السبت 22 اغسطس 2026

مديحة كامل.. الفنانة التى صنعت رحلة فنية طويلة الأثر

مديحة كامل.. الفنانة التى صنعت رحلة فنية طويلة الأثر

22-8-2026 | 12:29

ناصر جابر
تمر هذه الأيام ذكرى ميلاد الفنانة الكبيرة مديحة كامل، التى تعد واحدة من أبرز نجمات السينما المصرية، حيث استطاعت رغم قصر عمرها الفنى، أن تترك خلفها رصيدًا فنيًا متنوعًا فى السينما والمسرح والتليفزيون، وأن تصنع لنفسها مكانة خاصة وشخصية فنية متميزة مازالت حاضرة فى ذاكرة الجمهور. ورغم أن مديحة كامل اختارت الابتعاد عن الفن والأضواء فى سن مبكرة، فإن غيابها لم ينجح فى ملء المكان الذى تركته خلفها، بعدما نجحت خلال سنوات قليلة فى تقديم مجموعة من الشخصيات والأعمال التى تحولت إلى علامات بارزة ومضيئة فى تاريخ الفن المصرى، فقد امتلكت حضورًا خاصًا جعلها قادرة على الانتقال بين الأدوار المختلفة، من الفتاة الرومانسية إلى المرأة القوية، ومن الشخصيات الاجتماعية إلى الأدوار المركبة التى تحتاج إلى قدر كبير من الحضور والأداء، لذا حرصت مجلة «الكواكب» على الاحتفال بذكرى ميلاد هذه القامة الفنية الكبيرة والتطرق إلىأعمالها الفنية وكواليس أخرى فى السطور التالية. فى 3 أغسطس عام 1948، ولدت مديحة صالح أحمد فى مدينة الإسكندرية بمصر، ونشأت وسط عائلة كبيرة تتكون من ثلاثة أولاد وثلاث بنات، وكانت هى الطفلة الثانية فى الأسرة، ومنذ صغرها ظهرت لديها مواهب واهتمامات متعددة؛ فكانت تحب ممارسة الألعاب الرياضية، وخاصة تنس الطاولة وكرة السلة، إلا أن عشقها الحقيقى كان للتمثيل الذى بدأ معها منذ سنوات الطفولة، وفى مدرستها بالإسكندرية، حصلت على فرصة مبكرة لاكتشاف موهبتها، عندما أدت دور «رابعة العدوية»، فى مسرحية مدرسية خلال المرحلة الدراسية الإعدادية، وتمكنت من لفت الأنظار إليها، وحصلت على لقب أحسن ممثلة فى المدرسة، وهو ما منحها دفعة قوية للاستمرار فى طريق الفن، وبعد انتهاء المرحلة الإعدادية، قررت استكمال دراستها، وانتقلت إلى القاهرة عام 1962، وفى عام 1965 التحقت بجامعة عين شمس، ودخلت كلية الآداب، بالتزامن مع بدايات خطواتها الأولى فى عالم الفن. البداية بأدوار صغيرة بدأت مديحة كامل مسيرتها الفنية عام 1964، حيث كانت تحصل فى البداية على أدوار صغيرة فى المسرح والسينما، ثم بدأت تدريجيًا فى الحصول على أدوار ثانوية، وظلت تتحرك بخطوات ثابتة فى طريقها نحو البطولة. وفى عام 1966، وبعد عامين فقط من بداية مشوارها الفنى، حصلت على دور البطولة فى فيلم «30 يوم فى السجن» أمام الفنان فريد شوقى، حيث قدمت شخصية الوجه الجديد «سهير».. وكانت هذه الخطوة بمثابة محطة مهمة فى طريقها الفنى، إلا أنها انقطعت عن التمثيل بعد ذلك لمدة عامين، قبل أن تعود مجددًا إلى العمل. وبعد عودتها، شاركت فى عدد من الأعمال فى لبنان ومصر، لكنها ظلت فى البداية تقدم أدوارًا صغيرة وغير مؤثرة بالشكل الذى كانت تطمح إليه، ولم تستطع رغم انتشارها أن تحقق شهرة واسعة، قبل أن تنتقل إلى أدوار أكبر وتحصل على البطولة الثانية، وتبدأ مرحلة جديدة فى مشوارها الفنى. أكثر من 100 فيلم فى الذاكرة شاركت مديحة كامل فى عدد كبير من الأفلام، بلغ عددها أكثر من 100 فيلم، وتنوعت أدوارها بين الشخصيات الاجتماعية والرومانسية والدرامية، إلى جانب الأدوار التى احتاجت إلى حضور قوى وقدرة على التعبير. ومن أبرز أفلامها فيلم «المراهقان» عام 1964، ثم «خدنى معاك» و«العقل والمال» عام 1965، وقدمت فى الأخير شخصية بهاريز بنت السلطان. وفى عام 1966 شاركت فى «هو والنساء» بدور جارة والد فيفى، و«30 يوم فى السجن» بدور سهير، ثم قدمت فى «العيب» عام 1967 شخصية نجاة، وفى «مطاردة غرامية» عام 1968 شخصية ماريا المضيفة الإيطالية، إلى جانب «صيف قوى الذاكرة» بدور وفاء، و«أبطال ونساء» بدور هيام. وتوالت أعمالها، فشاركت فى «عندما تثمر النخيل» عام 1969، و«عصابة النساء» و«دلال المصرية» و«حب المراهقات» و«ابن إفريقيا» عام 1970، وقدمت فى «دلال المصرية» شخصية درية، وفى «ابن إفريقيا» شخصية كيتى. كما شاركت فى «الاختيار» عام 1971 