الجمعة 14 يونيو 2024

حكايات أغانى رمضان.. تنطلق من ليلة الرؤية حتى احتفالات العيد

حكيم

1-4-2023 | 15:11

ولاء جمال

لا يمكن إغفال الأغنية الرمضانية وارتباطها بأذن المستمع فى تلك الأيام من كل عام، ولتلك الأغنية تاريخ قديم، ففى عام 1907 كانت أول أغنية رمضانية تحقق شهرة للمطربة عزيزة حلمى بعنوان «وحوى يا وحوى»، وتوالت بعدها الأغنيات، وتطورت وازدهرت مع نشأة الإذاعة المصرية عام 1934، التى اهتمت بتقديم الأغنية الرمضانية، كما نعيش هذه الرحلة على صفحاتنا التالية. الأغنية الرمضانية يمكن تقسيمها إلى أربعة أقسام، الأول خاص بأغنيات الرؤية مثل «وحوى يا وحوى»، «ابتهالات رمضان»، «أهه جه يا ولاد». والثانى يتضمن أغنيات عن مظاهر الشهر الكريم ومنها «شوفوا رمضان»، «على نور الفوانيس»، «المسحراتى»، «سبحة رمضان»، «حالو يا حالو». والقسم الثالث، أغنيات فى فضائل رمضان مثل «شهر الصيام»، «هلت ليالى حلوة وهنية». والقسم الرابع، الأغنيات الخاصة بوداع الشهر منها «والله لسه بدرى يا شهر الصيام»، «وداع رمضان»، «يا بركة رمضان», وسوف نتناول فى هذا التقرير أشهر الأغنيات على الإطلاق فى استقبال ووداع رمضان، التى يرددها الصغار والكبار معاً.

