الإثنين 8 يونيو 2026

«حاجة تخوف»... قراءة لواقع الإنسان المعاصر فى كل مكان

حاجة تخوف ... قراءة لواقع الإنسان المعاصر فى كل مكان

6-6-2026 | 11:02

هيثم الهواري
حين أذهب لمشاهدة عرض مسرحى يحمل بصمات المخرج الكبير خالد جلال، أكون على يقين بأننى أمام تجربة ثرية وممتعة، مليئة بالكوميديا والطاقة الفنية والمواهب الشابة التى اعتاد أن يقدمها عبر مركز الإبداع الفنى، ذلك المكان الذى أصبح على مدار سنوات طويلة مصنعًا حقيقيًا للنجوم، ومنصة لصناعة تجارب مسرحية مختلفة قادرة على الجمع بين المتعة الفنية والوعى الإنسانى. لكن منذ اللحظات الأولى لعرض «حاجة تخوف»، ندرك أننا أمام تجربة مختلفة تمامًا عمّا اعتدنا مشاهدته داخل مركز الإبداع، خاصة فى الفترة التى تسبق بداية العرض، أثناء دخول الجمهور، حيث يبدأ الممثلون فى صنع حالة فنية مشحونة بالقلق والتوتر، تجعلك تعيد التفكير فى طبيعة العرض وما ينتظرك داخله، وكأنك لا تدخل قاعة مسرح تقليدية، بل تدخل إلى مساحة نفسية مليئة بالقلق والأسئلة كما نعيش مع هذا خلال الأسطر التالية. العرض المسرحى «حاجة تخوف» يقدم حالة فنية وإنسانية تلامس الواقع بما يحمله من قلق وأسئلة وضغوط نفسية يعيشها الإنسان المعاصر أحياناً، ففى زمن أصبحت فيه الضغوط النفسية جزءًا من الحياة اليومية، يأتى العرض ليضع الجمهور أمام مواجهة مباشرة مع ذاته، عبر تجربة مسرحية تعتمد على التوتر النفسى أكثر من اعتمادها على الحكاية التقليدية. الخوف بوصفه قضية إنسانية ما يميز «حاجة تخوف» أنه لا يتعامل مع الخوف باعتباره عنصرًا دراميًا تقليديًا بل يقدمه باعتباره قضية إنسانية معقدة تعيش داخل كل فرد، فالخوف هنا ليس خطراً يطارد الشخصيات، بل هو حالة نفسية مستمرة تتسلل إلى التفاصيل اليومية وتؤثر فى القرارات والعلاقات والمشاعر. يناقش العرض أشكالاً متعددة من الخوف؛ الخوف من المستقبل المجهول، والخوف من الفشل، والخوف من فقدان الأحبة، والخوف من الوحدة، والخوف من نظرة المجتمع، بل وحتى الخوف من مواجهة النفس واكتشاف حقيقتها، وهى مخاوف يعيشها الإنسان المعاصر بصورة يومية، خصوصًا فى عالم سريع التغير تزداد فيه الضغوط النفسية بشكل مستمر. قراءة لمخاوف للإنسان نجح العرض فى تقديم صورة قريبة جدًا من واقع الإنسان المعاصر حول العالم، ذلك الإنسان الذى يعيش وسط عالم مزدحم بالأحداث والمعلومات والتحديات، عالم أصبح فيه الجميع فى حالة سباق دائم مع الوقت، بينما تتراجع القدرة على الإنصات الحقيقى والتواصل الإنسانى العميق. ومن هنا تأتى أهمية العمل، لأنه لا يناقش قضية بعيدة عن الجمهور أو فكرة نظرية مجردة، بل يتناول مشاعر يعيشها الناس يوميًا، لذلك يشعر المتفرج بأن العرض يلامسه شخصيًا، وأن ما يراه على خشبة المسرح ليس مجرد حكاية تخص شخصيات خيالية. واحدة من أهم نقاط قوة العرض أنه يجعل الخوف البطل الحقيقى للأحداث، فبدلاً من الاعتماد على شخصية مركزية تقود الحكاية، يصبح الخوف هو المحرك الأساسى لكل شيء، إنه القوة الخفية التى تتحكم فى حركة الشخصيات وتوجه قراراتها وتفرض عليها خياراتها. الشخصيات هنا جميعها تبدو وكأنها تحاول الهروب من شيء ما، لكن هذا