لم يكن ختام الدورة السابعة من مهرجان عمّان السينمائى الدولى – أول فيلم – مجرد إسدال للستار على أيام حافلة بالعروض والفعاليات، بل جاء تتويجًا لدورة أكدت أن المهرجان يواصل ترسيخ حضوره كأحد أبرز الملتقيات السينمائية العربية، وشهد حفل الختام حضور الأميرة ريم على، رئيسة المهرجان، وبمشاركة مسئولين وفنانين ومخرجين ومنتجين ونقاد، إضافة إلى جمهور من عشاق السينما فى الأردن وعدد من الدول العربية، فى مشهد عكس المكانة التى بات يحتلها المهرجان على خريطة الفعاليات السينمائية فى المنطقة.
فى البداية اختارت إدارة المهرجان أن تحتفى هذا العام بالسينما التونسية، من خلال تسليط الضوء على ستة من أبرز أعمالها، فى تقدير لما تشهده من تطور وحضور عربى ودولى، وجاء فيلم «صوفيا»، أحدث التجارب الروائية الطويلة للفنان ظافر العابدين، ليفتتح الدورة بحضور مخرجه، الذى قدم العمل للجمهور وتحدث عن تجربته السينمائية، بينما أضفى الفنان الأردنى يزن الروسان أجواء احتفالية بتقديم أغنية «صباح الخير – تونس».
ولم تخلُ الأمسية من لحظة وفاء مؤثرة، بعدما خصص المهرجان فقرة لتكريم الفنان الفلسطينى الراحل محمد بكرى، بحضور زوجته ليلى وأبنائه الفنانين صالح وآدم ويافا، الذين استعادوا ملامح مسيرته الفنية والإنسانية، وتحدثوا عن تأثيره الكبير بوصفه فنانًا حمل قضايا الإنسان العربى إلى الشاشة، وأبًا ترك إرثًا سيظل حاضرًا فى ذاكرة محبيه.
برنامج يعكس تنوع الرؤى
وواصل المهرجان رهانه على التنوع، إذ ضم برنامجه أفلامًا روائية عربية طويلة، وأخرى وثائقية، إلى جانب نخبة من الأفلام القصيرة، فضلاً عن مجموعة من الأفلام الروائية غير العربية التى جرى اختيارها من بين نحو 900 عمل تقدمت للمشاركة. وجاءت هذه الاختيارات لتعكس تعدد الرؤى والأساليب السينمائية، وتمنح الجمهور الأردنى والعربى فرصة مشاهدة أعمال يصعب أن يجد بعضها طريقه إلى دور العرض السينمائى، بالتوازى مع برنامج مهنى ضم لقاءات وفعاليات استهدفت صناع السينما، وشارك فيها مخرجون ومنتجون وممثلون ونقاد وخبراء من مختلف أنحاء العالم، فى مساحة مفتوحة للحوار وتبادل الخبرات واكتشاف أصوات سينمائية جديدة.
منافسة عربية على جوائز الدورة
حملت مسابقات الدورة تنوعًا لافتًا، إذ تنافس فى مسابقة الأفلام الروائية الطويلة كل من: «خلف أشجار النخيل» للمخرجة مريم بن مبارك من المغرب، و«رقية» ليانيس كوسيم من الجزائر، و«شكوى رقم 713317» لياسر شفيعى و«المستعمرة» لمحمد رشاد من مصر، و«ملكة القطن» لسوزانا ميرغنى من السودان، و«مملكة القصب» لحسن هادى من العراق، و«نجوم الأمل والألم» لسيريل عريس من لبنان، و«وين ياخدنا الريح» لآمال قلاتى من تونس.
كما ضمت مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة أفلام: «بابا والقذافى» و«الجانب الآخر من الشمس» و«حبيبى حسين» و«دو يو لوف مى» و«ضد السينما»و«عصافير الحرب» و«فلانة»، بينما سجلت السينما المصرية حضورها فى مسابقة الأفلام القصيرة عبر «آخر المعجزات» و«قبل الظهر» و«مشاكل داخلية» وغيرها.
