فى وقت تزداد فيه التحديات العالمية التى تلقى بظلالها على كافة دول العالم يتضاعف تأثير الشائعة والأخبار المغلوطة، وإكمالاً لدور الفن والإبداع على كافة الأصعدة وتأثيره كأداة قادرة على تشكيل الوعى الفكرى والوجدانى للإنسان، ماذا عما يمكن أن يقوم به فى مواجهة الشائعات ونقل الصورة الصحيحة عن الإنجازات والمشروعات التنموية التى تتم على أرض الواقع؟
سؤال طرحته مجلة «الكواكب» على عدد من صناع الدراما والمبدعين، وتعالوا بنا نتعرف على الإجابات التى تعبر عن هذا الدور فى جولتنا التالية..

فى البداية يرى الفنان محمد أبو داود أن القوة الناعمة تمتلك أهمية استثنائية، لأن قيمتها الحقيقية تكمن فى قدرتها على الوصول إلى أعمق طبقات المجتمع بأبسط الطرق، بشرط أن تكون الأعمال التى تحملها مصنوعة بوعى وإدراك لطبيعة الفن والجمهور.
ويشير أبو داود إلى أن الفن قادر من خلال كافة فنونه سواء كانت دراما أو سينما أو موسيقي على نقل صورة صحيحة عن الواقع تستطيع أن ترد ببساطة ومن خلال عمل فنى متقن عما يواجه الدولة أحياناً من تحديات عالمية قد تستهدفها بواسطة التعبير عن المكتسبات التى حصل عليها الفرد والأسرة وذلك كله من خلال قالب فني غير مباشر ويعد أكثر تأثيراً من الكلمة المكتوبة، وكما يقول: وأعتقد أن هذا دور هام للفن فى المرحلة الحالية والتى تعد مرحلة بناء وإعداد للمستقبل فعلينا جميعاً أن نحرص كلما أمكن على أن نقوم من خلال أعمالنا بهذا الدور.

من جانبه، يشدد الفنان إيهاب فهمى على أن تأثير الفن يتجاوز فى كثير من الأحيان الأدوات التقليدية التى تستخدم فى التوعية.
ويرى فهمى أن حجم التأثير الذى يمكن أن يحققه العمل الفنى عندما يصل إلى الجمهور بالصورة المناسبة كبير، مؤكدًا أن دور الفن لا يتمثل فى تقديم الإرشاد المباشر أو الوعظ، وإنما فى توصيل هذا بصورة غير مباشرة.
ويضيف: العمل الفنى فى الأساس يقدم المتعة البصرية والحسية والثقافية باعتبارها هدفًا أساسيًا، ومن خلال هذه المتعة تمر الرسالة إلى الجمهور بصورة طبيعية.. ولهذا استطاعت أعمال فنية كثيرة، تاريخية وحديثة، أن تسهم فى التعبير عن طموحات وأحلام المواطن فى بعض الأحيان مثل «كلمة شرف» و«أريد حلاً».
ويؤكد فهمى أن الفن يمثل مرآة للمجتمع، لكنه لا يكتفى بعكس صورته، وإنما يستطيع أن يسهم فى تصحيح المفاهيم المغلوطة التى يحاول البعض طرحها من خلال مواقع التواصل الاجتماعى مستهدفاً بهذا استقرار الدولة، ويتم هذا من خلال طرح القضايا فى إطار درامى يعبر عن الواقع بطريقة غير مباشرة.

أما الفنان أحمد صيام، فيرى أن الفن فى أصله وجوهره كان وما زال يحمل رسالة سامية، مستشهدًا بتاريخ الفن على مر العصور ورافضًا اختزال دوره فى كونه وسيلة للترفيه فقط.
ويشرح صيام أن الفن انعكاس لما يدور فى الواقع، وبالتالى فعندما نعيش العديد من الانجازات التى تتم حالياً فعلينا أيضا أن نقوم بنقلها والتعبير عنها بحيث تكون رسالة حقيقية تعتبر رد على العديد من الأخبار والرسائل المغرضة التى تستهدف الدولة وتمتلئ بها مواقع التواصل الاجتماعي، لأن طرح القضايا بصورة حضارية يمنح الجمهور القدرة على التمييز، ويجعله أكثر استعدادًا لرفض الشائعة والأخبار المغلوطة بصورة تلقائية.

ويستشهد الناقد الفنى طارق الشناوى بفيلم «قنديل أم هاشم» للكاتب يحيى حقى والمخرج كمال عطية، الذى استطاع فى ستينيات القرن الماضى مواجهة الشائعات والخزعبلات، المتمثل فى الاعتقاد بأن الشفاء من الأمراض قد يتم من خلال اللجوء للتبارك بالأضرحة، من خلال حبكة درامية جاذبة وعميقة، وليس عبر تقديم رسالة مباشرة.
ويؤكد الشناوى أن الفيلم نجح فى ترسيخ فكرة إعمال العقل ورفض الخرافة من خلال الدراما نفسها، وهو ما جعل الرسالة أكثر قدرة على الاستمرار والتأثير.
ويرى الشناوى أن الرسائل المباشرة تفقد العمل الفنى جزءًا كبيرًا من قدرته على التأثير والوصول إلى القلوب والأذواق، لأن الجمهور بطبيعته يتفاعل بصورة أكبر مع الحكاية والشخصيات والصراع الدرامى، وليس مع الخطاب المباشر.
وبالمنطق نفسه، يرى أن التعبير عن إنجازات الدولة أو حماية المواطن من الأخبار الكاذبة لا ينبغى أن يتحول إلى توجيه شكلى، وإنما يجب أن ينساب داخل صيغة درامية ممتعة ومقنعة، لأن الإبداع الحقيقى، من وجهة نظره، هو الذى يترك للمتلقى مساحة للاستنتاج والاقتناع الذاتى، لأن الفكرة التى يصل إليها الإنسان بنفسه تكون أكثر ثباتًا وعمقًا فى وعيه من الفكرة التى تقدم له فى صورة نصيحة مباشرة، وبهذا يمكن أن يواجه الفن ما يبث من شائعات بين الحين والأخر على مواقع التواصل الاجتماعي وفي نفس الوقت ينقل صورة حقيقية عن الإنجازات التي تتم على أرض الواقع.
المعادلة الذهبية.. ترفيه ورسالة
بين آراء صناع الفن والنقاد تتبلور معادلة واضحة لدور القوة الناعمة فى مواجهة الشائعات وبناء الوعى من خلال متعة بصرية ودرامية، ورسالة ضمنية عميقة.
لأن الفن القادر على تنمية وعى المجتمع من خلال أعمال تصنع حالة وجدانية صادقة، وتكشف الحقائق بعمق وإنسانية، ما يجعل المواطن يرى قيمة ما يحدث حوله من خلال قصة وشخصيات ومواقف قريبة من حياته.
وفى مواجهة حرب الشائعات والأخبار المغلوطة، تكمن قوة الفن فى قدرته على الوصول إلى العقل والوجدان دون أن يشعر المتلقى بأنه أمام درس أو محاضرة