خلف الشاشات وأمام ميكروفونات الإذاعة، تقف قامات إعلامية نجحت فى ترك بصمة لافتة لدى الجمهور، لكن وراء كل تجربة إعلامية ناجحة رحلة طويلة بدأت فى كثير من الأحيان من مقاعد الدراسة ومدرجات الجامعة، حيث الأحلام الأولى، والصداقات، والأنشطة الطلابية، والمواقف التى لا تُنسى.. فكيف كانت بدايات هؤلاء الإعلاميين؟ وكيف أسهمت قاعات الدراسة والصفوف الأولى والأساتذة فى تشكيل شخصياتهم قبل الوصول إلى عالم الاحتراف؟
فى هذا التحقيق، تعود مجلة «الكواكب» بالزمن مع أربعة من أبرز الأسماء الإعلامية إلى سنوات الجامعة، لنستمع إلى ذكرياتهم، ونتعرف على كواليس التحاقهم بالجامعة، وأسرار التفوق، وذكريات الصداقة والأساتذة الذين تركوا أثرًا لا يُمحى، وكيف تحولت الجامعة بالنسبة لكل منهم إلى حجر الأساس وبوابة العبور الحقيقية نحو عالم الإعلام.

فى البداية تستعيد الإعلامية علا بكر ذكريات سنوات الجامعة، مؤكدة أن حلم العمل الإعلامى لم يكن وليد الصدفة، وإنما بدأ معها فى سن مبكرة للغاية، قائلة: كان حلم المذيعة يراودنى منذ أن كنت فى التاسعة من عمرى.
وتضيف: دخلت كلية الآداب جامعة الإسكندرية قسم اجتماع بحب، لكن عندما رغبت بالتحويل لشعبة الإعلام فى السنة الثانية، نصحنى رئيس القسم بالبقاء بالقسم، واقتنعت وقتها وأكملت دراستى به.
وتوضح علا أن قرارها لم يكن نهاية الطريق نحو الإعلام، وإنما كان بداية رحلة أخرى، مؤكدة انها تؤمن بأن الاحتراف يتطلب التعلم الجيد، لذلك عادت بعد التخرج لدراسة الإعلام مجددًا، حتى حصلت على ليسانس ثانٍ.
وتتذكر تلك الخطوة بابتسامة، قائلة: أذكر جملة رئيس شئون الطلبة وقتها: أنتِ الطالبة الوحيدة التى فعلت ذلك!.
وعن المفارقة التى لعبت دورًا مهمًا فى حياتها المهنية، تقول: الليسانس الأول هو ما فتح لى الباب، أتذكر أن أستاذى أ. مدحت خطاب، سكرتير تحرير إحدى المجلات آنذاك، قد أعجب بتحقيقى ومقالى فى أحد الامتحانات، وقد رشحنى بعدها للتدريب فى هذه المجلة لأعمل بها خمس سنوات.
وتستكمل: فى آخر امتحاناتى بليسانس الإعلام، شجعنى المخرج د. منير التونى على التقديم لاختبارات الإذاعة المصرية، ونجحت بها بفضل الله، لتكون انطلاقتى للإذاعة ثم التليفزيون المصرى، الذى أفخر بالانتماء لمنظومته.
ولا تزال تفاصيل اليوم الأول فى الجامعة حاضرة فى ذاكرتها، وتقول: لا أنسى يومى الأول بالكلية فى جامعة الإسكندرية فى الشاطبى وشعور الانطلاق والملابس الجديدة والانتقال من مرحلة لمرحلة جديدة.
وتضيف: رغم التزامى الشديد واستمتاعى بمواد الإذاعة ودعم أساتذتى، كنا نختلس أوقاتًا للنزهات وتناول وجبة خفيفة بالكافتيريا مع أصدقاء العمر حتى الآن.
وعن المواد التى كانت الأقرب إلى قلبها، تقول: كنت أهوى مادة الإذاعة والتليفزيون، ومادة الترجمة.
وتعترف علا بأن هناك جانبًا كانت تتمنى لو منحته اهتمامًا أكبر، قائلة: لو عاد بى الأيام لتمنيت المشاركة فى الأنشطة الطلابية.
وتختصر تجربتها الجامعية كلها فى جملة تحمل الكثير من الدلالات: تبقى الجامعة هى البوابة الأولى لاكتشاف ذاتنا وتحقيق أحلامنا.
رحلة بين الآثار والإعلام

أما الإعلامية مروة سعيد، فتبدأ ذكرياتها من علاقة قديمة بالإبداع والإعلام، قائلة: ارتباطى بالإعلام بدأ منذ الصغر؛ عشقت الشعر فى الطفولة، وفى المرحلة الثانوية وقعت فى حب الصحافة والتحقيقات واعتبرتها بحق صاحبة الجلالة.