وأكدت ندى دومانى، مديرة المهرجان والشريكة المؤسسة، أن المهرجان يواصل الاحتفاء بالأفلام المميزة، مشيرة إلى أن الفن بات أكثر احتياجًا إلى تضافر جهود المبدعين لفهم التحولات المتسارعة، والإنصات إلى القصص والأصوات التى يبقى أثرها حاضرًا حتى بعد انتهاء العرض.
لجان تحكيم بخبرات عربية وعالمية
كما واصل مهرجان عمّان السينمائى من خلال هذه الدورة تأكيد حضوره الدولى بتشكيل لجان تحكيم ضمت أسماء بارزة فى مختلف مجالات الصناعة السينمائية، واختيرت وفق خبراتها وإسهاماتها الفنية، بما يضمن تقييمًا متوازنًا للأعمال المشاركة.
وضمت لجنة جائزة السوسنة السوداء لأفضل فيلم عربى روائي طويل المخرجة اللبنانية جوانا حاجى توما، والممثل المصرى البريطانى خالد عبدالله، والموسيقار الأردنى طارق الناصر وغيرهم.
أما لجنة جائزة أفضل فيلم عربى وثائقى طويل، فضمت المخرجة الأردنية داليا الكورى، والمونتيرة الفلسطينية رباب حاج يحيى، عضو أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة «الأوسكار»، إلى جانب المخرج والمنتج السويسرى كريستيان فراى.
وتشكلت لجنة أفضل فيلم عربى قصير من الكاتب والمخرج العراقى أحمد ياسين الدراجى، صاحب فيلم «جنائن معلقة»، والمخرجة الأردنية تيما الشوملى، مبتكرة مسلسل «مدرسة الروابى للبنات»، والممثل الأردنى مجد عيد.
وضمت لجنة أفضل فيلم غير عربى المخرج الفلبينى بريانتى مندوزا، الحاصل على جائزة أفضل مخرج فى مهرجان «كان» عن «كيناتاى»، والمؤلفة الموسيقية الأردنية الكندية سعاد بشناق، عضو أكاديمية الأوسكار، والممثل الفلسطينى صالح بكرى.
كما ضمت لجنة جائزة فيبريسى للأفلام الوثائقية العربية الطويلة الصحافية والناقدة الأردنية إسراء الردايدة، والباحث البرتغالى باولو برتغال، والناقدة الفرنسية البرازيلية ليتيسيا ألاسى، فى تشكيل جمع بين الخبرة النقدية والرؤية الأكاديمية.
«أيام عمّان».. نافذة لدعم المشاريع الجديدة
لم تقتصر فعاليات المهرجان على العروض السينمائية، بل واصل برنامج «أيام عمّان لصناع الأفلام» دوره فى دعم المشاريع الواعدة، من خلال لجنة متخصصة تولت تقييم الأعمال المتقدمة ومنح الفائزين جوائز مالية وعينية تساعدهم على استكمال مشروعاتهم.
شهدت الدورة الحالية مشاركة 20 مشروعًا توزعت بين خمسة مشاريع أولى لمخرجين أردنيين فى مرحلة التطوير، وعشرة أفلام عربية فى مرحلة التطوير، إضافة إلى خمسة مشاريع فى مرحلة ما بعد الإنتاج، بما يعكس تنوع التجارب التى يحتضنها البرنامج.
كما تألفت لجنة التحكيم من المخرجة الإسبانية أفيلينا برات، والمخرج والمنتج المصرى أيمن الأمير، والمخرجة والمنتجة الأردنية رند بيروتى، والمنتج الكويتى طلال المهنّا، والكاتب والمخرج التونسى مهدى البرصاوى.
