الأربعاء 14 اكتوبر 2026

«‬الذكاء‭ ‬الاصطناعى‮»‬‭ ‬يفتح‭ ‬أبواب‭ ‬الإبداع‭ ‬عالمياً‭ ‬ويثير‭ ‬مخاوف‭ ‬الفنانين‭!‬

السينما فى عصر الذكاء الاصطناعى

12-10-2026 | 09:52

أشرف بيومي

لم‭ ‬يعد‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعى‭ ‬مجرد‭ ‬أداة‭ ‬تقنية‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬عالم‭ ‬الفن،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬حاضرًا‭ ‬فى‭ ‬صناعة‭ ‬السينما‭ ‬وبخاصة‭ ‬عالمياً،‭ ‬حيث‭ ‬يفتح‭ ‬أمام‭ ‬صناعها‭ ‬أبواباً‭ ‬جديدة‭ ‬لإعادة‭ ‬تقديم‭ ‬الشخصيات‭ ‬والأصوات‭ ‬والصور‭ ‬بطرق‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬ممكنة‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬وفى‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬يفرض‭ ‬تساؤلات‭ ‬عديدة‭ ‬حول‭ ‬حدود‭ ‬الإبداع‭ ‬ومستقبل‭ ‬العمل‭ ‬الفنى،‭ ‬لكن‭ ‬يأتى‭ ‬هنا‭ ‬عدة‭ ‬تساؤلات‭ ‬هامة‭ ‬وهى‭: ‬كيف‭ ‬تعاملت‭ ‬السينما‭ ‬العالمية‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬التقنيات؟‭ ‬وإلى‭ ‬أى‭ ‬مدى‭ ‬استطاع‭  ‬الـ‮«‬Ai‮»‬‭  ‬أن‭ ‬يغير‭ ‬شكل‭ ‬العمل‭ ‬الفنى‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يفقده‭ ‬روحه‭ ‬الإنسانية؟‭ ‬وماذا‭ ‬عن‭ ‬المخاوف‭ ‬التى‭ ‬أثارها‭ ‬بين‭ ‬بعض‭ ‬الفنانين‭ ‬والعاملين‭ ‬فى‭ ‬صناعة‭ ‬الأفلام‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم؟‭ ‬
‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬ترصده‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬الكواكب‮»‬‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أبرز‭ ‬الأعمال‭ ‬العالمية‭ ‬التى‭ ‬استعانت‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعى‭ ‬فى‭ ‬صناعتها‭ ‬وتقديمها‭ ‬بصورة‭ ‬مختلفة‭ ‬تقنيا،ً‭ ‬وردود‭ ‬الأفعال‭ ‬حولها‭ .‬

 


فى البداية يجب أن نعلم أن دخول الذكاء الاصطناعى إلى عالم السينما العالمية لم يكن وليد السنوات الأخيرة، لكن وقبل ظهور تقنيات الذكاء الاصطناعى التوليدى بصورتها الحالية، استعانت الاستوديوهات فى «هوليوود» بخوارزميات التعلم الآلى فى مجالات مثل تصحيح الألوان وتحليل اللقطات ومعالجة الصور وتطوير المؤثرات البصرية، لكن التطور الكبير فى هذه التقنيات فتح الباب أمام استخدامات أكثر تعقيدًا داخل صناعة الفيلم.
وأصبح من الممكن إعادة استنساخ بعض صور الممثلين رقميًا، واستعادة أصوات الفنانين أو تعديلها، وإنتاج صور ومشاهد مساعدة خلال مراحل التصميم والإعداد، إلى جانب تحسين المؤثرات البصرية وتسريع عمليات ما بعد الإنتاج وإنشاء بعض العناصر البصرية والتسويقية، وتؤكد شركات الإنتاج العالمية أن الهدف الأساسى هو تقليل الوقت والتكاليف ومنح المبدعون أدوات إضافية لتنفيذ رؤيتها، إلا أن هذا التطور فتح فى المقابل نقاشًا واسعًا حول حدود دور التكنولوجيا داخل الفن، وظهر ذلك فى عدد من الأعمال الفنية العالمية أخيرا.