وتوضح: رغم أن قلبي قد اختار التخصص فى قسم الآثار المصرية بكلية الآداب جامعة عين شمس، بدافع حبى الشديد لتاريخ بلدى ورغبتى فى التعمق فيه، إلا أننى بدأت العمل الميدانى بالصحافة والإذاعة وأنا ما زلت طالبة فى الجامعة.
وتتوقف مروة عند إحدى أكثر المواد التى شكلت تحديًا بالنسبة إليها، قائلة: كانت مادة الهيروغليفية تحديًا كبيرًا بالنسبة لى؛ كنت أراها مجرد رسم، حتى صحح لنا أستاذ المادة هذه الفكرة، مؤكدًا أنها كتابة وفكر.
وتضيف: هنا قررت التحدى، وبدأت أتحمل الجولات العملية فى هذه المادة حتى أتقنتها.
ولم تكتفِ مروة بالدراسة داخل الجامعة، وإنما سعت إلى الاقتراب أكثر من الحضارة المصرية، قائلة: تعمقت أكثر بالسفر للمتاحف والمعابد فى الأقصر وأسوان.
وعندما فكرت فى الدراسات العليا، حاولت الجمع بين المجالين اللذين أحبتهما، الإعلام والآثار، قائلة: حتى عندما فكرت فى الماجستير اخترت موضوعًا يجمع بين ما أحب، بين عملى بالإعلام ودراستى للآثار، وكان عنوانه «الإعلام فى مصر القديمة»، ولكنه مشروع لم يكتمل.
وتؤكد أن هذه الخلفية لم تكن بعيدة عن عملها الإعلامى فيما بعد، قائلة: أفادتنى هذه الخلفية التاريخية لاحقًا فى تقديم أفكار برنامج مبتكرة تربط الموضة والفاشون بعراقة الحضارة المصرية.
وعن الحياة الجامعية بعيدًا عن الدراسة، تقول مروة: أيام الجامعة كانت مليئة بالحياة؛ كانت لدينا مجموعة أصدقاء رائعة، وكنا نستمتع أحيانًا بالخروج للسينما أو الكافيهات.
لكنها تشير إلى أن تلك الروح المرحة كانت تتوقف تمامًا عندما يحين وقت الجد، قائلة: فى وقت الجد وقبل الامتحانات بشهر، كنا نتحول إلى قمة الالتزام.
وعندما تنظر مروة إلى تلك المرحلة الآن، تقول: عندما أنظر للخلف، أندهش من قدرتى وقتها على التوفيق بين دراسة الآثار الصعبة والعمل الإعلامى الميدانى، فقد كانت أيامًا مفعمة بالانطلاق والمسئولية.
من الطب إلى الإعلام

تبدأ الإعلامية أوديت إبراهيم حكايتها الجامعية من حلم مختلف تمامًا، قائلة: لم تكن الصحافة خطتى الأولى، كان حلم والدي، أن أكون طبيبة أسنان أو صيدلانية.
وتضيف: حصلت على 91.5 % فى الثانوية العامة، ولم يلحقنى التنسيق بالصيدلة، لتقودنى الأقدار إلى قسم الإعلام وقتها بكلية الآداب جامعة عين شمس، وتبدأ رحلة لم تكن فى البال.
وعن اليوم الأول فى الجامعة، تقول: أتذكر أول يوم فى الجامعة بمزيج من الفرح والقلق؛ فالانتقال من مدرسة بنات إلى عالم مفتوح وثقافات مختلفة كان خطوة كبيرة.
وتستكمل: لكننى اخترت الالتزام التام، كنت من ركاب الصف الأول، أدون المحاضرات ولا أفوت أيا منها، وأقوم بعمل ملخصات.
وتتحدث أوديت عن الشخصية الأكاديمية التى أثرت فيها، قائلة: تأثرت جدًا بأسلوب وأناقة د. سوزان القلينى، رئيس القسم وقتها، والتى أعتبرها قدوتى.
وتكشف أن سنوات الجامعة أتاحت لها خوض تجارب ميدانية حقيقية، قائلة: عشت تجارب ميدانية طريفة ملهمة واشتركت فى عدد من النشاطات.
وتتذكر إحدى تلك التجارب قائلة: عندما كنا نعد مواد لمجلة «عين شمس الغد»، خرجت أنا وزميلتى فى الساعة السابعة مساء لنبدأ إعداد موضوع عن «أطفال الشوارع» آنذاك وقد تكلف هذا منا مجهود كبير ومصروفات أكبر كطلبة.
