السبت 22 اغسطس 2026

«شاطئ الفن»..الثقافة المصرية تبحر إلى الجمهور فى المدن الساحلية

شاطئ الفن ..الثقافة المصرية تبحر إلى الجمهور فى المدن الساحلية

22-8-2026 | 12:40

هيثم الهواري
فى إطار خطة وزارة الثقافة المصرية لتوسيع نطاق الأنشطة الفنية والثقافية والوصول بها إلى الجمهور فى مختلف المحافظات برعاية الدكتور عبد العزيز قنصوة وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة، أطلقت الهيئة العامة لقصور الثقافة برئاسة المخرج هشام عطوة، برنامج «شاطئ الفن» خلال صيف 2026، ليقدم سلسلة من العروض الفنية المجانية فى عدد من المحافظات والمدن الساحلية، مستفيدًا من طبيعة الموسم الصيفى وكثافة الحركة الجماهيرية التى تشهدها هذه المناطق خلال أشهر الإجازات. يأتى البرنامج ضمن المشروع القومى للفنون «الثقافة حياة»، الذى يستهدف نشر الفنون للجمهور فى الأماكن المفتوحة، وإتاحة الفعاليات الثقافية أمام أكبر عدد ممكن من المواطنين، بعيدًا عن الشكل التقليدى للأنشطة داخل المسارح والقاعات المغلقة، ومن هنا تبدو الفكرة الأساسية للبرنامج قائمة على نقل الثقافة إلى الجمهور، بدلاً من انتظار الجمهور للوصول إليها، بما يفتح المجال أمام شرائح أوسع للتفاعل مع الفن والتراث المصرى. ينفذ البرنامج في ست محافظات هي: الإسكندرية، ومطروح، ودمياط، والدقهلية، وبورسعيد، والبحر الأحمر، بما يتناسب مع طبيعة كل موقع وبرنامجه الفنى. ففى الإسكندرية، أحد أهم مراكز الحركة الثقافية والسياحية فى الصيف، يقدم البرنامج 59 عرضًا فنيًا مجانيًا، تقام فى قصر ثقافة الأنفوشى وقصر ثقافة الشاطبى وشارع الحضارات بمنطقة محطة الرمل، مع استمرار الفعاليات حتى الأول من سبتمبر. أما مطروح، فيتضمن برنامج «شاطئ الفن» 59 عرضًا مجانيًا تقدم حتى الرابع من سبتمبر، مع إقامة العروض فى مسرح النادى الاجتماعى، ومشاركة فرق من محافظات مختلفة لتقدم ألوانًا متعددة من التراث الشعبى المصرى. أما بمحافظة دمياط، فتستمر الفاعليات حتى يوم 25 من الشهر نفسه، وتتضمن 38 عرضا فنيا تقدم على المسرح الرومانى برأس البر، ومسرح دمياط الجديدة. وفى البحر الأحمر، يشهد قصر ثقافة الغردقة تنظيم البرنامج للمرة الأولى ضمن الأنشطة الصيفية لوزارة الثقافة، من خلال 41 عرضًا فنيًا مجانيًا تستمر حتى 29 أغسطس، فى تجربة تعزز حضور قصور الثقافة داخل واحدة من أهم المدن السياحية المصرية. وفى محافظة الدقهلية، تستضيف مدينة جمصة 19 عرضا فنيا على مسرح جمصة حتى 26 أغسطس. وتستقبل محافظة بورسعيد 27 عرضا فنيا حتى 27 أغسطس، وتقدم على مسرح حديقة الأمل. من الدلتا إلى الصعيد من أبرز ما يميز البرنامج أنه لم يعتمد على الفرق المحلية فى كل محافظة فقط، وإنما أتاح انتقال الفرق بين المحافظات، الأمر الذى منح الفعاليات طابعًا أكثر تنوعًا، وحول العروض إلى مساحة حقيقية للتبادل الثقافى والفنى. فالجمهور فى رأس البر ودمياط الجديدة، على سبيل المثال، شاهد عروضًا لفرق تمثل المنيا والأنفوشى وتوشكى والمنصورة، بينما التقى جمهور الإسكندرية بفرق من أسوان وكفر الشيخ والغردقة والإسماعيلية، كما استضافت مطروح فرقًا من الإسماعيلية والغردقة. بذلك تحولت حفلات «شاطئ الفن» إلى نوع من التبادل الثقافى بين المحافظات، حيث تحمل كل فرقة معها ملامح البيئة التى تنتمى إليها، من الموسيقى والحركة والأزياء والاستعراضات، لتضعها أمام جمهور ينتمى إلى بيئة مختلفة. هذه الفكرة تمنح البرنامج قيمة تتجاوز الترفيه، إذ يصبح العرض الفنى وسيلة للتعرف على التنوع الثقافى داخل المجتمع المصرى، ويكتشف الجمهور من خلاله ألوانًا فنية قد لا تكون جزءًا من المشهد الثقافى المعتاد