13-6-2026 | 13:48
عنتر السيد
فى الثانى والعشرين من ديسمبر عام 1910، شهد حى المغربلين العريق بالقاهرة ميلاد واحد من أهم الفنانين فى تاريخ الفن المصرى والعربى، هو الفنان القدير محمود المليجى، الذى تحوّل مع مرور السنوات إلى مدرسة تمثيلية فنية متكاملة، وأصبح اسمه صورة للإبداع والاحتراف والقدرة المذهلة على تجسيد الشخصيات المركبة، ورغم أن أصوله تعود إلى قرية «مليج» بمحافظة المنوفية، إلا أن القاهرة كانت البيئة الأولى التى كونت ملامح شخصيته الإنسانية والفنية بعد ذلك، فى شهر يونيو الجارى نحيي ذكرى رحيل هذا الفنان القدير والذى رحل بعد رحلة فنية استثنائية امتدت لأكثر من نصف قرن، ترك خلالها إرثاً ضخماً من الأعمال الخالدة التى تجاوزت 500 عمل بين السينما والمسرح والإذاعة والتليفزيون، ليصبح واحداً من أكثر الفنانين تأثيراً فى تاريخ الفن المصرى والعربى.. لذلك حرصت مجلة «الكواكب» فى ذكراه على الإبحار فى مراحل حياته كأسطورة فنية لم تتكرر فى تاريخ السينما والتليفزيون المصرى والعربى .
الحكاية بدأت عندما نشأ محمود المليجى فى بيئة بسيطة، وانتقل مع أسرته من حى المغربلين إلى حى الحلمية، وبعد حصوله على الشهادة الابتدائية، التحق بالمدرسة الثانوية وهناك بدأت ملامح الفنان الحقيقى فى الظهور.
كان مدير المدرسة «لبيب الكروانى» من المؤمنين بأهمية الفنون، فاستعان بعدد من كبار الفنانين لتدريب الطلاب، ومن بينهم أحمد علام، جورج أبيض، فتوح نشاطى وعزيز عيد، وبين هؤلاء الرواد صقلت موهبة المليجى مبكراً، واكتسب أسس الأداء المسرحى الصحيح، ورغم إعجاب الفنان الكبير عزيز عيد بموهبته، فإنه كان يتعمد إحباطه ظاهرياً بقوله: «أنت مش ممثل.. روح دور على شغلة تانية»، ولم يدرك المليجى فى البداية أن هذه الكلمات كانت وسيلة تربوية تهدف إلى حمايته من الغرور ودفعه لمزيد من الاجتهاد، وظل هذا الدرس راسخاً فى وجدانه طوال حياته الفنية.
فاطمة رشدى تكتشف الموهبة الاستثنائية
كانت نقطة التحول الأولى عندما حضرت الفنانة الكبيرة فاطمة رشدى أحد عروض المدرسة المسرحية، وأعجبت بأداء هذا الشاب الواعد، وبعد انتهاء العرض دعته للانضمام إلى فرقتها المسرحية مقابل أربعة جنيهات شهرياً، وبدأ رحلته الاحترافية داخل فرقة فاطمة رشدى، حيث قدم أدواراً صغيرة فى البداية، ثم تطور سريعاً ليصبح الفتى الأول فى عدد من المسرحيات، حتى بلغت ثقة فاطمة رشدي فيه إلى حد ترشيحه لبطولة أحد الأفلام إلا أن فشل الفيلم تجارياً دفعه إلى البحث عن طريق جديد.
بعد ذلك انتقل إلى فرقة «رمسيس» الشهيرة بقيادة يوسف وهبى، وعمل فى البداية ملقناً براتب تسعة جنيهات، قبل أن يواصل رحلة الصعود بثبات وإصرار.
البداية الحقيقية على الشاشة الفضية
شهد عام 1936 ظهور المليجى أمام كوكب الشرق أم كلثوم فى فيلم «وداد»، وهو العمل الذى مثل خطوة مهمة فى مسيرته السينمائية.. ثم جاء فيلم «قيس وليلى» ليقدم من خلاله أولى ملامح الشر التى ستصبح لاحقاً عنواناً بارزاً فى مشواره الفنى، ورغم أن الجمهور عرفه لاحقاً بلقب «شرير الشاشة»، فإن المليجى لم يكن أسيراً لهذا القالب، فقد امتلك قدرة استثنائية على تقديم أدوار متعددة ومتناقضة، فنجح فى أداء شخصيات الطبيب النفسى، والمحامى، والضابط، والعاشق، والفلاح، والكهل، ورجل المباحث، بل وأدوار كوميدية تركت أثراً واضحاً لدى المشاهدين.
