الإثنين 20 يوليو 2026

دنجوان السينما المصرية.. رشدى أباظة أسطورة لم يطفئها الزمن

رشدى أباظة

19-7-2026 | 10:52

ناصر جابر
وُلد «رشدى سعيد بغدادى أباظة» عام 1926 لأسرة عريقة، حيث كان والده مصريًا ينتمى إلى عائلة أباظة الشهيرة، بينما كانت والدته إيطالية، وهو ما انعكس على ملامحه الأوروبية التى منحته حضورًا مختلفًا عن أبناء جيله، حيث تلقى تعليمه فى كلية «سان مارك» بالإسكندرية، وحصل على شهادة البكالوريا، وكان شغوفًا بالرياضة بمختلف أنواعها، إذ لم يكن يتخيل فى تلك المرحلة أن يصبح يومًا واحدًا من أشهر نجوم السينما فى العالم العربى. امتلك «رشدى» منذ شبابه شخصية قوية، وثقة كبيرة بالنفس، وحضورًا لافتًا جعل منه شخصية محبوبة بين أصدقائه، وهى الصفات التى ساعدته لاحقًا فى تكوين صورته كنجم يتمتع بجاذبية خاصة يصعب تكرارها. الصدفة قادته إلى عالم الفن لم يكن التمثيل ضمن أحلام رشدى أباظة أو خططه المستقبلية، بل جاء دخوله إلى السينما عن طريق الصدفة، حيث اكتشفه المخرج كمال بركات عندما شاهده صدفة عام 1948 وهو يلعب البلياردو ، وعرض عليه المشاركة فى فيلمه الجديد «المليونيرة الصغيرة» أمام الفنانة فاتن حمامة مقابل 105 جنيهات، وكانت بدايته عام 1949 من خلال هذا الفيلم أمام سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة، لكنه لم يعتبر وقتها أن الفن سيكون مستقبله الحقيقى. وبعد هذه التجربة ابتعد لفترة عن السينما، قبل أن يعود مجددًا ويشارك فى عدد من الأدوار الصغيرة التى ساعدته على اكتساب الخبرة، من بينها أفلام: «رد قلبى»، و«موعد غرام»، وغيرها من الأعمال التى مهدت الطريق أمام انطلاقته الحقيقية، ورغم صغر تلك الأدوار، فإن حضوره اللافت وملامحه المميزة وقدرته على التعبير أمام الكاميرا جعلت كبار المخرجين يلتفتون إليه سريعًا، ليبدأ رحلة الصعود نحو النجومية. «امرأة فى الطريق» ونقطة التحول الكبرى شهد عام 1958 نقطة التحول الأهم فى مشوار رشدى أباظة عندما قدم فيلم «امرأة فى الطريق» مع شكرى سرحان، وزكى رستم، وهدى سلطان، تحت قيادة المخرج الكبير عز الدين ذو الفقار، وقتها حقق الفيلم نجاحًا جماهيريًا ونقديًا كبيرًا، وأثبت رشدى أباظة من خلاله أنه لا يعتمد فقط على الوسامة أو الحضور، وإنما يمتلك أدوات ممثل قادر على تجسيد الشخصيات المركبة، وهو ما فتح أمامه أبواب البطولة المطلقة، ليصبح بعدها أحد أهم نجوم السينما المصرية. ومنذ ذلك الوقت، توالت أعماله الناجحة التى أكدت مكانته بين كبار الفنانين، وأصبح اسمه حاضرًا فى أهم الإنتاجات السينمائية خلال خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضى. أفلام صنعت تاريخ السينما المصرية امتلك رشدى أباظة رصيدًا فنيًا يقترب من 160 فيلمًا سينمائيًا، وهو رقم يعكس حجم عطائه الفنى، إلا أن القيمة الحقيقية لهذا الرصيد لا تكمن فى العدد، وإنما فى نوعية الأعمال التى قدمها، والتى أصبحت علامات خالدة فى تاريخ السينما. كان من أبرز تلك الأعمال فيلم «جميلة» الذى تناول قصة المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد، وشاركه البطولة ماجدة، وصلاح ذو