الشيء لا يكون واضحًا دائمًا، ومع تطور الأحداث يكتشف الجمهور أن العدو الحقيقى ليس خارج الشخصيات، وإنما يسكن داخلها، وهنا ينجح العرض فى تحويل فكرة مجردة إلى حضور درامى ملموس يشعر به المتفرج طوال الوقت. بناء نفسى أكثر من الحكاية التقليدية لا يعتمد «حاجة تخوف» على حبكة تقليدية تقوم على تصاعد الأحداث وكشف المفاجآت، بل يعتمد بدرجة أكبر على البناء النفسى للشخصيات، فكل شخصية تحمل أسرارها الخاصة، وتحاول التعامل مع مخاوفها بطريقتها المختلفة، لكن الجميع يكتشف فى النهاية أن الهروب ليس حلاً، وأن المواجهة تبقى الطريق الوحيد للخلاص. هذا البناء يمنح العمل عمقًا إنسانيًا واضحًا، ويجعل التفاعل مع الشخصيات قائمًا على المشاعر والتجارب الإنسانية أكثر من اعتماده على تفاصيل الحكاية نفسها.. لذلك يظل تأثير العرض حاضرًا حتى بعد نهايته، لأن الأسئلة التى يطرحها لا تنتهى مع إسدال الستار. لغة بصرية تصنع التوتر منذ البداية يفرض العرض إيقاعه الخاص عبر لغة بصرية دقيقة ومدروسة.. الإضاءة لا تستخدم هنا بوصفها عنصرًا تقنيًا فقط، بل تتحول إلى شريك أساسى فى صناعة المعنى، فهناك الانتقالات بين الظل والنور، والمساحات المعتمة، والاضاءات المفاجئة، وكلها عناصر تسهم فى صنع شعور دائم بالقلق والترقب، كما تلعب الموسيقى دورًا مهمًا فى بناء الحالة النفسية، إذ تتحرك بين لحظات الهدوء والتصاعد الحاد، لتصنع مناخًا مشحونًا بالتوتر، وفى بعض المشاهد تبدو الموسيقى وكأنها تتحدث نيابة عن الشخصيات، وتعبر عن مشاعرها الداخلية بصورة أبلغ من الكلمات. الإيقاع الجماعى من أكثر العناصر اللافتة فى العرض اعتماده على الأداء الجماعى، فالممثلون يتحركون أحيانًا كأنهم جسد واحد، يعبر عن حالة إنسانية عامة ومشتركة، ثم ينفصل كل منهم داخل عالمه الخاص وعزلته الفردية. هذه الفكرة البصرية الذكية تعكس التناقض الذى يعيشه الإنسان المعاصر؛ فهو يسعى باستمرار إلى التواصل مع الآخرين والانتماء إليهم، لكنه فى الوقت نفسه يظل محاصرًا بمخاوفه الخاصة وعالمه الداخلى المغلق، لذلك تبدو المشاهد الجماعية في العرض معبرة عن المجتمع كله بقدر ما تعبر عن الشخصيات الفردية. أداء تمثيلى متوازن ومقنع قدم أبطال العرض، وهم: هبة كامل، محمد حسيب، أشرف مهدى، مى حمدى، نادر جودة، يحيى محمود، نهى نبيل، محمد نديم، شريف رجب، خلود خالد، محمد سراج، منة حمدى، أسماء غنيم، نورا نبيل، شريف إسماعيل، نانسى السمرى، مدرونا سليم، أحمد خليل، جهاد أشرف، محمود جراتسى، حبيبة زيتون، مجدى حمزة، لقاء الصيرفى، عمر أسامة، محمد حسين، سلمى هانى، نزار سيف، هبة السويسى، آية سليمان، أمنية سيد، عمر لطفى، شيماء عصمت، حبيبة النادى، شيماء بن عشا، مصطفى منصور، شاهندا على، محمد إبراهيم، منار عمار، شريف حليم، دنيا حلمي، رامى صابر، سلمى أبو سعد، أحمد حسام، مريم حاتم، مارك نادى، مريم محروس، محمد القرشى، نسمة نور الدين، باسم الجندى، أحمد سيف، وعبده فضل، أداءً اتسم بالصدق والإتزان. ورغم ضخامة عدد المشاركين، لم يشعر المشاهد بأن هناك شخصيات زائدة أو عناصر موجودة فقط لملء الفراغ، بل نجح كل ممثل فى ترك بصمته الخاصة داخل النسيج العام