5-9-2026 | 11:19
مع اقتراب أيام العودة للمدرسة تعود معها تفاصيل تبدو صغيرة فى ظاهرها، لكنها تحمل فى داخلها كثيرًا من الذكريات والمشاعر، أولها حقيبة جديدة، و زى مدرسى لم يستخدم بعد، وأدوات مدرسية بألوان زاهية، وطفل يخوض للمرة الأولى تجربة الابتعاد عن أسرته لساعات طويلة، جميعها تفاصيل تختلط فيها الفرحة بالقلق، والحماس بالخوف، والمسئولية بالحنين إلى أيام الطفولة.
ومع كل عام دراسى جديد، لا يعيش الأبناء وحدهم هذه المشاعر، حيث يجد أيضا الآباء والأمهات أمام بداية جديدة، يستعيدون خلالها ذكرياتهم القديمة، ويكتشفون أنهم يخوضون التجربة من جديد، ولكن هذه المرة من موقع الأب أو الأم.
فى جولتنا التالية يفتح عدد من الإعلاميين والإعلاميات دفاتر ذكرياتهم، لمجلة «الكواكب» ليحكوا لنا كيف يعيشون اليوم الأول مع أبنائهم فى المدرسة، وما الذى تغير بين الماضى والحاضر، وكثير من الكواليس فى السطور التالية..
فى البداية يستعيد الإعلامى حاتم حيدر تفاصيل اليوم الدراسى الأول لأبنائه «على وحبيبة»، مؤكدًا أن تلك اللحظة لا يمكن أن تنسى بسهولة، فقد حرص هو ووالدتهما على أن يكونا معهما فى أول يوم بالروضة، خاصة أن قوانين الروضة كانت تتيح للأهل البقاء ومراقبة الطفل خلال الساعتين الأوليين قبل تركه بمفرده، خاصة أن وجود الأسرة فى هذه اللحظة كان مهمًا للغاية.
يعترف حاتم أن مشاعره فى ذلك اليوم كانت مزدوجة، فقد كان سعيدًا للغاية لأنه يرى ابنه يخطو أولى خطواته فى عالم التعليم، لكنه فى الوقت نفسه لم يكن معتادًا على الابتعاد عنه كل هذه الساعات، وكانت التجربة أكثر تأثيرًا لأنها كانت المرة الأولى التى يعيش فيها هذه المشاعر مع طفله الأكبر، ومع مرور السنوات وانتقال أبنائه من مرحلة إلى أخرى، تغيرت طبيعة هذه المشاعر، لكن ظل إحساس الأب بالمسئولية حاضرًا، وأصبح يدرك أن دوره لا يتوقف عند توصيل الطفل إلى المدرسة أو متابعة واجباته، وإنما يمتد إلى بناء شخصيته ومنحه الثقة التي يحتاجها فى كل مرحلة.
وعندما يقارن حاتم بين طفولته وتجربة أبنائه، يلاحظ اختلافًا واضحًا فى طقوس الاستعداد، ففى طفولته كان يعتمد على نفسه فى ترتيب حقيبته وتجهيز ملابسه وتنظيم أدواته المدرسية، بينما كان هو ووالدة أبنائه يتوليان خلال السنوات الأولى تجهيز كل ما يخص «علي وحبيبة»، ورغم أن هذا الأمر يعكس اختلاف الزمن وطبيعة الحياة، فإن حاتم يؤكد أن الهدف في النهاية هو الوصول بالطفل إلى مرحلة يستطيع فيها الاعتماد على نفسه، وأن يحصل على الدعم في البداية قبل أن تنتقل إليه المسئولية تدريجيًا.
صورة أول يوم
أما الإعلامية هبة حمزة، تعود بذاكرتها إلى أول يوم مدرسة لابنتها زينة، وتصفه بأنه من الأيام التى يصعب اختصار مشاعرها فى كلمة واحدة، حيث كان هناك خوف من الفراق، وترقب لما سيحدث، وإحساس كبير بالمسئولية، وفى المقابل كانت هناك فرحة حقيقية بأن ابنتها بدأت أولى خطواتها على سلم التعليم، لكن إحدى أكثر الذكريات التى تثير ابتسامتها حتى اليوم كانت الصورة الشهيرة أمام لوحة «First Day of Preschool»، فبدلا من أن تكون زينة فى كامل حماسها أمام الكاميرا، كانت مغمضة العينين وفى حالة نوم تام، لتتحول الصورة إلى ذكرى عائلية طريفة، وكأن النوم قرر أن يكون البطل الحقيقى فى أول يوم مدرسة.
