19-6-2026 | 13:21
هيثم الهواري
"ليست الأحلام صعبة كما تبدو، بل نحن من نخاف الطريق إليها ، فكل حلم عظيم بدأ بفكرة آمن بها صاحبها، ثم تحولت بالإصرار والعمل إلى حقيقة " ، هذه المقولة تلخص إلى حد كبير الرسالة التي يسعى العرض المسرحي الكوميدي الغنائي " التياترو"، إلى ترسيخها لدى جمهوره.
ففي زمن أصبحت فيه الشهرة السريعة هدفًا يسعى إليه البعض، وفرضت وسائل التواصل الاجتماعي معايير جديدة للنجاح قد لا ترتبط دائمًا بالموهبة الحقيقية، يأتي عرض «التياترو» ليطرح سؤالًا بالغ الأهمية: هل ما زال للفن الحقيقي مكان وسط هذا الضجيج؟
منذ اللحظة الأولى ينجح العرض في جذب المتلقي إلى عالمه الخاص، حيث تتشابك الكوميديا مع الاستعراض والغناء والدراما الإنسانية في توليفة فنية متماسكة تحمل رسالة واضحة تدافع عن قيمة الفن الجاد، وتعيد الاعتبار للمسرح باعتباره مساحة للإبداع الحقيقي، لا مجرد وسيلة لتحقيق الانتشار السريع أو ملاحقة "التريند".
اعتمد المؤلف أحمد الملواني على فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في دلالاتها، إذ يتتبع العمل رحلة مخرج شاب موهوب يجد نفسه في مواجهة واقع فني يهيمن عليه السعي وراء الشهرة السريعة، ويمنح الفرصة أحيانا لأشباه المواهب أو عديمي الموهبة، قبل أن يقوده القدر إلى مسرح قديم مهجور يكتشف من خلاله قيمة الفن الحقيقي والموهبة الأصيلة، ومن خلال هذا المسار الدرامي يبرز العرض الصراع الأزلي بين الفن الجاد وغيره في إطار كوميدي غنائي استعراضي جذاب.
تدور الأحداث حول ممثل يجسده الفنان عبد المنعم رياض، يتم طرده من فرقة "اللورد" المسرحية، فيقرر الانتقام منها عبر تأسيس مسرح يقدم أعمالًا لا ترقى للمستوى الفني المتميز ولكنها تحقق إقبالًا جماهيريًا واسعًا، الأمر الذي يؤدي إلى تدمير المسرح الجاد الذي كانت تقدمه الفرقة، ويتسبب في النهاية في وفاة صاحبها قهرًا وحسرة على ما آل إليه حال الفن.
ورغم تلك الظروف القاسية، يرفض احد فنانى الفرقة " أحمد السلكاوي " ، مغادرة المسرح المهجور، ويقرر البقاء فيه برفقة ابنته " ألحان المهدي " ، وفي هذه الأثناء يظهر المخرج الشاب، " نور محمود " ، ويقرر استعادة مجد فرقة اللورد وإعادة إحياء المسرح الجاد من جديد.
من أجل تحقيق هذا الحلم، يتم استدعاء الممثلين القدامى، الفنان محمد مبروك والفنانة شريهان الشاذلي، إلى جانب الاستعانة بمجموعة من الممثلين الشباب الموهوبين الذين رفضهم المنتج، ليبدأ الجميع رحلة الإعداد لعرض مسرحي جديد يعيد للمسرح مكانته وقيمته.
يواصل العمل تصاعده الدرامي عندما ينجح المنتج " عبد المنعم رياض " في خداع المخرج الشاب وإجباره على توقيع عقد احتكار يمنعه من العمل مع أي فرقة أخرى حتى الانتهاء من العرض المسرحي. ومن هنا يبدأ الصراع الحقيقي بين الجانبين، إلى أن يتمكن فريق "اللورد" من الانتصار على المنتج بالحيلة والذكاء، قبل أن يفاجأ الجميع بأنه اشترى الأرض المقام عليها المسرح ورغم ذلك، ينجح أبطال العرض في النهاية في تحقيق حلمهم، واستعادة مجد الفرقة، ومواجهة المستوى الهابط الذي يقدمه ذلك المنتج غير الموهوب.
على مستوى الرؤية الإخراجية، فقد اتسمت معالجة المخرج أحمد فؤاد بوعي واضح بطبيعة العمل وأهدافه، حيث استطاع توظيف العناصر المسرحية المختلفة لخدمة الفكرة الرئيسية دون إفراط أو افتعال، كما جاء الإيقاع متوازنًا بين المشاهد الحوارية والاستعراضية، الأمر الذي حافظ على تدفق الأحداث ومنع وقوع العرض في فخ الرتابة أو التكرار.
