السبت 18 ابريل 2026

نعيمة عاكف..60 عاماً على رحيل «لهاليبو» السينما وأيقونة الاستعراض

نعيمة عاكف..60 عاماً على رحيل لهاليبو السينما وأيقونة الاستعراض

18-4-2026 | 09:58

عنتر السيد
تحل علينا فى الثالث والعشرين من أبريل الجارى الذكرى الـ60 لرحيل الفنانة الاستعراضية الاستثنائية نعيمة عاكف، التى غادرت دنيانا في مثل هذا اليوم من عام 1966، لم تكن نعيمة مجرد ممثلة عابرة، بل كانت ظاهرة فنية شاملة تركت بصمة لا تُمحى خلال مشوار فنى قصير زمنياً لمدة 17 عاماً فقط، لكنه كان مليئا بالإبداع والبهجة.. رحلت نعيمة فى سن الشباب، قبل أن تكمل عامها السابع والثلاثين، متأثرة بصراع مرير مع المرض، مخلفة وراءها تاريخاً حافلاً وتساؤلات حول ما كان يمكن أن تقدمه لو أمهلها القدر. لم تكن طفولة نعيمة عاكف كبقية الأطفال؛ فقد ولدت فى 7 أكتوبر 1929، بمدينة طنطا بمحافظة الغربية، وسط ضجيج السيرك وزئير الوحوش.. كان سيرك عائلتها، «سيرك أولاد عاكف»، يقدم عروضه فى ليالى مولد السيد البدوى حين خرجت نعيمة للنور. تحدثت نعيمة في حوار نادر وسابق لمجلة «الكواكب» عن «أعاجيب» نشأتها، موضحة أنها لم تعرف الاستقرار فى بيت ثابت، بل كانت حياتها تنقلاً مستمراً بين المدن والبلدان تبعاً لرحلات السيرك.. ويرجع الفضل فى احتراف العائلة لهذا الفن إلى جدها إسماعيل عاكف، الذى كان مدرساً للألعاب الرياضية، لكنه كان مفتوناً بالأكروبات.. وتذكر نعيمة أن جدها انبهر بسيرك إيطالى زار مصر، ثم سيرك ألمانى، فقرر الاستقالة من عمله الحكومى وتحويل منزله إلى ساحة تدريب، وسط صدمة جدتها لكن الجد أصر، ودرب أبناءه، وأنشأ السيرك بمكافأة نهاية خدمته، فى هذا الجو، أصبحت نعيمة البطلة الأولى للفريق وهى فى سن الرابعة فقط.. حيث كانت تغنى وتستحوذ على إعجاب الجمهور، حتى أنها فى سن السادسة تجرأت وطلبت من والدها تخصيص راتب شهرى لها، وهو ما يعكس قوة شخصيتها منذ الصغر. من البداية إلى النجومية استمرت نعيمة فى السيرك حتى سن العاشرة، حين تزوج والدها بامرأة أخرى، مما دفع والدتها لترك السيرك بصحبة أولادها، لينتقلوا إلى شقة متواضعة فى شارع محمد على بالقاهرة، هناك بدأت مرحلة جديدة من الكفاح، حيث انتقلت للعمل الفني فى هذه المرحلة. السينما واللقاء مع حسين فوزى اكتشفها المخرج أحمد كامل مرسى وقدمها كفنانة فى فيلم «ست البيت»، لكن النقلة الحقيقية كانت على يد المخرج حسين فوزى، الذى شاهدها واختارها لبطولة فيلم «العيش والملح» عام 1949.. حقق الفيلم نجاحاً ساحقاً، مما دفع فوزى لتوقيع عقد احتكار معها، وقدمها فى فيلم «لهاليبو» الذى أصبح أحد أهم ألقابها، رغم فارق السن، نشأت قصة حب انتهت بالزواج، ونقلها حسين فوزى من شارع محمد على إلى فيللا بمصر الجديدة، قدما معاً 15 فيلماً، منها: (بابا عريس، فتاة السيرك، جنة ونار، تمر حنة).. وبعد سنوات، انفصلا بهدوء شديد، لتتزوج بعدها من المحاسب صلاح الدين عبدالعليم، الذى أنجبت منه ابنها الوحيد «محمد» العالمية ولقب «الفنانة الشاملة» لم تكن موهبة نعيمة عاكف محلية فقط، بل وصلت للعالمية حين شاركت فى مهرجان موسكو عام 1958 ، ضمن وفد مصرى وسط منافسة من 50 دولة، هناك، أبهرت الجميع بمرونتها وقدرتها على تقديم رقصات متنوعة (باليه، شعبى، غربى) بإتقان تام، لتفوز بلقب أحسن راقصة فى العالم، ويُطلق عليها الجمهور لقب «الفنانة الشاملة». الجانب الروحي خلف أضواء المسرح، كانت نعيمة عاكف حالة إنسانية خاصة حيث تميزت بالجانب الروحي وكانت تحب شهر رمضان الكريم وتحرص على الصوم منذ سن الثامنة، ويُحكى أنها قطعت علاقتها بصديقة لها للأبد لأنها اكتشفت إفطارها أثناء دعوة غداء فى منزلها برمضان، كما كانت تحرص بعد الإفطار على زيارة مساجد الأولياء الصالحين. رحلة المرض بدأت فصول المأساة فى عام 1963 أثناء تصوير فيلم «بياعة الجرايد»، حيث بدأت تشعر بآلام مبهمة.. وفى يونيو 1965، قررت أخذ راحة فى الإسكندرية بعد مجهود شاق فى مسرح البالون، هناك، سقطت فجأة ونقلت للمستشفى، وبشرها الطبيب بأنها «حامل»، فرحت نعيمة فرحاً غامراً وقالت لابنها محمد: «هيجى لك أخ يشاركك فى قلبى» ، ثم عادت الى القاهرة وقضت 3 أشهر طريحة الفراش، لكن حالتها ساءت؛ فقدت وزنها ولم تعد تتقبل الطعام.. جاءت الصدمة حين أخبرها الأطباء بوجود كيس دهني في المعدة، وأثناء الجراحة لإزالة الكيس، حدث نزيف حاد وتوقف قلبها أكثر من مرة، وظل زوجها صلاح عبدالعليم فى حالة ذهول حتى خرج الأطباء ليصفوا عودتها للحياة بأنها «معجزة إلهية». قصة الرحيل الحزين رغم نجاح العملية ظاهرياً، إلا أن الفحوصات اللاحقة كشفت الحقيقة المرة: إصابتها بـ «سرطان الأمعاء»، واجهت نعيمة المرض بقوة شخصيتها المعهودة، وكانت تستعد للسفر للخارج للعلاج فى 11 أبريل 1966، لكن المرض كان أسرع؛ ففى 6 أبريل هاجمها نزيف حاد، ونُقلت لغرفة العناية المركزة، ورغم محاولات الأطباء لإنقاذها وتبكير موعد السفر، إلا أن روحها صعدت إلى بارئها فى 23 أبريل 1966. فى النهاية رحلت نعيمة عاكف وهى لم تتجاوز الـ37 عاماً، لكنها تركت إرثاً سينمائياً مثل ( المليونير، أحبك يا حسن، تمر حنة) جعلها خالدة فى ذاكرة الفن؛ وكان «السر» فى نجاحها هو نشأتها فى السيرك الذي منحها ميزات استعراضية خاصة ومميزة، وأخلاقها التى منحتها الرقى والتقدير، ستبقى «لهاليبو» دائماً رمزاً للفنانة التى عاشت مخلصة لفنها حتى الرمق الأخير.