الأربعاء 14 اكتوبر 2026

في‭ ‬ذكرى‭ ‬رحيله‭ ..‬ ‬‮ محمد‭ ‬فوزي‬‭ ‬رائد‭ ‬الموسيقى‭ ‬الشابة‭ ‬والمتجددة

محمد فوزي

12-10-2026 | 09:58

طه حافظ

هناك فنانون تظل أغنياتهم حاضرة في الأزهان، وتنتقل من جيل إلى آخر، لأنهم استطاعوا أن يصنعوا فنًا قريبًا من القلوب، ومن بين هؤلاء الفنان الكبير محمد فوزي، الذي بدأ مشواره بخطوات بسيطة، ثم أصبح واحدًا من أبرز نجوم الغناء والتمثيل، وترك بصمة وصلت إلى خارج حدود العالم العربي، قبل أن تنتهي رحلته ويبقى فنه حاضرًا في وجدان أجيال متعاقبة، في ذكرى رحيله حرصت مجلة «الكواكب» على الاحتفاء بمشوار «فوزى» الفني، واستعادة أبرز محطاته، منذ بداياته، مرورًا بنجاحه في السينما وأغنياته التي أحبها الكبار والصغار، وصولا إلى تجربته في عالم صناعة الأسطوانات.

 

ولد محمد فوزي في 19 أغسطس 1918 بقرية كفر أبو جندي بمحافظة الغربية، وهناك بدأت علاقته بالموسيقى منذ طفولته، عندما تعلم أساسيات العزف والغناء على يد أحد أصدقاء والده، وشارك في الغناء فى المناسبات العائلية للمحيطين به كالأفراح وغيرها، وكانت هذه البدايات البسيطة أولى خطواته نحو عالم الفن، الذي سرعان ما أصبح حلمه الأكبر.
وفي تلك الفترة، تأثر بأغنيات أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، وكان يرددها في المناسبات، لكن طموحه لم يتوقف عند حدود قريته، وهنا قرر السفر إلى القاهرة بحثًا عن فرصة يحقق بها حلمه الفني، والتحق بمعهد فؤاد الأول للموسيقى، إلا أن ظروفه حالت دون استكمال الدراسة.
من‭ ‬المسرح‭ ‬إلى‭ ‬الشهرة
بدأ فوزي العمل في المسارح والفرق الفنية، والتحق بفرقة بديعة مصابني، ثم عمل مع فرقة فاطمة رشدي، قبل أن ينضم إلى الفرقة القومية للمسرح، وخلال هذه المرحلة، اقترب من أجواء المسرح والاستعراض، وتعرف على عدد من الفنانين والموسيقيين، من بينهم فريد الأطرش ومحمد عبد المطلب ومحمود الشريف، وهي علاقات ساعدته على اكتساب خبرة فنية مهمة.
ولم يكن فوزي مطربًا ينتظر الكلمات والألحان من الآخرين، فقد اهتم بالتلحين مبكرًا، وبدأت تتضح قدرته على تقديم ألحان مختلفة عن السائد في بعض أعمال عصره، وتذكر المصادر الوثائقية أنه تقدم إلى الإذاعة في بداياته، فلم يُقبل مطربًا، لكنه نجح ملحنًا؛ وهي مفارقة تعكس أن الطريق إلى الشهرة لم يكن سهلا، وأن موهبته احتاجت إلى الوقت حتى تجد المساحة التي تستحقها، ومع استمرار العمل، أخذ اسمه يقترب من عالم السينما الغنائية، التي أصبحت لاحقًا واحدة من أهم المحطات في مشواره