الفقار، وأحمد مظهر، وأخرجه يوسف شاهين، ليقدم واحدًا من أهم الأفلام الوطنية فى تاريخ السينما العربية. كما تألق فى فيلم «ملاك وشيطان» للمخرج كمال الشيخ، وشارك فى الفيلم التاريخى «وا إسلاماه»، وقدم دورًا مميزًا فى فيلم «فى بيتنا رجل» إلى جانب عمر الشريف، تحت إدارة المخرج هنرى بركات، وهو العمل الذى يعد من كلاسيكيات السينما المصرية.. ولم تتوقف نجاحاته عند ذلك، بل قدم أيضًا فيلم «الطريق» المأخوذ عن رواية الأديب العالمى نجيب محفوظ، وفيلم «لا وقت للحب» أمام فاتن حمامة، بالإضافة إلى «الشياطين الثلاثة»، و«الرجل الثانى»، و«الزوجة 13» مع شادية، والذى ما زال حتى اليوم من أشهر الأفلام الكوميدية الرومانسية فى تاريخ السينما. ثنائيات ناجحة مع كبار النجمات شكّل رشدى أباظة مع عدد كبير من نجمات السينما المصرية ثنائيات ناجحة تركت بصمة واضحة لدى الجمهور، وفى مقدمتهن: «فاتن حمامة، وشادية، وسعاد حسنى، وصباح، وسامية جمال، وماجدة، وهدى سلطان»، ومن أبرز أفلامه مع سعاد حسنى «صغيرة على الحب» و«الساحرة الصغيرة»، حيث جمعتهما كيمياء خاصة أمام الكاميرا جعلت أعمالهما تحقق نجاحًا كبيرًا. كما تألق فى أفلام: «صراع فى النيل»، و«عروس النيل»، و«زوجة من باريس» إلى جانب صلاح ذو الفقار وفؤاد المهندس، مقدمًا تنوعًا كبيرًا بين الأفلام الرومانسية والاجتماعية والتاريخية والكوميدية. وكان يمتلك قدرة نادرة على الانتقال بين الشخصيات المختلفة، حيث نجح فى أداء أدوار الشاب الأرستقراطى، ورجل العصابات، والعاشق، والبطل الوطنى، والشخصية الشعبية، دون أن يفقد بريقه أو حضوره. نجم السبعينيات بلا منازع رغم ظهور أجيال جديدة من النجوم خلال سبعينيات القرن الماضي، فإن رشدى أباظة حافظ على مكانته، واستمر فى تقديم أعمال ناجحة أثبتت أنه فنان قادر على مواكبة التطورات الفنية، ومن أبرز أفلام تلك المرحلة «شيء فى صدرى» للمخرج كمال الشيخ، و«وراء الشمس»، و«أريد حلا» أمام فاتن حمامة، والذى ناقش واحدة من أهم القضايا الاجتماعية المتعلقة بحقوق المرأة، وحقق نجاحًا كبيرًا على المستويين الجماهيرى والنقدى. وأكدت هذه الأعمال أن رشدى أباظة لم يكن يعتمد على نجوميته فقط، وإنما كان يحرص على اختيار موضوعات تحمل قيمة فنية ورسائل اجتماعية، وهو ما منح أفلامه قدرة على الاستمرار حتى اليوم. الرحيل وبقاء الأسطورة فى عام 1980 رحل رشدى أباظة بعد صراع مع المرض، لكنه ترك فيلمه الأخير «بياضة»، الذى عُرض بعد وفاته، ليكون بمثابة الوداع الأخير لنجم صنع تاريخًا طويلا من الإبداع، ورغم انتهاء رحلته الإنسانية، فإن حضوره الفنى لم ينتهِ، فما زالت أفلامه تحظى بنسبة مشاهدة مرتفعة، ويواصل الجمهور اكتشافها جيلاً بعد جيل، لما تحمله من قيمة فنية كبيرة وأداء تمثيلى رفيع. وفى ذكرى رحيله، يبقى رشدى أباظة واحدًا من أهم رموز القوة الناعمة المصرية، ونموذجًا للفنان الذى جمع بين الموهبة والثقافة والحضور والكاريزما، ليظل اسمه محفورًا فى ذاكرة السينما العربية باعتباره أحد أعظم نجومها وأكثرهم تأثيرًا، وليبقى لقب «دنجوان السينما المصرية» عنوانًا لمسيرة فنية استثنائية لن تتكرر بسهولة.