وترى هبة أن الفرق بين جيلها والجيل الحالى لا يقتصر على الأدوات، وإنما يمتد إلى شكل الحياة المدرسية نفسها، فى الماضى كان الطفل يعتمد على نفسه بصورة أكبر، بينما أصبحت الاستعدادات اليوم تحمل قدرًا من المنافسة، سواء فى اختيار الحقيبة أو «اللانش بوكس» أو العلامات التجارية الخاصة بالأدوات.
لكنها ترى أن ما يفوق كل ذلك أهمية هو الجلوس مع الأبناء والاستماع إليهم ومعرفة تفاصيل يومهم ومشاعرهم، وتستعيد فى هذا السياق ذكريات طفولتها مع والدها الراحل، خاصة لحظات شرائه لها ولإخوتها الزى المدرسى والحقائب والأدوات، وهى تفاصيل صغيرة لكنها بقيت فى ذاكرتها حتى اليوم.
مذاكرة وهوايات
تدخل الإعلامية دينا شعراوى العام الدراسى مع ابنتها تاليا، التى وصلت إلى الصف الرابع، برؤية مختلفة تقوم على الهدوء، فهى تتذكر أنها كانت تشعر فى طفولتها بأن المدرسة تسلبها حريتها، ولذلك تحاول ألا تنتقل هذه الصورة إلى ابنتها، وتحرص فى الأسبوع الأول على أن تكون الأجواء هادئة وبعيدة عن الضغط والتوتر، بل وتحاول أن تجعل الاستعداد للمدرسة ممتعًا، فتشارك ابنتها فى شراء الأدوات المدرسية ذات الأشكال التى تحبها، حتى تبدأ علاقتها بالدراسة من باب الحب وليس الخوف.
وترفض دينا فكرة أن تعنى المدرسة توقف الحياة، ففى الماضى كان بدء الدراسة يعنى النوم مبكرًا جدًا والانقطاع عن الخروج، لكنها ترى أن الطفل يحتاج إلى حياة متوازنة، ولذلك تخصص لتاليا وقتًا للمذاكرة ووقتًا للرياضة، خاصة أنها تمارس الجمباز وتلتزم بتدريباتها.
وتستعيد دينا ذكريات خوفها وتعلقها بوالدتها فى طفولتها، وتؤكد أنها حرصت على ألا تتكرر التجربة مع ابنتها، تريد أن تذهب تاليا إلى المدرسة وهى سعيدة بلقاء أصدقائها والاستمتاع بوقتها، وبسبب طبيعة عملها، لا تستطيع متابعة كل درس بصورة تفصيلية، ولذلك تعتمد على المشاركة بدلا من المذاكرة بالنيابة، وتتابع معها وتشرح لها ما يصعب عليها، وتشاركها فى تنفيذ المشروعات المدرسية، وفى الوقت نفسه تحاول دفعها إلى الاعتماد على نفسها، مع الوجود إلى جوارها خلال الامتحانات والمراجعات.
أتيليه الرسم فى المدرسة
تتذكر الإعلامية دينا قنديل بداية رحلة ابنها الوحيد، الذى وصل اليوم إلى المرحلة الثانوية، وتؤكد أن نجاح البداية جاء نتيجة التمهيد المبكر من الأسرة والحضانة، وكان ابنها متحمسًا وسعيدًا، بينما كانت هى تعيش مشاعر أكثر تعقيدًا، وعندما وصل إلى الروضة ودخل الفصل، شعرت وكأنها تترك قطعة من قلبها هناك وتمشى، لكنه فاجأها بهدوئه وثباته واستقلاليته، فى الوقت الذى كان فيه أطفال آخرون يبكون، حيث كان ابن دينا يحب الرسم، لذلك تصور أن المدرسة ستكون أشبه بـ«أتيليه» كبير، وكان اهتمامه منصبًا على الألوان وكراسة الرسم، لكنه اكتشف سريعًا أن المدرسة لها قواعدها: طابور، ومواعيد محددة للطعام والشراب، ونظام يجب الالتزام به، وهنا وفقاً لقولها يأتى دور الأهل أن يشرحوا للطفل أن القواعد ليست قيودًا، وإنما وسيلة تساعد الطفل على بناء شخصية منظمة ومسئولة.
وتؤكد دينا أن قراءتها فى علم النفس ساعدتها على التعامل مع ابنها وفقًا لكل مرحلة، لأن الطفل فى المرحلة الابتدائية يحتاج إلى الرعاية أكثر، بينما يحتاج المراهق إلى وجود مختلف، يقوم على المتابعة من بعيد ومنحه المساحة دون إغراقه في النصائح المباشرة، أما العودة إلى النوم المبكر، فتصفها بأنها تحتاج إلى «صدمة» اليوم الأول والاستيقاظ فى السادسة صباحًا، ومع العمل الإعلامى، تعتمد على جدول منظم يسمح لها بمتابعة المواد الدراسية يوميًا ولو بصورة سريعة، بينما تستغل العطلات لمراجعة بعض المواد، مثل التاريخ، بطريقة قصصية ممتعة، وقبل أن يغادر ابنها المنزل، تقول له دائمًا: «أنت سفير بيتك»، لأن سلوكه فى الخارج صورة لأسرته.