وحوى يا وحوى

قُدمت أغنية «وحوى يا وحوى» للمرة الأولى عام 1937 بكلمات محمد حلمى المانسترلى وألحان وغناء أحمد عبد القادر، ثم أعيد غناؤها مرة أخرى بكلمات فتحى قورة وألحان أحمد صبرى وغناء هيام يونس فى فيلم «قلبى على ولدى» عام 1953، ليتم غناؤها للمرة الثالثة والأخيرة عام 2009 بكلمات نبيل خلف وألحان وليد سعد وغناء محمد منير. تعتبر كلمات الأغنية أقدم من شهر رمضان نفسه! فقد تمر عليك كلماتها مرور الكرام، إلا أن المفاجأة أن مطلع هذه الأغنية يعود للعصر الفرعوني.. «وحوى يا وحوى إيوحا»... تعود معانى هذه الجملة إلى العصر الفرعونى من خلال «واح وى إيوح» وكانت الجملة تعنى الترحيب بالملكة الفرعونية (إياح حتب) الملكة المصرية القديمة فى نهاية الأسرة السابعة عشرة، عندما خرج المصريون فى استقبال الملكة إياح حاملين المشاعل والمصابيح يتغنون بـ«وحوى يا وحوى إياحه» ومعناها «مرحباً يا قمر» تقديراً للتضحيات الكبيرة للملكة إياح التى قدمتها فداءً للوطن. وفى هذا الإطار، يشير أثريون إلى أن المصريين القدماء كانوا يخرجون للترحيب بالقمر مطلع كل شهر، وكانوا يغنون «وحوى يا وحوى». عندما فتحت الإذاعة أبوابها عام 1934، دخلها شاب صغير من محافظة الشرقية، طالباً أن يكون جزءاً منها، ليصير الملحن والمغنى أحمد عبد القادر من أوائل من انضموا إلى الإذاعة المصرية فى سنواتها الأولى. حينها، كان يتم تخصيص 15 دقيقة لكل ملحن يختار فيها أغنيات ثلاثاً للبث، وقبيل مجىء رمضان فى أحد أعوام منتصف الثلاثينيات، تقدم عبد القادر بثلاث أغنيات كانت منها «وحوى يا وحوى» و«رمضان جانا»، رفض المسؤولون أن يقوم بغنائها جميعاً، فاكتفى بـ«وحوى يا وحوى» وصارت «رمضان جانا» من نصيب محمد عبد المطلب. اقترنت سيمفونية «رمضان جانا» لمحمد عبد المطلب بقدوم شهر رمضان من كل عام، والتى قادته الصدفة لغنائها، حتى صارت بمرور الأعوام أهم من الإعلان عن قدوم شهر رمضان، كما صرح عبد المطلب نفسه يوماً مع الإعلامى وجدى الحكيم، خصوصاً أن المحطات الإذاعية والتليفزيونية لا تتوقف عن بثها لأنها صارت أحد الطقوس المهمة للشهر الكريم. تمخضت وانسابت «رمضان جانا» من امتزاج عبقريتين معاً: عبقرية اللحن الأخاذ لصاحبه محمود الشريف، والعبقرية الثانية هى صوت محمد عبد المطلب الذى تتركز فيه كل جماليات الغناء الشعبى بأسلوبه المتميز. وقد وصف النقاد أغنية «رمضان جانا» بأنها بمثابة «السلام الرسمى» لشهر رمضان، حيث تشعر معها وأنت فى القرن الحادى والعشرين، بأن هذه الأغنية التى كانت فى ثلاثينيات القرن الماضى ستعبر عن أجواء شهر رمضان إلى النهاية. كيف تنازل أحمد عبد القادر عنها لعبد المطلب؟ ما لا يعرفه الكثيرون ممن اعتادوا أن يعيشوا نفحات رمضان على وقع أغنية «رمضان جانا» بصوت عبد المطلب، أن الفنان أحمد عبد القادر هو الأب الروحى لرائعة «رمضان جانا»، إذ هو من تنازل عنها لعبد المطلب، بعدما طُلب منه أن يغنيها، عقب الفشل الذريع الذى حققته حين ظهرت لأول مرة على الإطلاق بصوت المطرب المغمور محمد شوقى وألحان سيد مصطفى. هذا ما دفع الشاعر حسين طنطاوى للجوء إلى أحمد عبد القادر الذى كان يعمل فى الإذاعة المصرية، عارضاً عليه أن يغنيها بصوته، لعل الأغنية تأخذ نصيبها من النجاح. وبما أن الإذاعة فى حينها كانت ترفض أن يقوم مطرب بغناء أكثر من أغنية عن نفس الموضوع، تنازل عنها عبد القادر لصالح عبد المطلب الذى حلقت بصوته وأسلوبه إلى أقصى ما يمكن أن تبلغه أغنية من نجاح على الإطلاق. 6 جنيهات أجر الأغنية ستة جنيهات فقط هى كل الأجر الذى تقاضاه محمد عبد المُطلب نظير غنائه «رمضان جانا»، الأغنية التى وصلت حداً من الشهرة جعلت عبد المطلب نفسه يقول متندراً: «لو أخذت جنيهاً واحداً فى كل مرة تذاع فيها هذه الأغنية لأصبحت مليونيراً». ربما لم يكن عبدالمطلب ليقبل غناء «رمضان جانا» لولا الظروف التى أحاطت به، حيث كان توقيت الحرب العالمية الثانية سبباً فى حالة عامة من الكساد، لذلك اضطرته حاجته إلى المال للقبول بغنائها، خصوصاً أن معظم «الكازينوهات» قد أقفلت، ولم يعد هناك مجال رزق للفنانين سوى الإذاعة المصرية، فيأتون إليها ليختاروا كلمات المؤلفين، وبما أن أغنية «رمضان جانا» ظلت الوحيدة التى لم يخترها أى فنان، فأعجب بها عبد المطلب، واختارها وسجلها فى نفس اليوم لاحتياجه للستة جنيهات. سر نجاح «رمضان جانا» ولكن ما السر الكبير وراء خلود الأغنية بهذه المساحة الاستثنائية، رغم إنتاج عشرات الأغانى فى نفس الإطار؟ هل هو صوت عبد المطلب؟ هل هى الكلمات؟ هل هو اللحن؟ هل الحالة الروحانية الشجية التى صنعتها الأغنية وتفاعل صوت عبد المطلب مع اللحن والكلمات؟ فى الواقع الإجابة عن هذه التساؤلات أقرب إلى الاستحالة، لأن نجاح الأغنية بمثابة «سر الأسرار»، لكن لا شك أن كل هذه العوامل والمؤثرات مجتمعة كانت لها المساهمة المباشرة فى أن تبقى «أوبريت رمضان».. فالكلمات صاغها حسين طنطاوى مباشرة وليس بها خيال شعرى، لكن ما منحها كل هذا الانتشار لتستقر فى قلوب الناس على مدى الأجيال المتعاقبة، هى الحالة الشعبية التى نسج بها الموسيقار العبقرى محمود الشريف اللحن، ومن خلالها توهج صوت عبد المطلب. كذلك لربما حب عبد المطلب لتأدية صلاتى الفجر والعصر فى مسجد الإمام الحسين فى رمضان (كما كشفت ابنته)، وارتباطه الكبير بحى الحسين العريق فى القاهرة، وإقامته للأمسيات الرمضانية طوال الشهر، جعله يؤديها بكل جوارحه وأحاسيسه الوجدانية، وهذا ما يفسر أداءه المميز لأشهر أغنية رمضانية على الإطلاق. أهو جه يا ولاد أما قصة هذه الأغنية التى ظهرت فى أواخر خمسينيات القرن الماضى، وتحديداً عام ١٩٥٩، فقد بدأت عندما تم اختيار فرقة «الثلاثى المرح»، وهن ثلاث صديقات: سهام توفيق وصفاء لطفى وسناء البارونى، شقيقة الفنانة سهير البارونى، لأداء هذه الأغنية، بعد أن وافقت لجنة النصوص بالإذاعة على كلمات الأغنية التى قدمتها نبيلة قنديل، التى قالت عنها: «عندما كتبت الأغنية وقرأت كلماتها قبل أن يتم تلحينها أو غناؤها، استشعرت بأن هناك أطفالاً يلعبون ويلهون بالفوانيس داخل الأحياء المصرية، وتتنوع أشكال الفوانيس بين الأحمر والأخضر، كما يأكلون المكسرات»، إذ إنها بمخيلتها صورت الأغنية من خلال كلماتها لتدل على روعة التصور خلال كتابتها. بعد الموافقة على الأغنية، خصصت الإذاعة مبلغاً من المال لإنتاج الأغنية وتقاضى وقتها «الثلاثى المرح» مبلغ 140 جنيهاً، وقام بتلحينها الموسيقار على إسماعيل زوج مؤلفة الأغنية مقابل 30 جنيهاً، وتم غناؤها عام 1959. يذكر أن فرقة الثلاثى المرح، غنت العديد من الأغانى الرمضانية بعد نجاح أغنية «أهو جه يا ولاد»، منها: «سبحة رمضان»، و«افرحوا يا بنات». تم البدر بدرى أغنية «تم البدر بدرى والأيام بتجرى» لشريفة فاضل كانت أصل حكايتها، عندما فكر الشاعر عبد الفتاح مصطفى، فى تقديم أغنية تعبر كلماتها عن مدى تأثر وحزن الناس بوداع شهر رمضان الكريم، فأخذ يكتب أبياتاً شعرية نابعة من إحساسه الصادق، وتقدم بها للإعلامى وجدى الحكيم الذى كان يشغل منصب مراقب الموسيقى والغناء فى الإذاعة المصرية آنذاك، الذى بدوره عرضها على لجنة النصوص للحصول على إجازة بتقديمها. بعد الموافقة عليها اقترح الحكيم على الفنانة شريفة فاضل غناءها، والتى تحمست كثيراً لوضع صوتها على الأغنية، وأسند مهمة تلحينها إلى الموسيقار عبد العظيم محمد الذى لحنها فى يومين فقط. تتوقف شريفة فاضل عند ذكرياتها مع الأغنية، وتقول: لم يكن مخططاً أن أغنى هذه الأغنية، حيث إنه فى وقت غنائها كانت الإذاعة توزع الأغانى على المطربين، وكنت مطربة جديدة، وجاءت الأغنية من نصيبى بالصدفة، حيث لم نكن نسعى لأغنية محددة، فالله هو الذى يوزع ويعطى الرزق لمن يشاء . وأضافت: لم تكن هذه الأغانى الدينية ينفق عليها من حساب أحد، ولذلك كانت الإذاعة تقوم بإنتاجها وتحدد الموسيقيين، ونذهب نحن لتسجيلها وتدفع لنا حق الإلقاء، والحمد لله أنه حتى الآن لا يوجد هناك ما ينافس هذه الأغنية فى وداع رمضان. وأوضحت أنها لم تحصل على مقابل نظير غنائها، لأنها كانت نادراً ما تقدم أغنيات للإذاعة، وكانت ترى أن وجود أغنية لها فى شهر رمضان على الخريطة الإذاعية أمر يسعدها، حيث لم تتجاوز تكلفة إنتاج الأغنية 50 جنيهاً آنذاك، إذ تقاضى الشاعر عبد الفتاح مصطفى مبلغ 15 جنيهاً فقط، فيما تقاضى الملحن عبد العظيم محمد مبلغ 35 جنيهاً مقابل لحن الأغنية. تحمل الأغنية فى كواليسها العديد من التفاصيل؛ فبعد أن أصبحت الأغنية جاهزة للتسجيل، فتح وجدى الحكيم «استوديو 46» بالإذاعة المصرية، ودعا إليه الفنانة شريفة فاضل حتى تحفظ كلمات الأغنية، والتدريب على لحنها من خلال عدد من البروفات التى أجرتها قبل التسجيل. بعد 3 أيام من الحفظ والتدريب على لحنها سجلتها شريفة بحضور الشاعر عبد الفتاح مصطفى، الذى أبدى إعجابه بلحن العمل، وصوت شريفة فاضل، حيث ظل جالساً بجانب كل من وجدى الحكيم ومهندس الصوت يستمع إلى صوتها وأدائها إلى أن انتهت من تسجيلها، لتبدأ الإذاعة من بعدها فى إذاعتها فى الثلث الأخير من شهر رمضان، لتحقق حينها نجاحاً مدوياً استمر حتى الآن.