فى مدينته. الفلكلور المصرى أصبح تراثا حيا أمام الجمهور احتلت الفنون الشعبية مساحة بارزة فى برنامج «شاطئ الفن»، وهو ما يعكس أهمية التراث غير المادى فى التجربة، خاصة أن العروض الشعبية تمتلك قدرة كبيرة على التواصل المباشر مع الجمهور من خلال الموسيقى والإيقاع والحركة والأزياء والاستعراض. ففى رأس البر، قدمت فرقة أطفال الأنفوشى للفنون الشعبية مجموعة من الاستعراضات المستوحاة من بيئات مصرية مختلفة، شملت الفلكلور الفرعونى والنوبى والفلاحى والصعيدى، إلى جانب التنورة وعدد من الفقرات الفنية. وفى إحدى ليالى رأس البر ودمياط الجديدة، قدمت فرقة المنيا للفنون الشعبية استعراضات مرتبطة ببيئتها، بينما قدمت فرقة أطفال الأنفوشى مجموعة من الرقصات المستوحاة من الفلكلور المصرى المتنوع. وفى رأس البر أيضًا، حضرت الفنون النوبية من خلال فرقة توشكى التلقائية، بينما قدمت فرقة المنصورة القومية للفنون الشعبية لوحات تعكس تنوع البيئات الشعبية من الفلاحى والبدوى والإسكندرانى والصعيدى إلى السمسمية. وهكذا يقدم البرنامج صورة واسعة للثقافة الشعبية المصرية، لا باعتبارها ماضيًا محفوظًا داخل الكتب أو المتاحف، وإنما باعتبارها فنًا حيًا قادرًا على الوصول إلى الجمهور وإثارة تفاعله. النوبة ومدن القناة وسيناء على شاطئ واحد من اللافت أيضًا أن البرنامج أتاح حضورًا واضحًا للتراث النوبى والسيناوى وتراث مدن القناة، ليجمع فى فعالياته نماذج متعددة من الهوية الثقافية المصرية. ففى الإسكندرية، قدمت فرقة أسوان للفنون الشعبية عروضًا مستوحاة من التراث النوبى، إلى جانب فقرات غنائية من البيئة النوبية، بينما شاركت فرقة كفر الشيخ للموسيقى العربية بمجموعة من أعمال الطرب العربى. وفى مطروح، التقت على خشبة واحدة عروض فرقة الإسماعيلية للفنون الشعبية، التى قدمت نماذج من تراث مدن القناة، مع فرقة الغردقة القومية للفنون الشعبية التى قدمت لوحات مستوحاة من الفلكلور السيناوى، فى مشهد يجمع ثقافات مصرية متعددة داخل فعالية واحدة. وفى الغردقة، قدمت فرقة الأنفوشى للفنون الشعبية مجموعة من الاستعراضات ذات الطابع السكندرى إلى جانب لوحات من الفنون الشعبية، بينما شاركت فرقة الأنفوشى للإيقاعات الشرقية فى تقديم برنامج غنائى وموسيقى متنوع. هذا التنوع يجعل «شاطئ الفن» أشبه بخريطة فنية مصغرة للفنون المصرية، تنتقل فيها الألوان الشعبية من محافظة إلى أخرى، وتلتقى داخل المدن الساحلية أمام جمهور واسع. الموسيقى العربية و حضور للطرب والغناء لم تقتصر الفعاليات على الفنون الشعبية والاستعراضات، وإنما احتلت فرق الموسيقى العربية موقعًا مهمًا فى البرنامج، بما يتيح للجمهور الاستمتاع بألوان مختلفة من الغناء والطرب. فى جمصة، قدمت فرقة المنصورة للموسيقى العربية برنامجًا من الأغنيات التى تنتمى إلى رصيد الطرب المصرى والعربى، وهو ما أضفى على الفعاليات جانبًا غنائيًا جذب جمهور المصيف. كما أحيت فرقة البحيرة للموسيقى العربية ليلة فنية فى قصر ثقافة الغردقة، قدمت خلالها مجموعة من الأغنيات المعروفة فى قالب جماعى وفردى، وسط حضور جماهيرى وتفاعل واضح. وفى الإسكندرية، شاركت فرقة كفر الشيخ للموسيقى العربية ببرنامج من الطرب والتراث الغنائى، إلى جانب مشاركة فرقة أسوان للفنون الشعبية، وهو ما جمع بين الموسيقى والاستعراض والفلكلور فى ليلة واحدة، وأتاح للجمهور أكثر من شكل فنى فى الفعالية نفسها. جيل جديد يحمل راية التراث من أهم الجوانب التى تكشف عنها فعاليات «شاطئ الفن» مشاركة فرق الأطفال والطلائع، وهى المشاركة التى تمنح البرنامج بعدًا تنمويًا وفنيًا يتجاوز حدود الحفلات الصيفية. ففى بورسعيد، قدمت