرس، وماقمنا بتقديمه مجرد نماذج بسيطة لما تم تقديمه فى سينما الأربعينيات والخمسينيات والستينيات. مدرسة المشاغبين وناقوس الخطر بدأت مرحلة التحول ودق ناقوس الخطر فى النصف الثانى من الستينيات مع «مدرسة المشاغبين» التى تم تقديمها ليس على خشبة المسرح فحسب، بل على شاشة السينما بنجوم مختلفين وفى الحالتين سواء بالمسرح أو السينما ندرك مدى خطورة الفجوة بين الأجيال وظهور جيل جديد من الطلاب بسلوكيات صعبة لم تكن موجودة من قبل، وتعد تلك المسرحية بداية مجموعة كبيرة من النجوم الشباب الذين سيطروا بعد ذلك على «إفيشات» السينما المصرية على مدار عقود طويلة بداية من الفنان الكبير عادل إمام وأحمد زكى وسعيد صالح ويونس شلبى وهادى الجيار وسهير البابلى وحسن مصطفى وعبد الله فرغلى.. وهي من إخراج المخرج الكبير جلال الشرقاوى، وكانت تدور حول مجموعة من الطلاب فائقى الذكاء، لكنهم مشاغبون جداً إلى أن تأتى لهم المدرسة الشابة التى قامت بدورها سهير البابلى، وهنا يبدأ الطلاب فى مضايقتها، لكنها تستخدم ذكاءها وأساليبها المختلفة فى التعامل معهم، كأنها واحدة منهم تقريباً، وتتصدى لمشاكساتهم، فى النهاية تنجح الآنسة عفت فى تغيير سلوك الطلاب وتحويل الفصل من فوضى إلى نظام، مما يثبت أن التربية والتعليم يحتاجان لفهم عميق للشخصيات، وتصبح المسرحية نموذجاً لنجاح التعليم بالقدوة والذكاء. الإنسان يعيش مرة واحدة هنا نتحدث عن فيلم آخر يعد من أهم أفلام الزعيم عادل إمام وهو فيلم «الإنسان يعيش مرة واحدة».. للمخرج سيمون صالح، ليقدم طرحاً جريئاً وغير مسبوق، فمن خلال شخصية المعلم التى جسدها الفنان القدير عادل إمام، لم يكن الهدف عرض نموذج سلبى بقدر ما كان دفاعاً عن هيبة المهنة عبر «دق ناقوس الخطر»، لقد أراد الفن هنا أن ينبه المجتمع إلى أن المعلم، بوصفه بشراً يحمل أمانة ثقيلة، وقد يتعرض لضغوط نفسية واجتماعية قاسية تدفعه نحو الاغتراب، وهو ما يستوجب تكاتف الجميع لحماية هذه القيمة التنويرية . الفيلم هنا كان يحكى عن هو قصة حب نشأت بين الدكتورة أمل «يسرا» التى تعيش فى عزلة بالسلوم هربا من حزنها، والمدرس هانى «عادل إمام» المنقول للسلوم كعقاب له، وتتطور بينهما علاقة رومانسية فى ظل أجواء هادئة، وتتصاعد الأحداث عندما يضطران للهروب معا ومواجهة خطر الثأر الذى يلاحق صديقهما بكرى الذى قام بدوره الفنان القدير «على الشريف»، حيث يصل غريمه هريدى للقطار ويتمكن من إصابة بكرى، لكن هانى وبكرى يتمكنان من هزيمته والقبض عليه، مما يفتح الباب لحياة جديدة وهادئة، كما يتضح من بعض الأفكار الفلسفية للفيلم حول قيمة الحياة البسيطة. آخر الرجال المحترمين وفى عام 1984 قدم لنا الفنان الكبير نور الشريف واحدا من أهم وأروع أفلامه «آخر الرجال المحترمين»، وجسد ضمن أحداثه شخصية المدرس الذى يتمسك بمبادئه الأخلاقية فيدور العمل حول المدرس الصعيدى فرجانى، والذى يتم تكليفه بالإشراف على رحلة مدرسية لحديقة الحيوان بالقاهرة، وأثناء الرحلة تختفى طفلة، فيقوم بالبحث عنها فى كل الأماكن، ويمنع بحنكة تجدد الصراع بين العائلات نتيجة إختفاء هذه الطفلة. الفيلم كان من بطولة نور الشريف وبوسى وقد لاقى استحسان جميع النقاد والمتابعين.. وأكدوا أن هذا العمل كان من أرقى ما قدم عن مهنة التدريس فى السينما المصرية. المدارس فى سينما الألفية الجديدة مع بداية عصر الألفية الثالثة، خلع الفن السينمائى عباءة الأنماط التقليدية ليدخل إلى أسوار