‮«‬Indiana Jones and the Dial of Destiny‮»‬

وهنا نبدأ بفيلم «Indiana Jones and the Dial of Destiny» الذى يعد من أبرز الأمثلة على استخدام الذكاء الاصطناعى فى السينما الحديثة، حيث استعان فريق المؤثرات بتقنيات التعلم الآلى لإعادة النجم هاريسون فورد إلى مظهره فى فترة شبابه.
في بداية الفيلم، يظهر «فورد» بشخصية إنديانا جونز كما عرفها الجمهور فى أفلام السلسلة الأولى خلال ثمانينيات القرن الماضى، رغم أن عمره وقت التصوير كان يتجاوز السبعين عامًا، واستفاد فريق العمل من أرشيف ضخم لصور ولقطات فورد القديمة، إلى جانب تقنيات تتبع الوجه وتحليل الحركة، لدمج ملامح الممثل فى شبابه مع أدائه الحالى، ولم تكن العملية مجرد ضغطة زر، بل شارك فيها فنانون ومبرمجون ومصممون، بينما استخدم الذكاء الاصطناعى كأداة مساعدة ضمن عملية بصرية معقدة، ورغم الإشادة بالتجربة، أثارت تساؤلات حول مستقبل استخدام صور الفنانين بعد تقدمهم فى العمر أو بعد رحيلهم، وإمكانية إعادتهم إلى الشاشة دون مشاركتهم الفعلية.

 

‮«‬The Brutalist‮»‬
أثار فيلم «The Brutalist» جدلاً بعد الكشف عن استخدام الذكاء الاصطناعى خلال مرحلة ما بعد الإنتاج لتحسين بعض الحوارات باللغة المجرية التى قدمها النجمان أدريان برودى وفيليسيتى جونز، واستخدم فريق الفيلم تقنية متخصصة فى تعديل الأصوات لتحسين نطق بعض الكلمات والحروف وجعلها أكثر دقة، خاصة أن اللغة المجرية كانت صعبة بالنسبة لبعض المشاركين فى العمل من غير الناطقين بها، حيث أكد المخرج برادى كوربيت أن الذكاء الاصطناعى لم يستبدل أداء الممثلين، وإنما اقتصر استخدامه على تعديلات محدودة، بينما ظل الحوار والأداء التمثيلى من صنع الفنانين.
ورغم ذلك، أثارت التجربة نقاشًا حول ما إذا كان تعديل صوت الممثل بهذه الطريقة يمثل بداية لمرحلة جديدة، بينما رأى آخرون أنها امتداد أكثر تطورًا لأدوات المونتاج والمعالجة الصوتية التقليدية.

‮«‬Alien‭: ‬Romulus‮»‬
فى فيلم «Alien: Romulus»، استخدم صناع العمل تقنيات رقمية لإعادة ظهور شخصية الروبوت «روك»، المرتبطة بالممثل الراحل إيان هولم، الذى قدم شخصية آش فى فيلم «Alien» عام 1979، وذلك بعد الحصول على موافقة عائلة الممثل.
وأعادت التجربة النقاش حول حدود استخدام صورة الفنانين بعد رحيلهم؛ بينما يرى بعض المنتجين عالمياً أن التكنولوجيا تمنح السينما فرصة للحفاظ على شخصيات محبوبة، يرى أخرون أنها تطرح أسئلة تتعلق بموافقة الفنان وملكية صورته وإرثه الفنى.