للعمل، مستفيدًا من لغة الجسد والتعبير الصامت والانفعالات الدقيقة التى لعبت دورًا أساسيًا فى إيصال المشاعر. خالد جلال ورؤية إخراجية واعية يحسب للمخرج الكبير خالد جلال نجاحه فى إدارة هذه المجموعة الكبيرة من الممثلين دون أن يفقد العرض تماسكه أو إيقاعه، فقد استطاع أن يصنع حالة بصرية ونفسية متكاملة، وأن يحول خشبة المسرح إلى مساحة تعكس ارتباك الإنسان المعاصر وأسئلته الوجودية ومخاوفه اليومية. كما نجح فى توظيف مختلف العناصر الفنية داخل رؤية موحدة تخدم الفكرة الأساسية للعمل، دون استعراض أو مبالغة، وهو ما منح العرض قدرًا كبيرًا من النضج الفنى والانسجام. «سينوغرافيا» تخدم الفكرة لعبت «السينوغرافيا» دورًا هاما فى نجاح التجربة، رغم اعتمادها على عناصر بسيطة نسبيًا، فقد جاء تصميم الأزياء الذى نفذه محمد نديم وهبة كامل معبرًا عن الحالة النفسية للشخصيات وكذلك تصميم الإضاءة التى نفذها أحمد عبد التواب ووليد فوزى، لتصبح الإضاءة أحد أهم عناصر صناعة التوتر النفسى داخل العرض. أما الموسيقى والإعداد الموسيقي اللذان قدّمهما محمد سراج ومارك نادى، فقد شكّلا عنصرًا محوريًا فى بناء الأجواء الشعورية للعمل، بينما ساهم تنفيذ الصوت بواسطة محمد حسن وهيثم نبيل فى تعزيز التأثير السمعى للمشاهد المختلفة. وجاء تصميم الديكور بواسطة الدكتور أشرف مهدي ومحمد نديم ونادر جودة، وتنفيذ محمد غنيم، تحت إشراف الفنان محمد الغرباوى، ليقدم فضاءً بصريًا قادرًا على التعبير عن الاضطراب النفسى والقلق الداخلى الذي تعيشه الشخصيات، كما أدت علا فهمى دورًا مهمًا بصفتها المخرج المنفذ فى الحفاظ على تماسك الرؤية العامة للعمل. أسئلة تتجاوز خشبة المسرح لا يكتفى «حاجة تخوف» بإثارة مشاعر القلق أو التوتر، بل يطرح مجموعة من الأسئلة العميقة التى تظل عالقة فى ذهن المشاهد بعد انتهاء العرض، أبرزها وهل تحولت المخاوف اليومية لدي البعض إلى قوة تتحكم فى حياتنا دون أن نشعر؟ وهل فقدنا قدرتنا على التواصل الحقيقى بسبب انشغال كل منا بعالمه الداخلى؟ هذه الأسئلة لا يقدم العرض لها إجابات جاهزة، بل يتركها مفتوحة أمام الجمهور، وهو ما يمنحه قيمة فكرية تتجاوز حدود الترفيه أو المتعة البصرية. تجربة حقيقية ستبقى فى النهاية، يمكن القول إن «حاجة تخوف» ليس مجرد عرض مسرحى عن الخوف، بل هو جولة نفسية وإنسانية لحالة يعيشها المجتمع بأكمله، إنه عمل يقترب من مناطق هامة داخل النفس البشرية، ويكشف كيف يمكن للمخاوف الصغيرة أن تتحول إلى قضبان غير مرئية تحاصر الإنسان وتمنعه من الحياة بحرية. نجح العرض فى تحويل هذه الفكرة إلى تجربة مسرحية متكاملة تجمع بين الأداء الصادق والرؤية الإخراجية الواعية واللغة البصرية المؤثرة، ليؤكد أن المسرح ما زال قادرًا على الاقتراب من الإنسان الحقيقى ومناقشة أؤضاعه النفسية والاجتماعية بلغة فنية راقية. ولهذا يخرج المتفرج من «حاجة تخوف» وهو لا يتذكر فقط ما شاهده على الخشبة، بل يتذكر أيضًا ما اكتشفه داخل نفسه، وهنا تكمن قوة المسرح الحقيقى؛ ذلك المسرح الذى لا يكتفى بإمتاع الجمهور، بل يجعله يعيد النظر فى ذاته، ويواجه الأسئلة التى ظل طويلاً يؤجل الإجابة عنها.