2-5-2026 | 12:21
موسى صبرى
فى البداية تقول الفنانة الكبيرة لبنى عبد العزيز: مازال هناك فارقًا كبيرًا بين السينما فى الماضى والحاضر، فأفلام الأبيض والأسود كانت تحمل رسائل حقيقية وقوية، تمس الواقع بشكل مباشر، وتصل إلى وجدان الجمهور بسهولة وصدق.
وتوضح أن هذه الأعمال لا تزال عالقة فى أذهان المشاهدين، ليس فقط من الأجيال القديمة، بل حتى الشباب فى الوقت الحالى يشعرون بارتباط واضح بموضوعاتها.
وتستشهد بعدد من أعمالها التى تركت أثرًا كبيرًا، مثل فيلم «أنا حرة» الذى قدم صورة متقدمة للمرأة وساهم فى حصولها على بعض حقوقها، كما أشارت إلى فيلم «عروس النيل»، الذى قدم رؤية فنية ثرية عن التاريخ الفرعونى، وأسهم فى تعريف الجمهور بجوانب من الحضارة المصرية القديمة، بأسلوب يجمع بين الدراما والتشويق.
كما تؤكد أن فيلم «وإسلاماه» كان نموذجًا مهمًا لتجسيد مرحلة من التاريخ الإسلامى بصورة مشرفة، بينما نجح فيلم «الوسادة الخالية» فى جذب الجمهور من خلال طابعه الرومانسى العميق، وموضوعه الإنسانى المؤثر، ما جعله واحدًا من أبرز الأعمال التى لا تزال تحظى بشعبية كبيرة حتى اليوم.
وتضيف أن هذه الأفلام تمثل ذاكرة السينما المصرية الحقيقية، ولذلك لا تزال تُعرض حتى الآن وتلقى متابعة مستمرة من الجمهور، الذى يشاهدها مرات عديدة دون ملل، بسبب ما تتمتع به من صدق فى الأداء، وإتقان فى التنفيذ، واحترافية عالية فى كل عناصرها الفنية.
وختمت حديثها مؤكدة، أن هذه الأعمال كانت تضاهى فى جودتها آنذاك أفلام هوليوود، وأنه رغم وجود بعض الأفلام الجيدة والمتميزة حاليًا، فإن قوة الموضوعات وجودة التنفيذ فى الماضى لاتزال متفوقة بشكل واضح.
بعداً إنسانياً وجمالياً
من جانبها، ترى الفنانة الكبيرة إلهام شاهين أن الأفلام القديمة ارتبطت بوجدان الجمهور لأنها كانت تحمل طابعًا رومانسيًا وجماليًا فى المعالجة، إلى جانب مستوى عالٍ من الكتابة والتمثيل والإخراج، وتوضح أن هذه العناصر جميعا، أسهمت فى تقديم صورة فنية راقية، جعلت تلك الأعمال أكثر تأثيرًا واستمرارا.
وتشير إلى أن حتى تصوير الحياة البسيطة فى تلك الأفلام كان يحمل بعدًا إنسانيًا وجماليًا، حيث كانت الحارة الشعبية مليئة بالحياة والروح، والملابس ذات طابع المصرى التراثى، وهو ما يعكس اهتمام صناع العمل بالتفاصيل، وبالرغم أن هذه الصورة استمرت حتى منتصف التسعينيات، لكن مع بداية الألفية الجديدة تغيرت ملامح السينما، وأصبحت بعض الأعمال مختلفة فى طرحها، ما أثر على علاقة الجمهور بالبعض منها، ورغم هذا تؤكد وجود أفلام حديثة جيدة ومتميزة نجحت فى أن تجمع كافة العناصر الفنية المتميزة ولكنها تعد قليلة ونحتاج إلى الأكثار منها.
دراما وغناء واستعراض
أما الفنانة الكبيرة نجوى فؤاد فتؤكد أن السينما فى الماضى كانت قائمة على الحب الحقيقى للفن، وهو ما انعكس على جودة الموضوعات والأداء، وتشير إلى وجود نجوم كبار مثل زكى رستم وفريد شوقى وعادل إمام وإسماعيل ياسين وعمر الشريف، إلى جانب مخرجين مثل حسن الإمام، الذين قدموا أعمالًا مهمة وجادة تعبر عن قضايا المجتمع.