فرقة طلائع الأنفوشى للفنون الشعبية مجموعة واسعة من الاستعراضات المستوحاة من البيئات المصرية، بينما شارك أوركسترا كورال أطفال قصر ثقافة بورسعيد فى تقديم برنامج غنائى متنوع. كما كان لأطفال الأنفوشى حضور بارز فى رأس البر، حيث قدموا عروضًا مستوحاة من التراث المصرى بمختلف أشكاله. وتحمل مشاركة الأطفال أهمية تتجاوز وجودهم كجزء من برنامج ترفيهى؛ فهى تعنى أن الهيئة تتيح لجيل جديد فرصة التدريب والظهور أمام الجمهور، وفى الوقت نفسه تساهم فى نقل الفنون الشعبية من جيل إلى آخر. فالتراث لا يمكن أن يستمر فقط من خلال حفظه فى الكتب أو تسجيله فى الأرشيف، وإنما يحتاج إلى أجيال جديدة تتعلمه وتعيد تقديمه أمام الجمهور، بما يضمن استمرار حضوره وقدرته على التطور. بورسعيد.. نموذج للتنوع الفنى تقدم فعاليات «شاطئ الفن» فى بورسعيد نموذجًا واضحًا لطبيعة المشروع، حيث جمعت الفعاليات بين الفنون الشعبية والغناء والكورال. وشهدت إحدى الليالى مشاركة طلائع الأنفوشى بمجموعة من الفقرات المستوحاة من الفلكلور المصرى، إلى جانب أوركسترا كورال أطفال قصر ثقافة بورسعيد، فى عرض جمع بين الأداء الاستعراضى والغناء الجماعى. ويعكس هذا النموذج قدرة البرنامج على مخاطبة أكثر من ذائقة فنية فى الفعالية نفسها، وهو أمر مهم فى الأنشطة الجماهيرية التى تستهدف جمهورًا متنوعًا فى السن والاهتمامات، خاصة فى المدن الساحلية التى تستقبل خلال الصيف مواطنين من محافظات ومجتمعات ثقافية مختلفة. الثقافة فى قلب المصيف فى الدقهلية، استضاف مسرح جمصة السياحى عددًا من الفعاليات، من بينها عروض لفرقة المنصورة للموسيقى العربية وفرقة المنيا للفنون الشعبية، وقدمت فرقة المنيا فى إحدى الليالى مجموعة من الاستعراضات الشعبية المرتبطة بالبيئة الصعيدية، إلى جانب الآلات الشعبية والمزمار. وتؤكد هذه الفعاليات أن اختيار مواقع المصايف لم يكن مجرد اختيار لوجستى، بل جزءا من فلسفة البرنامج التى تستهدف الوصول إلى المواطن أثناء فترة الإجازة، وجعل النشاط الثقافى أحد مكونات الحياة الصيفية، بحيث يصبح حضور الفن امتدادًا طبيعيًا للحياة اليومية وليس نشاطًا منفصلًا عنها. ثلاثة أدوار كاملة عند قراءة مجمل فعاليات «شاطئ الفن»، يمكن القول إن البرنامج يتجاوز فكرة الحفلات الموسمية التقليدية، لأنه يجمع بين ثلاثة أدوار متداخلة. أولاً، الدور الثقافى، من خلال التعريف بألوان متعددة من التراث والفنون المصرية، وإتاحة الفرصة أمام الجمهور لاكتشاف ملامح ثقافية من محافظات وبيئات مختلفة. وثانيًا، الدور الجماهيرى، عبر تقديم عروض مجانية والوصول إلى الجمهور فى المدن الساحلية والمصايف. وثالثًا، الدور الفنى والتنموى، من خلال إتاحة فرص الأداء للفرق الفنية والأطفال والطلائع، وصنع مساحات للتبادل بين فرق المحافظات. كما أن انتقال الفرق بين المحافظات يصنع حالة من الحوار غير المباشر بين الثقافات المحلية، بحيث يتعرف جمهور الإسكندرية على فنون أسوان والإسماعيلية، ويتعرف جمهور مطروح على فنون مدن القناة والنوبة، بينما يشاهد جمهور رأس البر ودمياط الجديدة نماذج من الفنون القادمة من المنيا والمنصورة وأسوان وغيرها. فرص لتطوير التجربة يمتلك برنامج «شاطئ الفن» قدرات واضحة على صنع حالة فنية مستمرة تمتد لأسابيع، وتتنقل بين عدد من المدن والمحافظات، مع تنوع واضح فى الفرق والعروض، وهو ما يمنحه فرصة للتحول إلى تجربة ثقافية أكثر اتساعًا فى السنوات المقبلة من خلال توسيع مساحة الورش الفنية، وإضافة معارض للحرف التراثية، وتنظيم لقاءات مع الفنانين، وإقامة أنشطة للأطفال، وربط الفنون الشعبية بالتراث الخاص بكل مدينة تستضيف الفعاليات.