5-9-2026 | 12:11
هيثم الهوارى
قليلًا ما تنجح العروض المسرحية في الاقتراب من قضية اجتماعية شديدة الأهمية، دون أن تقع في فخ المباشرة أو تتحول إلى منصة لإلقاء النصائح والرسائل الجاهزة ، غير أن مسرحية " بوكس العيلة" استطاعت أن تتناول واحدة من أكثر القضايا حضورًا في حياتنا المعاصرة، وهي تراجع التواصل داخل العائلة، وانحسار اللقاءات الإنسانية الحقيقية بين أفرادها، في ظل عالم أصبحت فيه الهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من تفاصيل الحياة اليومية.
يناقش العرض بخفة كوميدية واعية، التحولات التي أصابت العلاقات الأسرية، وكيف أصبح أفراد العائلة، أكثر ابتعادًا من أي وقت مضى، فالعائلة التي كانت تجمعها جلسة واحدة وحوار طويل وذكريات مشتركة، أصبحت متباعدة، و لكل فرد عالمه الخاص، وهو ما أفقد العلاقات الأسرية جانبًا مهمًا من حميميتها ودفئها.
ومن هنا تأتي أهمية «بوكس العيلة»، الذي لا يقدم هذه الفكرة في صورة خطاب مباشر، وإنما يضعها داخل مجموعة من المواقف الكوميدية والشخصيات المتباينة، لتصل الرسالة إلى الجمهور من خلال الضحك والتفاعل، وليس عبر الوعظ.
يأتي عرض «بوكس العيلة» ضمن مبادرة «المسرح للجميع» التي يقودها الفنان سامح حسين، وهي مبادرة تنطلق من رؤية تتجاوز تقديم العروض المسرحية، لتؤكد أهمية وصول الثقافة والفنون إلى الجمهور في مختلف المحافظات، تماشيًا مع توجهات وجهود الدولة الملموسة نحو نشر الثقافة و الاهتمام ببناء الإنسان.
تقوم فكرة المبادرة على كسر مركزية النشاط المسرحي، وعدم حصر العروض والفعاليات في مسارح المدن الكبرى، وإنما التحرك بالمسرح إلى الجمهور في مختلف المحافظات بما يمنح المشاهد في كل الأماكن حقه في المشاركة الفعلية في الحياة الثقافية والفنية، وهو ما تقوم به الدولة فعليا من خلال جهاتها المعنية وتتاخذه المبادرة نبراسا لها.
تكتسب هذه الرؤية أهميتها من كونها تعيد صياغة العلاقة بين المسرح وجمهوره؛ فبدلًا من أن يظل المشاهد في انتظار وصول العروض إليه، يصبح المسرح نفسه هو الذي يذهب إليه، ليفتح المجال أمام جمهور جديد، ويمنح الفنانين فرصة للتواصل المباشر مع شرائح مختلفة من المجتمع.
تدور أحداث «بوكس العيلة» في إطار كوميدي اجتماعي ساخر، من خلال شخصية الدكتور «ناجح»، طبيب التجميل الذي يجسد دوره الفنان سامح حسين، والذي يدعو أفراد عائلته القادمين من محافظات مختلفة لحضور حفل زفاف شقيقته.
لكن المفاجأة أن أفراد الأسرة لا يكتفون بالحضور في موعد الزفاف، وإنما يقررون الإقامة في منزل ناجح قبل المناسبة بشهر كامل، لتبدأ من هنا سلسلة من المواقف والأزمات الكوميدية التي تكشف اختلاف الطباع والشخصيات، وتضع أفراد الأسرة وجهًا لوجه مع بعضهم البعض بعد سنوات من التباعد والانشغال.
تكمن إحدى نقاط قوة الفكرة في أن اجتماع الأسرة، الذي يبدو في البداية مصدرًا للفوضى والمشكلات، يتحول تدريجيًا إلى فرصة لاستعادة شيء افتقده الجميع وهو التواجد معا مرة أخرى .
العرض فكرة وإخراج إسلام إمام، الذي استطاع أن يقدم تجربة كوميدية متماسكة، مستفيدًا من طبيعة الشخصيات وتنوعها، دون أن تتحول الكوميديا إلى مجرد مجموعة من الإفيهات المتتالية.
ويحسب لإمام اختياره الدقيق لأبطال العرض، وإدارته الجيدة للإيقاع الكوميدي، وقدرته على خلق مساحة لكل شخصية داخل البناء العام للعمل، بحيث لا تبدو الشخصيات مجرد أدوات لتحريك الأحداث، وإنما عناصر فاعلة في صناعة الموقف الكوميدي.
تقدم الفنانة آيات مجدي شخصية الدكتورة «سماح»، زوجة ناجح، بأداء يحمل قدرًا واضحًا من العفوية والقدرة على التعامل مع الكوميديا، بينما تثبت نورهان أبو سريع امتلاكها أدوات تمثيلية متعددة، من خلال أداء متوازن ومقنع.