وتضيف: الأفلام وقتها كانت تجمع بين الدراما والغناء والاستعراض والموسيقى بشكل متكامل، ما جعلها أكثر ثراءً فنيًا، كما أن العلاقة بين الفنانين كانت قائمة على الاحترام والتنافس الإيجابى، بهدف تقديم الأفضل لصالح السينما، وهو ما أسهم فى تحويل هذه الأعمال إلى تراث فنى وتاريخى مهم لمصر، الأن نجد هذا أيضا وبخاصة فيما يتعلق بالعلاقة الجيدة بين النجوم والفنانين ولكنه فى بعض الأعمال المعدودة التى تنتج سنوياً.
معادلة الجودة تغيرت
ترى الناقدة ماجدة موريس أن أفلام الأبيض والأسود، وكذلك أعمال الثمانينيات والتسعينيات، قدمت نموذجا عميقًا للحياة المصرية، حيث عكست الواقع بشكل صادق، وناقشت بعض قضايا المجتمع.
وتوضح أن هذه الأعمال كانت تُعرض بشكل منتظم على التليفزيون المصرى، ما ساعد على انتشارها أكثر، لكن مع ظهور القنوات الفضائية الخاصة والمنصات الرقمية، تغيرت منظومة العرض، وأصبح بعض المنتجون يطلبون أسعارًا مرتفعة لعرض الأفلام الحديثة، وهو ما لا تقبله بعض القنوات، فتتجه إلى عرض الأفلام القديمة التى تتمتع بجودة عالية وتكلفة أقل.
وتضيف «موريس» أن فى الماضى، كانت قنوات التليفزيون العادية تعرض عدة أفلام أسبوعيًا، وكانت بعض الأندية تقدم عروضًا مجانية أو بأسعار رمزية، لذا أصبحت بعض الأفلام حكرًا على المنصات أو دور العرض السينمائى، ما يقلل من فرص انتشارها بين الجمهور رغم جودتها.
انخفاض تكلفة العرض
ومن جانبه يؤكد الناقد طارق الشناوى أن ما يستمر من الأفلام القديمة هو الجيد فقط، وهو ما يعكس قيمة الفن الحقيقى القادر على تجاوز الزمن، ويشير إلى أن هذه الأعمال لا تزال تُعرض باستمرار على القنوات الفضائية، وتلقى متابعة كبيرة من الجمهور.
ويضيف أن انخفاض تكلفة عرض الأفلام القديمة مقارنة بالجديدة يسهم فى انتشارها، خاصة فى ظل انتقال عرض الأفلام الحديثة إلى المنصات الرقمية، وهو ما يجعلها أقل وصولًا إلى الجمهور العام.
الجمهور ..وعشق الأفلام القديمة
من جانبه، يرى هانى محمد، «أستاذ جامعى» أن الأفلام القديمة تمثل العصر الذهبى للسينما المصرية، حيث اعتمدت على أعمال أدبية مهمة، مثل روايات طه حسين ونجيب محفوظ، وقدمت محتوى ثقافيًا وتعليميًا إلى جانب الترفيه.
ويؤكد أن هذه الأعمال تناولت قضايا المجتمع بعمق، وأسهمت فى تشكيل وعي الجمهور، ما جعلها قادرة على جذب مختلف الأجيال، على عكس بعض من الأفلام الحديثة التى تستهدف فئة محددة، مؤكدا أن نجوم الماضى مثل نجيب الريحانى وفؤاد المهندس وعبد الحليم حافظ وفاتن حمامة وشادية ولبنى عبد العزيز قدموا أداءً متميزًا، بدعم من كتاب كبار، وهو ما يفتقده بعض الإنتاج الحالى، رغم وجود بعض المحاولات الجيدة فى هذا الإطار.
أما ابتهال محمد، «مترجمة»، فترى أن سر جاذبية هذه الأفلام يكمن فى صدقها، حيث ناقشت موضوعات المرأة والأسرة بشكل عميق، ورغم وجود بعض التجارب الفنية الحالية المتميزة إلا أن السينما القديمة مازالت تعد فى المقدمة بالنسبة للكثيرين وبخاصة فيما يتعلق بمراعاة بعض الأعمال للقيم المجتمعية ما يجعلها أكثر قدرة على الاستمرار.
في النهاية، يتضح أن سر تفوق الأفلام القديمة لا يعود إلى الحنين فقط، بل إلى مجموعة متكاملة من العوامل، أبرزها أختلاف طبيعة العصر وأسلوب العرض وظهور وسائل جديدة للعرض منها المنصات، وبينما تواصل السينما الحديثة محاولاتها لمواكبة العصر وتقدم بالفعل بعض التجارب الناجحة تظل أفلام الماضى شاهدة على زمن كانت فيه السينما ومازالت محور جذب للكثيرين.