3-9-2026 | 13:42
د.صفاء زهير
استاذ المونتاج بالمعهد العالي للسينما ورئيس وحدة البروتوكولات بأكاديمية الفنون
كلما ظهرت تقنية جديدة، ظهر معها الخوف ذاته: هل ستقضي التكنولوجيا على الفن؟ وهل يأتي يوم يحل فيه الابتكار التقني محل الفنان والموهبة والخيال الإنساني؟
لكن التاريخ يخبرنا بقصة مختلفة، فالتصوير الفوتوغرافي لم يُنهِ الرسم، والسينما لم تُنهِ المسرح، والتلفزيون لم يُنهِ السينما، والتكنولوجيا الرقمية لم تُنهِ المونتاج أو التصوير، بل إن كل تقنية جديدة دفعت الفن إلى البحث عن مساحات أخرى للتعبير، وغيرت من أدواته، وأحيانًا غيرت من لغته نفسها ، بل وأري أن وجود الذكاء الاصطناعي بالفنون قد أعاد اختراع الفن ذاته على عكس ما قد يزعم البعض.
ربما لا يمثل الذكاء الاصطناعي نهاية الفن، بقدر ما يمثل نهاية بعض القواعد التقليدية التي اعتدنا أن يُنتَج الفن من خلالها، وربما يكون السؤال الأكثر أهمية اليوم ليس: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يصنع فيلمًا أو يكتب نصًا أو يؤلف موسيقى أو يرسم لوحة؟ وإنما: ماذا سيحدث للفن عندما تصبح الآلة شريكًا في عملية الإبداع؟ماذا لو تغيير شكل الوسيط الذي اعتادنا عليه من سنوات ليصبح العالم باسره؟
فالذكاء الاصطناعي أدخل عنصرًا جديدًا إلى هذه المعادلة ،أصبح بإمكانه المساعدة في كتابة السيناريو، واقتراح الشخصيات، وتصميم الصور، وتوليد الأصوات والموسيقى، وبناء البيئات الافتراضية، بل وتوليد مشاهد كاملة لم توجد أمام كاميرا بالمعنى التقليدي.
هنا يكمن كثير من صناع العمل الفني... نعم .. الآلة تستطيع أن تولد آلاف الصور في دقائق، ولكن من يقرر أي صورة تستحق أن نراها؟ ومن يختار النهاية التي تعبر بالفعل عن الفكرة التي يريد العمل إيصالها؟ وقد تستطيع تقليد صوت أو وجه أو أسلوب فني، ولكن يبقى الإنسان هو صاحب الرؤية التي تمنح هذه العناصر معناها.
لهذا ربما نشهد خلال السنوات المقبلة تحولًا في مفهوم صانع العمل نفسه ، ففي عصر الذكاء الاصطناعي لن يكون بالضرورة هو الشخص الذي ينفذ كل جزء من العمل بيده، وإنما قد يصبح بدرجة أكبر صاحب الرؤية، والموجه للعملية الإبداعية.
و تصبح قوة هذه الأداة المستخدمة هي ما يجعل الأمر مختلفًا في كل مرة.
من الصعب إنكار أن بعض الوظائف الفنية سوف تتغير أو تختفي ، بل إن شكل الوسيط نفسه سيختلف بالطبع ، وستنهي دور العرض السينمائية والعروض المسرحية المحددة بدار عرض أو خشبة مسرح ، ليصبح الفضاء الكوني الممتد هو مكان العرض
لذلك فالخطر الحقيقي ربما لا يكون في أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الفنان، وإنما في أن يحل فنان يعرف كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي محل فنان يرفض الاعتراف بوجوده.
ففي رأيي أنه كلما أصبح إنتاج الصورة أسهل، أصبحت قيمة الاختيار أكبر واصعب.
في الماضي، كانت هناك حدود لما يستطيع الفنان تنفيذه بسبب التكلفة أو المكان أو الإمكانات التقنية، أما اليوم، فيمكن تخيل مدينة لم توجد قط، أو ممثل افتراضي، أو عالم كامل، ثم توليد عشرات التصورات له في وقت قصير.
نحن على الأرجح لا نقف أمام نهاية الفن، وإنما أمام نهاية مرحلة اعتدنا شكلها وقواعدها وأدواتها، وبداية مرحلة أخرى ستعيد توزيع الأدوار بين الإنسان والآلة، وقد يكون الفنان الحقيقي في المستقبل ليس من ينافس الآلة في قدرتها على إنتاج آلاف الصور والكلمات، وإنما من يمتلك ما لا معنى لكل هذه الصور والكلمات من دونه: الرؤية الإنسانية.