الإثنين 26 فبراير 2024

"عيلة اتعمل لها بلوك" .. المسرح كما يجب أن يكون

1-6-2023 | 14:45

كعادة محمد صبحي دائما في كل أعماله المسرحية لا يقتصر علي تقديم التسلية والترفيه والضحك فقط، ولكنه يجنح دائما إلى تقديم رسالة اجتماعية وإنسانية وهو ما شاهدته في أخر عروضه المسرحية "عيلة اتعمل لها بلوك" التي ذهبت لمشاهدتها بعد أن سمعت عن نجاحها المستمر خلال الموسم الأول ورفعت خلال الموسم الأول لافتة "كامل العدد"  فقررت الذهاب لمشاهدة العرض في موسمه الثاني وطوال الطريق الذي يبلغ حوالي ٣٠ كيلو مترا من منزلي حتي مدينة سنبل سألت نفسي ،هل سيكون المسرح به عدد قليل من الجمهور فنحن في موسم الامتحانات للمدارس والجامعات وحالة الطقس الترابي، وخاصة أن الموقع الجغرافي لمدينة سنبل وسط الصحراء، ولكن فوجئت أن العرض "كامل العدد" واضطرت إدارة المسرح لوضع كراسي إضافية لاستيعاب الجمهور، ورغم قواعد المسرح المعلنة للجمهور ترك الموبيل قبل دخول بهو المسرح وكأنه يقصد أن يفصل المتفرج عن العالم الافتراضي قبل دخول المسرح بحوالي نصف ساعة تقريبا، والأغرب تواجد أطفال حضروا مع ذويهم لمشاهدة العرض، إلا أننا لم نسمع شغب هؤلاء الاطفال المعتاد، فانشغلوا بالعرض لأن كله ضحك وغناء، وجمهور صبحي مطمئن له فاصطحب الابناء وهم واثقين أنه لا يوجد لفظ لا يتناسب مع أي فئة عمرية فهو يقدم عرضا مسرحيا كما يجب أن تكون العروض المسرحية .


وعند دخول بهو المسرح تشعر أنك في متحف به كل جوائز "الأستاذ" وفي أعلي مكان صورة شريكة رحلته حبيبته وزوجته "السيدة نيفين" وباقي جدار البهو معلق عليها صور كل الفنانين القدامي.
وقليل ما تجد عرضا مسرحيا خاصا كامل العدد خلال هذه الايام، وهذا لتوهج العرض من حيث الاداء التمثيلي والغناء والإخراج ، فالنص الذي كتبه المؤلف مصطفى شهيب  يتناول ما يقرب من  ١٠٠ عام  من تاريخ مصر يقدمه محمد صبحي في ثلاث ساعات علي خشبة المسرح، رؤية إخراجية تتناسب مع العصر الحالي من خلال دراما متخيلة تبدأ عام 1927 وتستمر لعام ٢٠27 يتخيل المؤلف ما قد يحدث لنا من عزلة إنسانية والتحول إلي كائنات تشبه الأرقام والآلات، يتذكر أحدهم جذور عائلته من زمن مضى بالرقم وليس اسم العائلة  وماذا يكون شكل الأسرة المصرية وقتها اجتماعيا وإنسانيا وأخلاقيا وروحيا، ثم يستعرض تطور حال هذه الأسرة وهبوطها التدريجى الذى بدأت تشهده فى عصور مختلفة ، والدخول إلى عالم السوشيال ميديا والتحول التام فى حال هذه الأسرة المصرية على جوانب متعددة ويناقش من خلاله ما حدث لأخلاق المصريين من تغييرات خلال المائة عام ، فالأحداث تنطلق بداية من عام 1927 من خلال شخصية رجل مصري محافظ يعيش مع أسرته في بيت بسيط جدا ، يحب القراءة والفنون ولكنه يرى فى "الجراما فون" وسيلة لتباعد الأسرة لأنه يستحوذ علي الاهتمام لكل فرد من أفراد الاسرة بمفرده ،ويجعلهم في عزله عن بعضهم البعض ، متوقعا هذا الاب أنه عندما يصبح جدا سيكون هناك ما هو أشد خطرا علي الأسرة وتفككها وهو الموبايل ووسائل التواصل الاجتماعي التي تسببت في فجوة كبيرة بين أفراد الاسرة، وينتقل النص العرض المسرحي لفترة تاريخية جديدة وهو انتشار التليفزيون ومن بعده الموبايل ثم وسائل التواصل الاجتماعي لتؤكد صحة توقع الجد الذى رآه جميع أولاده رجلا رجعيا لا يستطيع تفهم متغيرات العصر الذى يعيش فيه.. وتنقل العرض المسرحي بين الفترات الزمنية برشاقة وحيوية بشكل مباشر وغير مباشر حيث رصد التشوهات التي حدثت عبر مائة عام في الشخصية المصرية ويعد هذا العرض جرس ناقوس حيث قدم أربعة عصور حتي وصل لما نحن عليه، وكل عصر كان يصاحبه غناء الحقبة الزمنية، وعند اعلان موت الزعيم سعد زغلول كان صوت الغناء والتأكيد علي الاستمرار ضد الاحتلال كما أكد عند هزيمة ١٩٦٧ أننا لم نستسلم إلي ان وصل للحفيد الثالث ابن عصر الانفتاح، حتي وصلنا لعصر العالم الافتراضي الذي ضاع فيه الترابط الأسري واختتم العرض بــ"الأوبريت" الذي كتبه الشاعر عبدالله حسن بتميز شديد ، وألحان شريف حمدان كما نجح مهندس الديكور محمد الغرباوي في تصميم يتناسب مع كل عصر وحركة وتغير الديكور التي لا يشعر به الجمهور ،وهذا في حد ذاته نجاح وخصوصا رمز المكتبة الارابيسك الذي ظل يحافظ عليه كل الاجيال حتى جاء عصر التكنولوجيا الذي كان سبباً في الاستغناء عن الكتب.