بناء نفسي وإنساني
لم يكن الشر عند محمود المليجى مجرد ملامح قاسية أو نظرات مخيفة، بل كان بناءً نفسياً وإنسانياً متكاملاً للشخصية، لذلك ظل الجمهور يكرهه داخل العمل الفنى ويعشقه خارجه، إلى أن نجح فى تحويل أدوار الشر إلى شخصيات نابضة بالحياة تحمل دوافع إنسانية معقدة، الأمر الذى جعل أداءه مختلفاً عن أى ممثل آخر، وكان حضوره الطاغى يجعل أحياناً الدور أكثر تأثيراً من البطولة نفسها، حتى أصبح قاسماً مشتركاً فى أغلب الأفلام المهمة التي أنتجتها السينما المصرية خلال عقود طويلة.
«الدويتو» مع فريد شوقى
ارتبط اسم محمود المليجى بالفنان الكبير فريد شوقى فى عشرات الأعمال السينمائية التى شكلت جزءاً مهماً من ذاكرة الجمهور العربى، حيث قدم الثنائى أعمالاً لا تزال حاضرة حتى اليوم، مثل «رصيف نمرة 5» و«أبو الدهب» و«فتوات الحسينية»، وغيرها من الأفلام التى جمعت بين قوة الأداء والشعبية الجماهيرية.
كان المليجى يمزح دائماً قائلاً إن فريد شوقى هو «المجرم الطيب»، بينما كان هو «مجرم السليقة»، أما فريد شوقى فكان يعتبر المليجى من أهم الأشخاص الذين ساندوه فى بداياته الفنية، مؤكداً أنه تعلم منه الكثير على المستوى المهنى والإنسانى، وكانا يقدمان «دويتو» فنيا منسجما للغاية أمام الشاشة.
«الأرض».. الدور الذى صنع الخلود
إذا كان لكل فنان عمل واحد يختصر تاريخه، فإن فيلم «الأرض» للمخرج يوسف شاهين كان العمل الذى منح محمود المليجى الخلود الفنى، فى شخصية محمد أبو سويلم قدم المليجى واحداً من أعظم الأدوار فى تاريخ السينما العربية، وتجسد ذلك خصوصاً فى المشهد الشهير الذى يُسحب فيه بالحبال بينما تحاول يداه التشبث بأرضه الزراعية.
رفض المليجي الاستعانة بدوبلير، وأصر على تنفيذ المشهد بنفسه رغم خطورته، فجاء الأداء صادقاً ومؤلماً ومعبراً عن ارتباط الإنسان المصرى بأرضه وهويته، وقد وصف يوسف شاهين المليجى بأنه ممثل يؤدى أدواره بتلقائية نادرة، وقال إنه كان يخشى أحياناً من قوة نظرات عينيه أمام الكاميرا لما تحمله من صدق وتأثير.
أنطونى كوين الشرق
لم يقتصر تقدير موهبة المليجى على مصر فقط، بل امتد إلى العالم العربى كله، وقد أطلق عليه العديد من الفنانين والنقاد لقب «أنطونى كوين الشرق»، تقديراً لقدراته الاستثنائية فى الأداء وتجسيد الشخصيات، وجاء هذا اللقب بعد نجاحه فى تقديم أدوار مشابهة لما قدمه النجم العالمى أنطونى كوين، لكن بروح مصرية وعربية خالصة، جعلت الكثيرون يرون أنه لا يقل عنه موهبة وتأثيراً.
بصمات لا تُنسى فى المسرح والتليفزيون
رغم شهرته السينمائية الواسعة، فإن محمود المليجى كان صاحب حضور قوى على خشبة المسرح أيضاً، فقد عمل مع فرق فاطمة رشدى وإسماعيل ياسين وتحية كاريوكا والمسرح الجديد، وقدم أكثر من عشرين مسرحية مهمة، ومن أبرز أعماله المسرحية: «يوليوس قيصر»، و«حدث ذات يوم»، و«الولادة»، و«على بك الكبير».