بوابة‭ ‬النجومية‭ ‬والسينما
شهدت أربعينيات القرن الماضي انتقال محمد فوزي إلى مرحلة جديدة، بعدما شارك في السينما، وظهر في فيلم «سيف الجلاد» عام 1944، ثم جاءت فرصته الأهم من خلال فيلم «أصحاب السعادة»، الذي شارك فيه أمام سليمان نجيب ورجاء عبده، ولفت من خلاله الأنظار إلى حضوره الغنائي وقدرته على الجمع بين التمثيل والموسيقى، ولم تكن السينما بالنسبة إليه مجرد وسيلة للظهور، بل أصبحت مجالا يقدم من خلاله ألحانه وأغنياته، ويختبر أفكارًا موسيقية جديدة تتناسب مع المشاهد والاستعراضات، وساعده نجاحه على تأسيس شركة «أفلام محمد فوزي» عام 1947، ليصبح منتجًا إلى جانب عمله مطربًا وملحنًا وممثلا.
وخلال الأربعينيات والخمسينيات، لمع اسمه في السينما الغنائية والاستعراضية، وقدم عددًا من الأفلام التي أتاحت للجمهور الاستماع إلى ألحانه ومشاهدة أدائه في الوقت نفسه، حيث ترك فوزي رصيدًا سينمائيًا بلغ 36 فيلمًا، إلى جانب أكثر من 400 أغنية، من بينها نحو 300 أغنية قدمها في أفلامه السينمائية. ومن أشهر أعماله «حبيبي وعينيه»، و«شحات الغرام»، و«تملي في قلبي»، و«وحشونا الحبايب»، و«اللي يهواك أهواه»، و«مال القمر ماله»، ويكشف هذا التنوع عن قدرته على الانتقال بين الألوان الغنائية المختلفة، وتقديم ألحان تناسب السينما والإذاعة والحياة اليومية للجمهور.
ألحان‭ ‬وأغانٍ‭ ‬عاشت‭ ‬حتى‭ ‬الآن
تميزت موسيقى محمد فوزي بخفة الإيقاع وسهولة اللحن، مع اهتمامه بالتجديد والاستفادة من بعض الألوان الموسيقية الغربية، من دون أن يفقد اللحن طابعه الشرقي، ولذلك ارتبطت أغنياته بوجدان الجمهور، واستطاع أن يقدم ألوانًا متنوعة تناسب الحب والفرح والحنين والمناسبات الوطنية والدينية، .
أما الإذاعة، التي لم تمنحه فرصة الغناء في بداياته، فقد أصبحت لاحقًا نافذة مهمة لوصول أعماله إلى جمهور أوسع، خاصة مع انتشار أغنياته السينمائية والوطنية والدينية. 
صوت‭ ‬الطفولة‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يغب
احتلت أغاني الأطفال مكانة مميزة في تجربة محمد فوزي، فقد استطاع أن يخاطب الصغار بكلمات بسيطة وألحان مرحة يسهل حفظها وترديدها، ومن أشهر أعماله في هذا المجال «ماما زمانها جاية» و«ذهب الليل»، وهما من الأغنيات التي ارتبطت بذكريات أجيال من الأطفال، وظلتا حاضرتين في البيوت حتى بعد مرور سنوات طويلة على تقديمهما.
كما قدم أغنيات ارتبطت بالمناسبات، مثل «هاتوا الفوانيس يا ولاد» التي تستقبل بها البيوت شهر رمضان، وأغنية «أمي» التي ارتبطت بالاحتفال بعيد الأم، وتكشف هذه الأعمال عن جانب مهم من موهبته، فهو لم يكن يتعامل مع أغنية الطفل باعتبارها عملا بسيطًا أو عابرًا، بل كان يعرف كيف يقدم لحنًا قريبًا من أذن الصغير، ويحافظ في الوقت نفسه على قيمته الفنية، ولعل استمرار هذه الأغنيات حتى اليوم يوضح مدى نجاحه في الوصول إلى الأسرة المصرية، فالأبناء الذين سمعوها في طفولتهم ينقلونها بدورهم إلى أبنائهم، لتصبح جزءًا من ذاكرة البيت والمناسبات.
‭ ‬مشروع‭ ‬ناجح‭ ‬ونهاية‭ ‬مؤلمة
لم يكن محمد فوزي فنانًا يكتفي بالنجاح على المسرح أو شاشة السينما، بل امتلك طموحًا لتطوير صناعة الموسيقى نفسها، وفي عام 1958، أسس شركة لإنتاج الأسطوانات، في خطوة استهدفت توفير إنتاج محلي للأغنيات، ومنافسة الشركات الأجنبية العاملة في هذا المجال، وأنتجت الشركة أعمالا لكبار المطربين، من بينهم أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، وهو ما جعلها واحدة من التجارب المهمة في صناعة الأسطوانات آنذاك، لكن مسار المشروع لم يستمر.
إرث‭ ‬فني‭ ‬كبير‭ ‬لا‭ ‬تمحيه‭ ‬السنوات
ترك محمد فوزي أعمالا تجاوزت زمن تقديمها، فهناك أغنيات ما زالت تذكرنا بذكريات الحب والفرح، وأخرى أصبحت مرتبطة برمضان وعيد الأم وطفولة أجيال كاملة، إلى جانب ألحان حملت اسمه إلى خارج مصر، وبين السينما والإذاعة وأغاني الأطفال والتجربة الإنتاجية، تكشف مسيرته عن فنان لم يحصر نفسه في مجال واحد، بل ظل يبحث عن أشكال مختلفة للتعبير عن موهبته.