6-6-2026 | 11:04
محمد نبيل
أسدل مهرجان «كان» السينمائى الدولى الستار بشكل رسمى على دورته التاسعة والسبعين بعد أيام حافلة بالعروض والنقاشات والفعاليات السينمائية، معلنًا قائمة الجوائز التى عكست توجهًا واضحًا نحو الاحتفاء بالسينما التأملية وأفلام المؤلف، وجاءت السعفة الذهبية من نصيب فيلم «FJORD» للمخرج الرومانى كريستيان مونجيو، فى فوز لم يكن مفاجئا بقدر ما بدا تأكيدًا على حضور السينما الهادئة التى تعتمد على التفاصيل الدقيقة والبناء البصرى العميق، فى التقرير التالى ترصد مجلة «الكواكب» أبرز الاحداث والجوائز التى تمت بدورة المهرجان لهذا العام.
فى البداية كانت الجائزة الكبرى للمهرجان من نصيب فيلم «MINOTAURE» للمخرج الروسى أندريه زفياجينتسيف، الذى واصل من خلاله انشغاله بـ«التيمات» التى تشكل دائما محور أعماله، وعلى رأسها العائلة والانهيار الداخلى للإنسان، ويقدم الفيلم رؤية قاتمة للعلاقات الإنسانية فى عالم متقلب، مواصلاً المسار الفنى الذى رسخ مكانة «زفياجينتسيف» كأحد أبرز الأصوات السينمائية المعاصرة.
أفضل إخراج.. تكريم لرؤيتين مختلفتين
شهدت جائزة أفضل إخراج واحدة من أبرز مفاجآت الدورة، بعدما قررت لجنة التحكيم منحها مناصفة بين الثنائى الإسبانى خافيير كالفو وخافيير أمبروسي عن فيلم «La Bola Negra»، والمخرج البولندى باول بافليكوفسكى عن فيلم «Fatherland»، وجاء هذا الاختيار ليعكس تقدير اللجنة لأسلوبين مختلفين تمامًا فى صناعة الصورة السينمائية، حيث يجمع الأول بين الجرأة البصرية والحيوية السردية، فيما يعتمد الثانى على لغة أكثر تأملاً وعمقًا.
السيناريو ولجنة التحكيم.. تكريم للرؤية والابتكار
أما فى فئة أفضل سيناريو، حصد المخرج الفرنسى إيمانويل مار الجائزة عن فيلمه «Notre Salut»، بعدما نجح فى تقديم معالجة درامية متميزة جمعت بين البناء المحكم والطرح الإنسانى، وفى المقابل، منحت لجنة التحكيم جائزتها لفيلم «Das Geträumte Abenteuer» للمخرجة فاليسكا جريسباخ، تقديرًا لخصوصية رؤيته الفنية وقدرته على بناء عالم سينمائى متفرد.
جوائز التمثيل.. مفاجآت على منصة التتويج
حملت جوائز التمثيل نصيبها من المفاجآت، إذ قررت لجنة التحكيم منح جائزة أفضل أداء نسائى مناصفة بين الفرنسية فيرجينى إيفيرا واليابانية تاو أوكاموتو عن فيلم «Soudain» للمخرج اليابانى هاماجوتشى ريوسوكى، وجاء القرار اعترافًا بالأداءين اللذين قدما مقاربتين مختلفتين للشخصية ذاتها، بما منح العمل ثراءً إنسانيًا استثنائيًا.
أما جائزة أفضل أداء رجالى فذهبت إلى الثنائى إيمانويل ماكيا وفالانتان كامبان عن فيلم «Coward» للمخرج البلجيكى لوكاس دونت، صاحب فيلم «Close» الفائز بالسعفة الذهبية عام 2022، فى تأكيد جديد على قدرته فى استخراج أداءات تمثيلية شديدة الحساسية والصدق.
تصريحات الفائزين.. السينما تواجه العديد من التحولات المتسارعة
عقب إعلان النتائج، اجتمع الفائزون فى مؤتمر صحفى اتسم بأجواء تعكس طبيعة الأفلام المتوجة نفسها، حيث دارت النقاشات حول دور الفن فى عالم يشهد العديد من التحولات المتسارعة.
وأكد كريستيان مونجيو أن فيلمه «FJORD» يحمل رؤية واضحة، معتبرًا أن السينما فى جوهرها دعوة للتعايش والحوار.
من جانبه، رأى أندريه زفياجينتسيف أن صناعة فيلم ترفيهى لم تكن خيارًا مطروحًا بالنسبة له، مؤكدًا أن الفنان لا يملك رفاهية الهروب من الواقع، وأوضح أن اختياره للواقعية فى «MINOTAURE» يمثل موقفًا قبل أن يكون قرارًا فنيًا، وأن الفيلم بمثابة شهادة على التحولات العميقة التى يعيشها الإنسان المعاصر.
اكتشاف المواهب السينمائية
واصل قسم «نظرة ما» دوره التقليدى بوصفه مساحة لاكتشاف المواهب السينمائية الجديدة، حيث ضم هذا العام 19 فيلمًا روائيًا طويلاً، من بينها ستة أفلام أولى تنافست أيضًا على جائزة الكاميرا الذهبية، فى تأكيد جديد على التزام المهرجان بدعم الأصوات السينمائية الشابة.