كما ترك بصمة واضحة فى الدراما التليفزيونية من خلال أعمال بارزة مثل: «أحلام الفتى الطائر»، و«الأيام»، و«العنكبوت»، و«مارد الجبل»، و«على أبواب المدينة»، و«عمرو بن العاص»، و«حصاد العمر» الذى كان من آخر أعماله الفنية.
المنتج الذى دعم النجوم الجدد
لم يكتف المليجى بالتمثيل، بل خاض تجربة الإنتاج السينمائي إيماناً منه بدوره فى الارتقاء بالفن المصرى
حيث نتج عدداً من الأفلام المهمة، منها: «الملاك الأبيض» و«الأم القاتلة» و«سوق السلاح» و«المقامر».. ومن خلال هذه التجارب ساهم فى تقديم عدد من النجوم الذين أصبحوا لاحقاً من أعمدة الفن المصرى، ومن بينهم فريد شوقى وتحية كاريوكا ومحسن سرحان وحسن يوسف.
قصة حب استمرت 44 عاماً
فى حياته الشخصية ارتبط محمود المليجى بالفنانة علوية جميل، التى كانت شريكة عمره وسنده الأكبر.. بدأت قصة الحب بينهما فى ظروف إنسانية مؤثرة عندما وقفت إلى جانبه بعد وفاة والدته، حيث تزوجا عام 1939 واستمرت علاقتهما أكثر من أربعة وأربعين عاماً حتى رحيله، ورغم ما أثير حول شخصيتها القوية وسيطرتها على تفاصيل حياته، فإن المليجى ظل وفياً لها حتى النهاية، وظلت هى أقرب الناس إليه وأكثرهم تأثيراً فى حياته.
التكريم والجوائز
حظى محمود المليجى بتقدير رسمى وشعبى كبير طوال حياته، فحصل على: «وسام العلوم والفنون، ووسام الأرز اللبنانى، والميدالية الذهبية للرواد الأوائل، وجائزة الدولة التشجيعية فى التمثيل عام 1972، وشهادة تقدير فى عيد الفن عام 1977»، كما كان من الفنانين القلائل الذين تم تعيينهم فى مجلس الشورى عام 1980، تقديراً لمكانته الفنية ودوره الثقافى الكبير.
الرحيل داخل مشهد الموت
جاءت نهاية محمود المليجى كما لو كانت مشهداً سينمائياً كتبه القدر بنفسه،. ففى أثناء تصوير فيلمه الأخير «أيوب» أمام عمر الشريف، انتهى من أداء مشهد الموت داخل الفيلم، ثم جلس يتحدث مع عمر الشريف عن الحياة والموت، وطلب فنجاناً من القهوة، وفجأة أسند رأسه وكأنه استغرق فى النوم؛ ظن الحاضرون أنه يواصل التمثيل، لكن الحقيقة كانت أكثر تأثيراً؛ فقد رحل بالفعل عن عالمنا إثر أزمة قلبية حادة، لينتهى مشوار أحد أعظم ممثلى السينما العربية فى اللحظة نفسها التى كان يجسد فيها الموت أمام الكاميرا، حيث رحل المليجى في السادس من يونيو عام 1983، بعد رحلة فنية استثنائية امتدت لأكثر من نصف قرن، ترك خلالها إرثاً ضخماً من الأعمال الخالدة التى تجاوزت 500 عمل بين السينما والمسرح والإذاعة والتليفزيون، ليصبح واحداً من أكثر الفنانين تأثيراً فى تاريخ الفن المصرى والعربى.
وبعد أكثر من أربعة عقود على رحيله، لا يزال محمود المليجى حاضراً بقوة فى وجدان المشاهد العربى، فقد ترك وراءه مدرسة فنية قائمة على الصدق والاحتراف والقدرة الفائقة على الغوص فى أعماق الشخصيات.
كان يرفض أن يختزل فى لقب «شرير الشاشة» ، ويفضل أن يعرف ببساطة باسم «محمود المليجى»، وربما كان ذلك هو اللقب الأجمل بالفعل، لأن هذا الاسم وحده أصبح عنواناً لفنان استثنائى، صنع مجداً لا يزول، وترك إرثاً سيبقى خالداً فى تاريخ الفن المصرى والعربى.