‮«‬Secret Invasion‮»‬
لم يتوقف استخدام الذكاء الاصطناعى عند الأفلام، وإنما امتد إلى المسلسلات أيضا، وكان «Secret Invasion» أحد أبرز الأمثلة، بعدما استخدمت الشركة صورًا مولدة بالذكاء الاصطناعى فى مقدمة العمل، حيث أثار ذلك انتقادات من بعض الفنانين والمصممين، الذين رأوا أن الاعتماد على التقنية قد يؤثر على فرص العاملين فى المجالات الفنية التقليدية، بينما دافعت جهات إنتاجية عن استخدامها باعتبارها أداة جديدة يمكن للفنانين الاستفادة منها، وليس بالضرورة أن تكون بديلًا عنهم.
الذكاء‭ ‬الاصطناعى‭ ‬فى‭ ‬الموسيقى
كذلك لم يتوقف استخدام الذكاء الاصطناعى عند الأفلام والمسلسلات فقط، بل امتد أيضا إلى الموسيقى، حيث استخدم المخرج بيتر جاكسون تقنيات التعلم الآلى لتنقية صوت جون لينون من تسجيل قديم، ما ساعد فى إنتاج أغنية «Now and Then» لفرقة البيتلز بعد عقود من تسجيلها الأصلى، وقدمت التجربة نموذجًا مختلفًا لاستخدام التكنولوجيا، إذ لم يكن الهدف إنشاء أداء جديدة تحاكى الفنان، وإنما استعادة مادة فنية قديمة وتنقيتها وإتاحتها بصورة أكثر وضوحًا، وهو ما اعتبره البعض مثالا على توظيف الذكاء الاصطناعى للحفاظ على التراث الموسيقى.

إعتراضات‭ ‬فى‭ ‬هوليوود
بلغ الجدل حول استخدام الذكاء الاصطناعى  فى العمل الفنى ذروته عام 2023 خلال بعض الإعتراضات من نقابة الكتاب الأمريكية ونقابة ممثلى الشاشة،  حيث طالب بعض الكتاب والممثلون بضمانات تمنع استخدام الذكاء الاصطناعى لاستبدال أعمالهم أو إنشاء محتوى يعتمد عليها دون موافقة أو تعويض، كما أثارت إمكانية استخدام نصوص الكتاب السابقة لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعى، وإنشاء نسخ رقمية من الممثلين، مخاوف واسعة داخل الصناعة.
وبعد المفاوضات كثيرة على مدار السنوات الماضية، تضمنت الاتفاقيات الجديدة بين النقابات والاستوديوهات قواعد تتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعى، مع التأكيد على حماية حقوق العاملين فى صناعة السينما.

كيف‭ ‬ينظر‭ ‬الفنانون‭ ‬إلى‭ ‬المستقبل؟
ينقسم موقف العاملين فى صناعة السينما عالمياً تجاه الذكاء الاصطناعى إلى اتجاهين رئيسيين؛ الأول يرى فى التقنية فرصة لتوسيع حدود الإبداع وتسريع العمليات المعقدة وتقليل تكلفة إنتاج بعض المشاهد،أما الاتجاه الآخر فيخشى من تحول التكنولوجيا إلى وسيلة لتقليل الاعتماد على الفنانين، خصوصًا مع تطور أدوات قادرة على إنتاج صور وأصوات وأداءات قريبة من الواقع، ويرى عدد من الفنانين عالمياً أن القضية الأساسية ليست فى وجود التقنية، وإنما فى طريقة استخدامها وضرورة وجود قواعد واضحة تضمن موافقتهم قبل استخدام أصواتهم أو صورهم الرقمية.

مستقبل‭ ‬السينما‭ ‬فى‭ ‬عصر‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعى
لاشك أن الذكاء الاصطناعى أصبح جزءًا من مستقبل صناعة الفن والترفيه، كما غيرت تقنيات الكمبيوتر والرسوم الرقمية شكل السينما خلال العقود الماضية، ومن المتوقع أن تؤثر أدوات الذكاء الاصطناعى فى طريقة كتابة الأفلام وتصميمها وتنفيذها، وتفتح أمام صناعها إمكانات جديدة بصورة أفضل فى المستقبل.
لكن التحدى الأكبر يظل فى تحقيق التوازن بين الإستفادة من قدرات التكنولوجيا والحفاظ على العنصر الإنسانى الذى يمثل أساس الفن والحياه،  لأن السينما لم تكن يومًا مجرد صور وأصوات، وإنما تجربة تقوم على المشاعر والأفكار والأداء البشرى، وبينما تواصل هوليوود اختبار حدود استخدام هذه التكنولوجيا، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يصبح الذكاء الاصطناعى فصلا جديدًا فى تطور الفن، أم يفتح الباب أمام مناقشات طويلة حول معنى الإبداع فى العصر الرقمى؟.. وهذا ما سيُكشف فى المستقبل القريب.