أما التمثيل فقد كان الفنان الكبير محمد صبحي بالفعل "جوكر" العرض بتقديمه عدة شخصيات مختلفة والتنقل من شخصية لأخري بسلاسة وسهولة ويسر، وكأنه ممثل في بداية شبابه، ليؤكد "صبحي" احتفاظه بنجوميته علي مدار السنوات، ونجحت ببراعة شديدة الفنانة وفاء صادق فى تجسيد عدة شخصيات منها زوجة لصبحى أو ابنة له وأم فى مشهد ثالث والعجيب أنها كانت مقنعة وقادرة على الإضحاك فى مختلف المواقف ببساطة وتلقائية، وقدم كمال عطية كذلك عدة أدوار ربما كان أظرفهم" الابن الانتهازى"الذى يريد الزواج من الخادمة بعد أن حصلت بالصدفة على ثروة مفاجئة، وتفوقت رحاب حسين الأضواء وهى تجسد شخصية الفتاة المثقفة المتفذلكة والابنة الطامعة فى ميراث أبيها.. اما الوجوه الجديدة فقدموا اداء رائعا تمثيلا وغناء.


"عيلة اتعمل لها بلوك" مسرحية تحمل الطابع الغنائي الكوميدي تأليف مصطفى شهيب ورؤية وإخراج محمد صبحي وتشاركه البطولة الفنانة الجميلة وفاء صادق، وعدد من أعضاء فرقته "استوديو الممثل" هم: "كمال عطية، مصطفى يوسف، محمد يوسف، محمد سعيد، رحاب حسين، داليا حسن، منة طارق، ليلى فوزي، محمود أبو هيبة، محمد شوقي طنطاوي، انجيليكا أيمن، مايكل وليم، لمياء عرابي، حلمي جلال الدين، داليا نبيل، محمد عبد المعطي، وليد هاني والطفلان عبد الرحمن محمود ومريم شريف، ويصمم ديكوراتها محمد الغرباوي، وأشعار عبد الله حسن، وموسيقى وألحان شريف حمدان.