28-3-2026 | 14:03
عنتر السيد
بملامحه الطفولية وضحكته التى تخرج من القلب قبل الحنجرة، تحل هذا الشهر ذكرى وفاة فيلسوف الضحك الراقى، جورج سيدهم؛ الفنان الذى أدرك مبكراً أن الكوميديا رسالة وليست مجرد نكتة عابرة، فمن خشبة المسرح التى اهتزت لتصفيق الجمهور فى «المتزوجون»، إلى شاشة السينما التى وثقت عبقريته فى التقمص، جورج سيدهم، فى ذكرى وفاته، لم يكن مجرد ضلع فى مثلث ثلاثى أضواء المسرح، بل كان القلب النابض بالحيوية، والفنان الذى استطاع أن يحول الكوميديا إلى طاقة حب وتفاؤل.. اليوم نتذكر الرجل الذى أضحك الملايين وهو يحمل فى داخله ثبات الجبال، تاركاً خلفه إرثاً لا يشيخ وبصمة لا يمحوها الغياب، فى هذا التقرير، تكشف مجلة «الكواكب» عن محطات الفنان الذى أعاد تعريف البهجة في وجدان المشاهد العربى.
ولد جورج سيدهم فى مدينة «جرجا» بمحافظة سوهاج، وتخرج بعد ذلك فى كلية الزراعة بجامعة عين شمس عام 1961، وهناك بدأت شرارة الفن تشتعل؛ حيث التقى برفيق دربه سمير غانم والضيف أحمد، ليشكلوا معاً الظاهرة الفنية الأبرز فى الستينيات: «فرقة ثلاثى أضواء المسرح»، التى كانت بمثابة ظاهرة فنية متفجرة النجاح وقتها، عندما بدأت الفرقة بتقديم «اسكتشات» غنائية كوميدية نالت شهرة واسعة فى التليفزيون والإذاعة، مثل اسكتش «كوتوموتو».
ثلاثى أضواء المسرح.. الأوائل قبل ظهور «الضيف»
الجميع يذكر «سمير، جورج، والضيف».. تلك التوليفة السحرية التى خطفت الأبصار فى ستينيات القرن الماضى بضحكاتها العفوية واسكتشاتها الخالدة.. لكن خلف هذا الستار اللامع، تقبع حكاية «ثلاثى» آخر لم تره الكاميرات، وقصة صعود بدأت بمحض الصدفة من شواطئ الإسكندرية لتستقر فى استوديوهات القاهرة.
لم تكن البداية فى القاهرة، بل فوق خشبة مسرح جامعة الإسكندرية.. هناك، التقى الطالب المشاكس بكلية الزراعة سمير غانم بصديقه وحيد سيف طالب الآداب وقتها، وشكلا معاً ثنائياً كوميدياً طاف كازينوهات عروس البحر المتوسط تحت اسم «إخوان غانم».. وسرعان ما انضم إليهما زميلهما عادل نصيف، ليكتمل أول مثلث كوميدى فى حياة سمير.
فى تلك الأثناء، وفى أحد معسكرات الجامعة الصيفية، التقى سمير بـ «توأمه الفنى» المستقبلى جورج سيدهم (طالب زراعة عين شمس).. ورغم الكيمياء الفنية التى جمعتهما، رفض جورج الانضمام إليهما فى البداية، متمسكاً بدراسته فى القاهرة ومكتفياً بعروض الصيف.
مع كثرة الترحال بين المدينتين، انسحب وحيد سيف تماماً، وحل جورج سيدهم محله رسمياً.. وفى تلك الفترة، زلزل اسكتش «دكتور إلحقنى» البيوت المصرية، ليعلن محمد سالم ميلاد فرقة «ثلاثى أضواء المسرح» بالتشكيل الذى ضم: سمير، وجورج، وعادل نصيف.
الضيف أحمد.. الصدفة التى صنعت التاريخ
لم تدم الفرحة طويلاً، إذ قرر عادل نصيف الهجرة لاستكمال دراسته بالخارج، ليجد «الثنائى» نفسهما فى مأزق البحث عن الضلع الثالث.. رُشح لهما فى البداية الشاب النشيط فاروق فلوكس، لكن «فوبيا» الرسوب فى كلية الهندسة جعلته يعتذر، مرشحاً لهما زميله الضيف أحمد.