كضيفة شرف، و«أختى» بدور مديحة، ثم «الورطة» عام 1972 بدور شوشو، و«الشيطان امرأة» بدور وردة، و«شلة المشاغبين» عام 1973 بدور منى، و«زمان يا حب» بدور إلهام. وفي عام 1974 شاركت فى «فى الصيف لازم نحب» بدور مديحة، ثم «حبى الأول والأخير» عام 1976 بدور زيزى، و«نساء فى المدينة» عام 1977 بدور السكرتيرة داليا، و«الأزواج الشياطين» بدور ماجدة. «الصعود إلى الهاوية».. الدور الذى لا يُنسى يعد فيلم «الصعود إلى الهاوية» المحطة الفنية الأهم فى حياة مديحة كامل، ومن أشهر وأنجح أفلامها على الإطلاق، حيث تناول الفيلم عالم المخابرات فى ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، وكان مأخوذًا عن قصة حقيقية من واقع ملفات المخابرات العامة المصرية. وقدمت مديحة كامل فى الفيلم دور شديد الصعوبة والجرأة، استطاعت من خلاله أن تثبت امتلاكها أدوات فنية قادرة على تقديم الشخصيات المركبة. «ملف فى الآداب» مع عاطف الطيب تعتبر تجربتها مع مخرج الروائع عاطف الطيب فى فيلم «ملف فى الآداب» واحدة من أشهر المحطات فى مشوارها الفنى، وتدور قصة الفيلم حول ضابط بشرطة الآداب يصطدم بقرار رئيسه فى بداية عمله بحفظ التحقيق فى قضية سيدة تعمل فى مهن لا أخلاقية. وكانت هذه النوعية من الأعمال تؤكد قدرة مديحة كامل على خوض الموضوعات الاجتماعية القوية، وتقديم شخصيات تتجاوز الشكل التقليدى للبطولة النسائية. حضور درامى ومسرحى متنوع لم يقتصر حضور مديحة كامل على السينما، بل كان لها نصيبها من الدراما التليفزيونية، وإن كانت مشاركاتها فى المسلسلات أقل بكثير من رصيدها السينمائى. حيث شاركت فى بطولة مسلسل «الحائرة» عام 1966، و«الانتقام» عام 1969، و«الرجل الثالث» عام 1972، و«العنكبوت» عام 1973 بدور الدكتورة نجوى داود، و«المجهول» عام 1977 بدور هدى، و«الأفعى» فى العام نفسه بدور عايدة. كما شاركت فى «رداء لرجل آخر» عام 1980 بدور سها، و«أيام لا تضيع» فى العام نفسه، و«أيوب البحر» عام 1982 بدور بدرية، و«اللقاء الأخير» بدور مفيدة، و«انتقام امرأة» عام 1983 بدور سلوى، و«ينابيع النهر» و«لا أعرف نفسى» عام 1986، وقدمت فى الأخير شخصية ماجدة، ثم «البشاير» عام 1987 بدور سلوى نصار، و«السرداب» عام 1990 بدور كريمة وإلهام. أما على خشبة المسرح، فقد وقفت وتأَلقت من خلال خمس مسرحيات، هى «هاللو شلبى» عام 1969، و«اللص الشريف» عام 1971، و«لعبة اسمها الفلوس» عام 1981، و«يوم عاصف جدًا» عام 1984، و«حلو الكلام» عام 1990. «الإنسان يصنع حظه» ومن أشهر أقوال مديحة كامل: «الإنسان هو من يصنع حظه الجيد إلى جانب مشيئة الله، لابد أن تعمل لتجد نتيجة عملك» وهى كلمات تلخص جانبًا من رؤيتها للحياة، وإيمانها بأن الإنسان مطالب بالسعى والعمل إلى جانب إيمانه بمشيئة الله. «بوابة إبليس».. بوابة الاعتزال فى عام 1992 وأثناء تصوير فيلم «بوابة إبليس» ولم تكن مديحة كامل قد أنهت باقى مشاهدها فى الفيلم، لكنها اتخذت قرارها بالاعتزال وتحملت الشرط الجزائى، فلجأ القائمون على العمل إلى تعديل السيناريو ونهاية الفيلم، لينتهى بموت البطلة قبل مواجهة طليقها، وكأن الفيلم أراد أن يكون مخرجها من عالم الفن. وبعد الاعتزال رفضت جميع العروض لإجراء لقاءات صحفية أو تليفزيونية، مفضلة الابتعاد الكامل عن الأضواء. الرحيل.. والنهاية التى لم تُطفئ الحضور توفيت مديحة كامل فى الثالث عشر من يناير عام 1997، عن عمر يناهز 48 عامًا، وبعد وفاتها أكدت ابنتها ميرهان، أن حياتها كانت تسير بشكل عادى وطبيعي ولكنها قررت البعد عن كل الأضواء. وهكذا رحلت مديحة كامل وهى فى الثامنة والأربعين، تاركة وراءها مسيرة فنية قصيرة نسبيًا، لكنها حافلة بالأعمال والشخصيات التى جعلت اسمها حاضرًا حتى اليوم بين السينما والمسرح والتليفزيون، ثم قرار الاعتزال والحجاب والابتعاد عن الأضواء، لتبقى تجربتها نموذجًا لفنانة استطاعت أن تصنع لنفسها حضورًا لا يرتبط بعدد سنوات العمل، وإنما بما تركته من أثر فى وجدان الجمهور، لتظل واحدة من النجمات اللاتى يصعب أن يتكرر حضورهن أو أن يملأ أحد المكان الذى تركته شاغرًا.