وعن التدريب العملى، تقول: أتذكر التدريب الصيفى فى صالات تحرير العديد من المطبوعات الصحفية حيث كنت أحرص على الإلتزام والتفوق حتي انطلقت لسوق العمل بعدها منذ عام 2007.
وعندما تتذكر سنوات الجامعة، لا تجد أوديت سببًا للندم، قائلة: لو عادت بى الأيام سأكرر كل خطوة بسعادة وحب، فقد عشت سنوات دراستى بكل حب واجتهاد، ولست نادمة على أى شيء.
حفل التخرج

أما الإعلامى حازم البهواشى، فيبدأ حكايته الجامعية من حلم لم يتحقق فى البداية، قائلاً: كان حلمى الالتحاق بكلية الإعلام، لكن التنسيق والقدر، بسبب تقصير منى فى الثانوية العامة لظروف ما، كان لهما رأى آخر، لألتحق بقسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة القاهرة.
ورغم أن المسار جاء مختلفًا عن حلمه الأول، فإنه يؤكد: تملكنى انبهار وفخر شديد بدخول هذا الصرح العريق بدلاً من المبانى التقليدية.
ويضيف: كنت شديد الالتزام بالمحاضرات حتى تخرجت السابع على الدفعة.
ويصف أجواء الجامعة قائلاً: كنا أسرة واحدة، إذا غاب أحد ما لظرف وقف الجميع خلفه.
ويستطرد: أتذكر رحلاتنا مع بعضنا، عشت فى الجامعة أجمل أيام الصداقة مع زملائى وهى صداقة مستمرة حتى الآن، خاصة مع أبناء الفيوم، حيث تبادلنا الزيارات فى بيوتنا وقريتى سنباط.
وعن الأنشطة الطلابية، يقول: كنت محبًا لها، حيث كتبت بمجلة الكلية، المجلة التى يصدرها اتحاد الطلاب.
ويضيف: فى حفل تخرجنا قدمت الحفل وألقيت كلمة الدفعة، وكرمنا أساتذتنا وأصدرنا كتيبًا بذكرياتنا، تصدرته كلمة لعميد الكلية وقتئذ د. السيد الحسينى.
ومن بين الذكريات التى يراها حازم علامة فارقة فى طريقه الإعلامى، يتذكر: وقتها قال لى صديقى، د. أحمد عمار حاليًا: أنت تصلح أن تكون مذيعًا، وصدقت نبوءته.
وعن اختياره الجامعى، يؤكد: إذا عاد بى الزمن سأكرر التحاقى بكلية الآداب جامعة القاهرة، فاللغة العربية قد أفادتنى كثيرًا فى الإعلام؛ بالإتقان وتقبل الآخر.
لكن حازم يتوقف عند بعض الأمور التى يرى أنه كان يجب أن يفعلها بصورة مختلفة، قائلاً: «لو عادت بى الأيام لتجنبت التقصير فى عدم استكمال دراستى العليا للماجستير والدكتوراة، ولأصلحت هذا التقصير فورًا لولا الإهتمام الذى أخذنى نحو الإذاعة.
ويختتم حديثه قائلاً: تقصيرى أيضًا فى استضافة بعض من أساتذتى فى الجامعة، فلو عاد الزمن بى لاستضفتهم جميعًا لأتجنب هذا التقصير.
أخيراً بين حلم المذيعة الذى بدأ فى التاسعة من العمر، وعشق الصحافة الذى تزامن مع دراسة الآثار، وحلم «البالطو الأبيض» الذى قاد إلى صالة التحرير، ورغبة الالتحاق بكلية الإعلام التى انتهت إلى دراسة اللغة العربية، تتعدد الطرق، لكن النتيجة واحدة؛ فسنوات الجامعة تركت فى نفوس هؤلاء الإعلاميين أثرًا لا يزال حاضرًا حتى اليوم.
فبين المحاضرات والأنشطة، والالتزام والنزهات، والتجارب الميدانية والصداقات، كان لكل شخصية طريقها الخاص فى اكتشاف ذاتها، بينما لعب الأساتذة والزملاء والجامعة نفسها دورًا مهمًا فى تشكيل ملامح المستقبل، وهكذا لم تكن الجامعة مجرد محطة تعليمية، وإنما كانت بالنسبة لهم مساحة حقيقية لاكتشاف الموهبة، وصقل الشخصية، وبناء العلاقات، وبدء رحلة طويلة نحو عالم الإعلام.