يحكى سمير غانم بأسلوبه الساخر أنهم «اختطفوا» الضيف أحمد حرفياً من محطة مصر وهو يهمّ بالرحيل.. ورغم اعتراض المخرج محمد سالم فى البداية على الضيف، إلا أن إصرار سمير وجورج جعل «الضيف» يخوض التجربة، ليسجلوا اسكتش «كوتوموتو»، ومن ثم أول فوازير فى تاريخ التليفزيون، ليصبح الثلاثى «الظاهرة الفنية» الأبرز فى تاريخ السينما والمسرح.
وكانت الصدمة الكبرى عند إعلان خبر رحيل الضيف أحمد في قمة مجده عام 1970، تاركاً خلفه فراغاً لم يستطع أحد سده.. قرر سمير وجورج الوفاء لذكراه، فاستمرا تحت نفس الاسم «ثلاثى أضواء المسرح» كشعار للفرقة، وقدما روائعهما مثل «المتزوجون» و «أهلاً يا دكتور»، ليظل اسم «الثلاثى» حياً حتى بعد أن صاروا «ثنائياً»
أعمال مسرحية لا تنسى
يُعتبر المسرح هو الميدان الحقيقى الذى تفجرت فيه عبقرية جورج سيدهم.. بعد رحيل الضيف أحمد، استمر الثنائى (جورج وسمير) فى تقديم أعمال حُفرت فى ذاكرة التاريخ، ومن أبرزها، «المتزوجون» وتقديم شخصية «حنفى» التى تعد درساً فى الكوميديا الاجتماعية، ومشهد «أكل البيض» الشهير الذى صار أيقونة سينمائية.. وأعمال أخرى مثل: «أهلاً يا دكتور وموسيقى فى الحى الشرقى».. حيث استعرض مواهبه فى الغناء والاستعراض المسرحى.. و«حب فى التخشيبة»، وهى من أواخر أعماله المسرحية الكبرى قبل مرضه.
السينما والتليفزيون
رغم عشق جورج للمسرح، إلا أن بصمته فى السينما والتليفزيون كانت قوية ومميزة، حيث قدم ما يزيد على 60 عملاً سينمائياً.
فى السينما: تألق فى أفلام أبرزها: «البعض يذهب للمأذون مرتين، الشقة من حق الزوجة، البحث عن فضيحة، الزواج على الطريقة الحديثة، وأضواء المدينة و«المعتوه» و«عالم عيال عيال» و«قاع المدينة».. والعديد من الأعمال الناجحة».
فى التليفزيون: قدم مسلسلات لا تنسى، لعل أبرزها ملحمة «بوابة الحلوانى» و«ياسين وبهية» و«رأفت الهجان»، حيث أثبت قدرته على أداء الأدوار التراجيدية والدرامية بنفس كفاءة الكوميديا.
المحنة والمرض
فى منتصف التسعينيات، تعرض جورج سيدهم لأزمة صحية عنيفة (جلطة فى المخ) أدت إلى إصابته بشلل نصفى وفقدان القدرة على النطق، مما أبعده عن الأضواء لأكثر من عقدين، لكن هنا يأتى دور الزوجة وهى الدكتورة ليندا التى سجلت ملحمة وفاء نادرة، حيث ظلت بجانبه ترعاه وتكون صوته للعالم حتى رحيله، ورغم صمته، كان جورج حاضراً فى قلوب زملائه، وكان منزله مزاراً دائماً للفنانين الذين لم ينسوا فضله.
الرحيل والبقاء
فى 27 مارس 2020، غادر جورج سيدهم عالمنا عن عمر يناهز 82 عاماً، تاركاً خلفه ثروة من الضحك الراقى والمواقف الإنسانية.. رحل «الجسد» وبقى «الأثر» فى كل ضحكة تخرج من القلب عند رؤية مشهد لـ «حنفى» أو سماع لحن من ألحان الثلاثى، فى النهاية والمؤكد أن جورج سيدهم لم يكن ملك الكوميديا فقط، بل كان ملك «السهل الممتنع»؛ الفنإن الذى أضحكنا بعمق، وأبكى قلوبنا برحيله الصامت، ليبقى اسمه علامة مسجلة فى دفتر خلود الفن المصرى.
ومن الصدف أن يوم رحيله واكب ذكرى الاحتفال بيوم المسرح العالمى، حيث ترك سيدهم قبل رحيله رصيدًا فنيًا يخلده فى ذاكرة السينما المصرية، وعددًا كبيرًا من مسرحيات لا تنسى أدواره فيها، تؤكد أن الفنان الحقيقى باقٍ فى عالمنا بأعمالٍ شهيرة تجعله واحدا من ألمع نجوم الكوميديا المصرية، حيث إنه ترك إرثا فنيا لا ينسى بين مسرح وسينما وتليفزيون.