بسام الأسعد ..دورة مختلفة وأكثر نموا
وأكد بسام الأسعد، مدير قسم الصناعة والابتكار والشراكات الاستراتيجية بالمهرجان، أن الدورة الحالية شهدت نموًا ملحوظًا فى عدد المشروعات وجودتها، موضحًا أن الأعمال المختارة تنسجم مع شعار الدورة «ما وراء الإطار»، لأنها تطرح قضايا هامة وتقدم قصصًا ترى ما لا يظهر دائمًا داخل الصورة، وهو ما يمنحها خصوصيتها الفنية والإنسانية.
جلسات حوارية تفتح أبواب التجربة
لم تقتصر الدورة السابعة على عروض الأفلام، بل حرصت إدارة المهرجان على تنظيم برنامج حافل بالجلسات الحوارية، ليصبح الحدث مساحة للنقاش وتبادل الخبرات بين الجمهور وصناع السينما، ويمنح المهتمين فرصة الاقتراب من تجارب مخرجين ومنتجين وممثلين تركوا بصمات واضحة فى السينما العربية والعالمية.
درة بوشوشة.. خبرة فى صناعة الإنتاج
وضمن برنامج «الأول والأحدث»، حلت المنتجة التونسية درة بوشوشة ضيفة على المهرجان فى جلسة أدارها بسام الأسعد واستعرضت خلالها رحلتها مع الإنتاج السينمائى، بداية من أفلامها الأولى وصولاً إلى أحدث مشروعاتها، كما تحدثت عن تعاونها مع أبرز المخرجين التونسيين والعرب، ودورها في دعم المواهب الجديدة عبر منصات التطوير السينمائى.
تناولت الجلسة أيضًا واقع تمويل الأفلام العربية، وآليات التعامل مع صناديق الدعم والإنتاجات المشتركة، باعتبارها أحد أهم الوسائل التى تتيح للأفلام المستقلة فرصة الوصول إلى الجمهور والأسواق الدولية.
بريانتى مندوزا.. السينما بعيون الناس
واستقطب اللقاء الذى جمع الجمهور بالمخرج الفلبينى بريانتى مندوزا اهتمامًا واسعًا عقب عرض فيلمه «ما روزا»، حيث كشف عن فلسفته فى صناعة الأفلام، وحرصه على تقديم حكايات الناس العاديين بصدق وإنسانية، كما استعرض أسلوبه في إدارة الممثلين، ورؤيته لتطور السينما خلال أكثر من عشرين عامًا من العمل، وهى التجربة التى جعلته واحدًا من أبرز المخرجين الآسيويين الحاضرين في المهرجانات الدولية.
مهرجان يراهن على المستقبل
أكدت الجلسات الحوارية، إلى جانب المسابقات وبرامج دعم المشاريع، أن مهرجان عمّان السينمائى لم يعد مجرد منصة لعرض الأفلام، بل تحول إلى ملتقى يجمع المبدعين من مختلف الثقافات، ويمنح صناع السينما الشباب فرصة الاحتكاك بأصحاب الخبرات، والاستفادة من تجاربهم فى الإخراج والإنتاج والتمثيل والنقد.
وبنجاح دورته السابعة، يواصل المهرجان ترسيخ حضوره الإقليمى من خلال برنامج متكامل جمع بين العروض السينمائية، ولجان التحكيم الدولية، ومبادرات دعم المشاريع، والجلسات الفكرية، ليؤكد أن السينما ليست فقط فنًا للمتعة، بل لغة للحوار والتواصل واكتشاف الأفكار الجديدة،. وبين الأفلام والمواهب ودعم الصناعة، نجح مهرجان عمّان السينمائى فى تقديم دورة تعكس حيوية المشهد السينمائى العربى، وتفتح أبوابًا أوسع أمام جيل جديد من المبدعين، ليواصل رحلته بوصفه واحدًا من أهم المهرجانات السنوية التى ينتظرها عشاق الفن السابع فى المنطقة