ويُحسب للعرض نجاحه في تقديم مجموعة من النجوم المتميزين، وفي مقدمتها الفنان والنجم نور محمود، الذي قدم شخصية المخرج الشاب بصدق كبير وحضور لافت، فقد امتلك القدرة على التنقل بين الانفعالات المختلفة بسلاسة واضحة، جامعًا بين الحس الكوميدي والبعد الإنساني للشخصية، ما جعل المتفرج شريكًا حقيقيًا في رحلته النفسية والفنية ، كما بدا واضحًا امتلاكه لأدواته كممثل قادر على قيادة العرض المسرحى وتحمل مسؤولية البطولة بثقة واقتدار بالاضافة إلى أدواره الرائعة فى الدراما والسينما .
كذلك قدم الفنان أحمد السلكاوي أداءً يتميز بالحيوية والمرونة، مستفيدًا من خبرته المسرحية الطويلة وقدرته الكبيرة على التواصل المباشر مع الجمهور، وقد نجح في منح الشخصية التي يجسدها خصوصيتها، وقدم العديد من اللحظات التي جمعت بين خفة الظل والعمق الدرامي، مؤكدًا مكانته كأحد العناصر الأساسية في البناء الفني للعرض.
أما الفنان عبد المنعم رياض فقد قدم أداءً يعتمد على الهدوء والسيطرة على أدواته التمثيلية بعيدًا عن المبالغة، ونجح في تجسيد شخصية تحمل أبعادًا متعددة، ما أضفى على المشاهد التي شارك فيها قيمة درامية إضافية، وأظهر تمكنه من التعبير عن المشاعر المختلفة بأقل قدر من الوسائل.
ولم يقتصر نجاح «التياترو» على أبطاله الرئيسيين فقط، بل امتد إلى باقي أفراد فريق العمل الذين شكلوا حالة فنية جماعية متجانسة، وقد برزت الفنانة ألحان المهدي بأدائها الرائع وصوتها الجميل، أيضا استمتعنا بالأداء المتميز لكل من الفنانة شريهان الشاذلى والفنان محمد مبروك ، فيما قدم كل من هاجر البديوى، فادي رأفت، باسم سليمان، أبانوب بحر، علاء الحريري، وتامر عبد المجيد، أداءً يؤكد حجم الجهد المبذول خلال البروفات، حيث ظهر الانسجام الواضح بين الممثلين في الحركة والحوار والإيقاع، وهو ما انعكس بشكل مباشر على جودة العرض وقدرته على الوصول إلى الجمهور.
على مستوى العناصر الفنية، نجحت أشعار طارق علي، واستعراضات محمد بيلا، وموسيقى شهاب محمد عزت في أن تكون جزءًا أصيلًا من البناء الدرامي، لا مجرد فواصل ترفيهية، وهو ما منح العرض طابعًا احتفاليًا يتناسب مع رسالته وأجوائه، كما ساهمت إضاءة أبو بكر الشريف في خلق الأجواء البصرية المناسبة للأحداث.
أما الديكور الذي صممه أحمد أمين، فرغم ما تميز به من قدرة على خدمة الحركة المسرحية، فإنه لم يكن معبرًا بالشكل الكافي عن طبيعة المكان.
إن القيمة الحقيقية لعرض «تياترو» لا تكمن فقط في جودة عناصره الفنية، بل في الرسالة التي يحملها , فالعمل يدافع عن الفن بوصفه فعلًا إنسانيًا وثقافيًا، ويرفض اختزال النجاح في الأرقام والمؤشرات السريعة، مؤكدًا أن الموهبة الحقيقية والعمل الجاد يظلان الطريق الأكثر بقاءً وتأثيرًا.
وفي النهاية، يمكن القول إن " التياترو " يقدم تجربة مسرحية ممتعة وواعية في آن واحد، تجمع بين الترفيه والفكر، وتؤكد أن المسرح ما زال قادرًا على مناقشة قضايا العصر بلغة بسيطة تصل إلى الجمهور دون أن تتنازل عن قيمتها الفنية، وهو عرض يستحق التقدير لما يقدمه من دفاع صادق عن الفن الحقيقي، ولما كشف عنه من طاقات تمثيلية متميزة في مقدمتها نور محمود وأحمد السلكاوي وعبد المنعم رياض، إلى جانب فريق عمل نجح في تقديم تجربة جديرة بالمتابعة والاحتفاء.
في النهاية لا يسعنا إلا أن نتوجه بخالص التقدير للفنان محسن منصور، مدير المسرح الحديث، الذي نجح خلال فترة توليه إدارة المسرح في تقديم مجموعة من العروض المتميزة التي أثرت الحركة المسرحية وأسهمت في جذب الجمهور إلى خشبة المسرح من جديد، كما نتوجه بالشكر إلى الأستاذ ممدوح حفني، رئيس اللجنة النقابية بالبيت الفني للمسرح ومدير الصالة والشباك، تقديرًا لجهوده الواضحة في حسن التنظيم والإدارة، بما ساهم في خروج العروض بالصورة اللائقة التي تليق بتاريخ وقيمة المسرح الحديث.