كما يقدم محمد عصام أداءً كوميديًا واعيًا، في حين يمثل إسلام صلاح إحدى مفاجآت العرض، خصوصًا من خلال الشخصية الصعيدية التي استطاع أن يمنحها حضورًا خاصًا، وأن يصنع من خلالها لحظات ضحك حقيقية مع الجمهور.
كما تبرز سهيلة الأنور في شخصية الخالة «نعناعة»، التي قدمتها بخفة وحضور كوميدي يكشفان عن إمكانيات فنية واعدة، وتنجح صافي فهمي في تقديم شخصية الفتاة «الكيوت» بخفة مناسبة لطبيعة الدور، بينما كان عبد العزيز حسين من المفاجآت اللافتة في العرض، حيث كشف عن امتلاكه أدوات تمثيلية تستحق المزيد من الاهتمام.
يشارك كذلك مجموعة من الفنانين، من بينهم معاذ، ونيفين أغا، وحامد الزناتي، ومحمد عاطف، الذين أسهموا في اكتمال الصورة الجماعية للعرض، وأثبتوا أن التجارب المسرحية التي تمنح الشباب مساحة حقيقية قادرة على تقديم طاقات جديدة تستحق الاكتشاف.
العرض من تأليف أحمد الملواني، الذي تعامل مع الفكرة بوعي واضح، واستطاع أن يبني المواقف الكوميدية من داخل الشخصيات والعلاقات بينها، بدلًا من إقحام الإفيهات لمجرد صناعة الضحك.
وهي نقطة مهمة في أي عمل كوميدي؛ فالكوميديا الأكثر تأثيرًا هي التي تنبع من الموقف نفسه، ومن طبيعة الشخصيات وتناقضاتها، وليس من محاولة مستمرة لإجبار الجمهور على الضحك، وفي «بوكس العيلة» تبدو الكوميديا جزءًا من البناء الدرامي وليست منفصلة عنه.
جاء ديكور د. حمدي عطية بسيطًا ومتوافقًا مع طبيعة الأحداث، ونجح في توفير البيئة المناسبة لحركة الشخصيات من دون أن يثقل العرض بتفاصيل بصرية لا يحتاج إليها.
أما الأشعار لـ طارق علي، والألحان لـ يحيى نديم، والاستعراضات لـ ضياء شفيق، فقد شكلت معًا مساحة فنية موازية أضافت إلى العرض، وقدمت لوحات غنائية واستعراضية جاءت منسجمة مع روحه الكوميدية.
جاءت ملابس أحمد شربى بسيطة ومعبرة عن الشخصيات، وهو ما يتناسب مع طبيعة العمل. وشربى من الأسماء الشابة التي تمتلك أكثر من موهبة في المجال المسرحي، خصوصًا مع خبرته في تصميم الديكور إلى جانب عمله في مجال تصميم الملابس، وهو ما يمنحه رؤية بصرية متكاملة.
ربما لا يحتاج الأداء الكوميدي أما الفنان سامح حسين فهو يمتلك خبرة وحضورًا يجعلان وجوده على خشبة المسرح قادرًا على صناعة حالة خاصة مع الجمهور.
لكن الأهم في «بوكس العيلة» ليس فقط ما يقدمه سامح حسين كممثل، وإنما ما يقدمه باعتباره صاحب تجربة ومشروع مسرحي ظل يحلم به ويخطط له لسنوات.
الفكرة الأهم هنا هي محاولة إعادة الجمهور إلى المسرح، وإعادة المسرح في الوقت نفسه إلى الجمهور، وهو أمر يتجاوز مجرد فكرة تقديم عرض مسرحي
إلى صناعة حالة.
في «بوكس العيلة» يلتقي هذا المشروع مع مضمون العرض نفسه؛ فالمسرحية تتحدث عن ضرورة اجتماع الأسرة، بينما يذهب المسرح نفسه إلى الناس ليجمعهم في مكان واحد حول تجربة مشتركة.
هنا تكمن القيمة الحقيقية للتجربة: مسرح يتحدث عن لمّة العيلة، ويصنع في الوقت نفسه لمّة جديدة حول خشبته.
" بوكس العيلة" ليس مجرد عرض كوميدي يهدف إلى إضحاك الجمهور، وإنما تجربة تطرح سؤالًا بسيطًا في ظاهره، عميقًا في دلالته: ماذا حدث للعائلة التي كانت تعرف كيف تجتمع؟
والإجابة لا يقدمها العرض في شكل خطبة أو نصيحة، وإنما يتركها للمشاهد وهو يضحك، وربما وهو يكتشف أن بعض ما يراه على الخشبة يشبه كثيرًا ما يحدث داخل بيته.