ترأست لجنة التحكيم الممثلة الفرنسية ليلى بختى، وشاركتها المنتجة السنغالية أنجيلى ديابانج، والمؤلف الموسيقى اللبنانى خالد مزنر، والمخرجة الإيطالية لورا سامانى، والمخرج الفرنسى توماس كايلى، فى تجمع عكس تنوعًا ثقافيًا وفنيًا واسعًا.
الفائزون فى «نظرة ما»
حصدت المخرجة ساندرا فولنر الجائزة الكبرى للقسم عن فيلم «EVERYTIME»، الذى لفت الأنظار برؤيته البصرية الخاصة ومعالجته الإنسانية الدقيقة لموضوعه.
الجناح المصرى.. حضور متصاعد
شهدت الدورة التاسعة والسبعون حضورًا لافتًا للجناح المصرى للعام الثانى على التوالى.
شهد الجناح المصرى الإعلان عن تعاون جديد بين مهرجان القاهرة السينمائى والاتحاد الدولى للنقاد السينمائيين «فيبريسى» وبرنامج مواهب ديربان، وذلك خلال حفل الاستقبال السنوى للاتحاد، فى خطوة تعكس توجهًا متزايدًا نحو تعزيز التعاون الدولى فى المجال السينمائى.
حسين فهمى.. شخصية العام السينمائية العربية
خلال فعاليات المهرجان، تسلم الفنان حسين فهمى، رئيس مهرجان القاهرة السينمائى الدولى، جائزة «شخصية العام السينمائية العربية» التى يمنحها مركز السينما العربية، تقديرًا لمسيرته الفنية الطويلة وإسهاماته فى دعم الصناعة السينمائية عربيًا ودوليًا.
كما شارك محمد طارق، المدير الفنى لمهرجان القاهرة السينمائى الدولى، فى ندوة بعنوان «واقع النقد اليوم فى العالم العربى وما وراءه»، والتى أقيمت داخل الجناح المصرى، وحرص الفنان حسين فهمى، على المشاركة فى الجلسة النقاشية التى أقيمت تحت عنوان «إحياء التراث».
السينما العربية
ضمن الأقسام الرسمية للمهرجان، برزت ثلاثة أفلام عربية أو مرتبطة بالعالم العربى، جمعت بعضها قضايا المرأة.
السعفة الفخرية.. تكريم بيتر جاكسون
واصل مهرجان «كان» تقليده فى تكريم الشخصيات التى تركت بصمة استثنائية فى تاريخ السينما، حيث منح السعفة الذهبية الفخرية للمخرج النيوزيلندى بيتر جاكسون، تقديرًا لمسيرة امتدت بين السينما المستقلة والمشروعات الهوليوودية العملاقة.
واستعاد جاكسون خلال كلمته ذكرياته مع المهرجان منذ حضوره الأول عام 1988 بفيلم «Bad Taste»، ثم عودته عام 2001 لتقديم مشاهد من «The Fellowship of the Ring»، مؤكدًا أن مهرجان «كان» ظل دائمًا مساحة تحتفى بالسينما والرؤى المبتكرة.
سعفة خاصة لـ«جون ترافولتا»
في واحدة من مفاجآت الدورة، منح مدير المهرجان النجم الأمريكى جون ترافولتا سعفة ذهبية خاصة قبل عرض فيلمه «Propeller One-Way Night Coach»، الذى يمثل أولى تجاربه الإخراجية.
ويستند الفيلم إلى كتاب للأطفال كتبه ترافولتا عام 1997 مستلهمًا شغفه بعالم الطيران، ويروى قصة الطفل جيف الذى يسافر برفقة والدته إلى هوليوود خلال العصر الذهبى للطيران، لتتحول الرحلة إلى تجربة تكشف ملامح أحلامه الأولى وتشكل رؤيته للمستقبل.
تيلدا سوينتون.. السينما عائلة ممتدة
فى جلسة نقاشية ، تحدثت الفنانة الاسكتلندية تيلدا سوينتون عن محطات مسيرتها الفنية، كاشفة أن بدايتها كانت فى الكتابة قبل أن تقودها الصدفة إلى عالم التمثيل.
واستعادت علاقتها بالمخرج الراحل ديريك جارمان الذى شكل نقطة الانطلاق الأساسية فى تجربتها السينمائية، مؤكدة أن وفاته دفعتها لإعادة التفكير فى مسارها بالكامل قبل أن تجد «عائلات سينمائية» جديدة مع مخرجين مثل بونج جون هو وجيم جارموش.
كما وصفت تعاونها مع جارموش بأنه قائم على روح التجريب، بينما رأت في العمل مع بيدرو ألمودوفار تجربة مختلفة تمامًا، إذ يصنع عالمًا سينمائيًا متكامل يتجاوز الواقعية إلى فضاء أقرب للأحلام، مؤكدة فى ختام حديثها أن السينما، رغم كل التحولات التى تشهدها الصناعة، لا تزال قادرة على البقاء والتجدد .
هكذا أسدل مهرجان «كان» 79 الستار على دورة جمعت بين قوة الأفلام المتنافسة، وحيوية النقاشات الفكرية، والحضور العربى المتنامى، مؤكداً أن السينما لا تزال قادرة على تجاوز الحدود وصناعة حوار عالمى تتقاطع فيه الثقافات والرؤى والقصص الإنسانية.