المدرسة برؤية أكثر واقعية وعمقاً، حيث لم تعد المدرسة فى السينما مجرد فصول ومقاعد، بل تحولت إلى «مختبر إنسانى» يعكس تحولات المجتمع وتطلعاته، فى هذه الحقبة، أدركت السينما أن دعم المنظومة التعليمية يتطلب تسليط الضوء على المعلم كإنسان يواجه تحديات العصر الرقمى. لقد انتقلت كاميرا الألفية الجديدة من «وعظ» الطالب إلى «مشاركة» المعلم همومه، مقدمة طرحاً سينمائياً يمزج بين تقدير أهمية الرسالة التعليمية وبين الرغبة الجادة فى كشف العقبات التى قد تعترض طريقها أحياناً. فالمدرسة فى سينما اليوم هى الساحة التى يلتقى فيها التعليم بالتربية، ليصيغا معاً نداءً لقيمة المعلم، ليس فقط كحامل للعلم، بل كقائد فكرى ومعنوى يحتاج من المجتمع كل الدعم والمساندة ليبقى حائط الصد الأول فى بناء الإنسان. وكانت البداية بفيلم «الناظر» للفنان الراحل علاء ولى الدين، والذى عرض عام 2000 وحقق نجاحا كبيرا، حيث ناقش فى قالب كوميدى الفرق بين التعليم بالتربية الإيجابية والتعليم بشكل سلبي، وذلك حينما تولى الابن مسئولية المدرسة بعد وفاة والده قرر بعد نصائح زملائه من المخلصين انتهاج طريقة مختلفة فى التعليم وكانت النتائج فى النهاية مبهرة. أما فى فيلم «رمضان مبروك أبو العلمين حمودة» بطولة محمد هنيدى والذى عرض عام 2008 قدم رسالة دعم قوية لمكانة المعلم، لقد نجح الفيلم فى استعراض الصمود الأخلاقى للمعلم المصري، فمن خلال شخصية «الأستاذ رمضان»، رأينا كيف يمكن للمعلم أن يقف حائط صد أمام محاولات إضعاف قيمة العلم والمعلم، الفيلم لم يكتف برصد ظاهرة الدروس الخصوصية، بل قدمها كجرس إنذار يؤكد أن كرامة المعلم هى خط أحمر، مشيراً إلى أن قوة المعلم الحقيقية تكمن فى تمسكه بمبادئه التى تفرض الاحترام على الجميع، مهما كانت المغريات أو الضغوط، كما قدم الفيلم هذا النموذج الذي يتواجد على أرض الواقع بصورة كبيرة. وبشكل بسيط أيضا طرح فيلم «الثلاثة يشتغلونها» بطولة ياسمين عبدالعزيز والذى عرض عام 2010 قضية فى منتهى الأهمية، وهى «الحفظ والتلقين» مقابل الفهم ، وكيف يتم توجيه الطلاب فكريا، وهو الأمر الذي استطعنا التغلب عليه حالياً على أرض الواقع. عسل أسود وبنات ثانوى فى فيلمه الملهم «عسل أسود» عام 2010، قدم الفنان أحمد حلمى رؤية سينمائية تفيض بالحب والانتماء، حيث استثمر بعض المشاهد لتسليط الضوء على ضرورة تحديث أساليب التعليم فى المدارس، وهو ما يحدث مؤخرا بشكل واضح مع اهتمام الدولة المصرية بذلك، لم يكن الطرح نقداً للمؤسسة بقدر ما كان دعوة مخلصة للارتقاء بطرق تعليم اللغات الأجنبية للأطفال، بما يضمن بناء جيل يمتلك مهارات العصر، لقد عكس الفن هنا دور «المراقب المحب» الذى يسعى لرؤية المدرسة فى أفضل صورها، تقديراً لكونها الحاضنة الأساسية لعقول أغلبية أبناء الوطن. ومن أكثر الأفلام التى نجحت فى جذب جماهير الشباب فى السنوات الأخيرة فيلم «أولى ثانوى» الذى ناقش بشكل واقعى مشكلات مجموعة من الطالبات المراهقات اللاتى تجمعهن مدرسة واحدة سواء بداخل المدرسة والفصل أو على صعيد الحياة العائلية التى تعيشها كل واحدة منهن.. كما تطرق الفيلم بشكل غير مباشر لعلاقة الطلاب بالتكنولوجيا وتأثيرها على دراستهم. فى النهاية تبقى السينما المصرية هى السجل الأصدق لتطور رسالة المعلم، فهى لم تكتفِ بالرصد، بل انحازت دائماً للقيم، وأثبتت أن المدرسة ستظل هى الحصن المنيع، وأن المعلم سيظل بطلاً فوق العادة فى عيون الشاشة والوطن.