الدعم والمساندة
بالنسبة إلى الإعلامية شيرين الشافعى، لا يمكن الحديث عن أول يوم مدرسة دون استعادة موقف ابنتها الصغيرة، حيث كانت الطفلة سعيدة بالزى المدرسى ومتحمسة للبداية، لكنها تعثرت وسقطت على السلالم، فانهارت بالبكاء، ومن هذه اللحظة خرجت شيرين بقناعة أساسية وهى ان الطفل فى بداية رحلته لا يحتاج فقط إلى الأدوات والملابس، وإنما يحتاج قبل كل شيء إلى الأمان، وأن يعرف أن والديه موجودان عندما يشعر بالخوف فى البداية.
وترى شيرين أن أحد أهم الفروق بين الأمس واليوم هو شكل الإجازة، فى طفولتها كانت الإجازة مساحة حقيقية للراحة واللعب، وكانت الدراسة تبدأ مع بداية الدراسة فعلا، أما اليوم، فهناك استعداد للمذاكرة يبدأ قبل انتهاء الإجازة، وهو أمر ترى أنه قد يرهق الطفل نفسيًا، لذلك تؤمن بأن الإجازة يجب أن تمنح الطفل فرصة لتجديد طاقته، حتى يعود إلى المدرسة أكثر استعدادًا من الناحيتين النفسية والذهنية.
وفى الأسبوع الأول من الدراسة، تتعامل شيرين مع اضطراب النوم بالتدرج والهدوء، وترفض تحويل الأمر إلى معركة يومية، كما تحاول التوازن بين ساعات عملها ومسئولياتها الأسرية، مؤمنة بأن الدراسة مسئولية الأبناء، بينما دور الأهل هو الدعم والمساندة.
ضبط الساعة البيولوجية
يستعيد الإعلامى طاهر أبو زيد أول يوم مدرسة لابنته سلمى، ويكشف أن المفارقة كانت فى أن الطفلة كانت شديدة السعادة بالزى المدرسى، بينما كان هو الأكثر توترًا، حيث بدأت طقوس اليوم بالتقاط الصور التذكارية فى المنزل، ثم اصطحبها إلى المدرسة بنفسه، وكان القلق بالنسبة إليه مرتبطًا بفكرة أنها ستبتعد عنه من السادسة صباحًا وحتى الثالثة عصرًا، بعدما اعتاد أن تكون إلى جواره فى تحركاته.
ويرى طاهر أن الاستعداد للمدرسة تغير جذريًا، حيث إنه يتذكر فى طفولته لم يكن هناك «سبلايز» أو قوائم من المستلزمات، وكانت الحقيبة وزجاجة المياه هما الأساس.. وحتى الساندويتشات لم تكن جزءًا ضروريًا من الحقيبة، أما اليوم، فأصبحت المستلزمات أكثر بكثير.
وكما يشير فخلال الأسبوعين الأخيرين من الصيف، يبدأ طاهر فى إعادة ضبط الساعة البيولوجية للأسرة تدريجيًا، فيعدل مواعيد الغداء، ويجعل العشاء أخف، ويقلل السهر خطوة بعد أخرى، حتى يصبح النوم فى العاشرة مساءً بدلا من السهر لساعات متأخرة.
وفى ملف الدراسة، يرى أن الأم تظل الجندى المجهول والمسئولة الأساسية عن المتابعة اليومية، بينما يخصص هو نحو ساعتين يوميًا بعد عودته من العمل للجلوس مع الأبناء والاستماع إلى تفاصيل يومهم ومعرفة ما يحتاجون إليه.
وهكذا، تبدو العودة إلى المدارس أكثر من مجرد موعد سنوى على أجندة الأسر، حيث إنها مناسبة يستعيد فيها الآباء والأمهات طفولتهم من جديد، لكن من موقع مختلف، يتذكرون الخوف الذى عاشوه أمام أبواب المدارس، والحقائب التى حملوها، والإجازات الطويلة التى كانت تعنى اللعب، ثم ينظرون إلى أبنائهم وهم يدخلون عالمًا أكثر تعقيدًا وتكنولوجيا.
لكن رغم كل هذا التغيير، يبقى شيء واحد ثابت وهو الطفل الذى يمسك يد والده أمام باب المدرسة، أو يبحث عن حضن أمه بعد لحظة خوف، لا يحتاج فى تلك اللحظة إلى حقيبة أو أدوات أكثر، بقدر ما يحتاج إلى كلمة تطمئنه ونظرة تمنحه الثقة.