الأحد 16 اغسطس 2026

هدى سلطان.. أكثر من نصف قرن من الغناء والسينما والدراما..والإبداع الفني

هدى سلطان

16-8-2026 | 10:54

طه حافظ

بين الغناء والتمثيل، وبين الشاشة الكبيرة والصغيرة وخشبة المسرح، صنعت الفنانة الكبيرة هدى سلطان لنفسها مكاناً لا يمكن اختصاره باعتبارها فنانة صاحبة موهبة ومسيرة خاصة، استطاعت أن تواجه الرفض فى البداية، ثم تصل إلى عرش الفن وتترك وراءها إرثاً فنياً امتد لأكثر من خمسين عاماً، وهكذا، بعد مرور سنوات على رحيلها، تظل هدى سلطان واحدة من تلك الأسماء التى لا يغلق رحيل أصحابها صفحة حضورهم، لأن أعمالهم تظل قادرة على استدعائهم من جديد، وكلما عاد الجمهور إلى أفلامها وأغنياتها ومسلسلاتها، عادت هى أيضاً إلى المشهد، حاضرة بصوتها وملامحها وشخصياتها، كأن الزمن لم يستطع أن يطفئ نجمة بدأت رحلتها بالحلم وانتهت إلى القمة.
تحل اليوم ذكرى ميلاد الفنانة القديرة هدى سلطان، لذلك حرصت مجلة «الكواكب» على الغوص فى رحلتها الفنية.


ظهرت موهبة الفنانة الكبيرة هدى سلطان الغنائية فى سن مبكرة للغاية، ففى عام 1937 غنت للمرة الأولى أمام الجمهور، خلال إحدى حفلات المدرسة التى أقيمت على مسرح البلدية فى طنطا، وقدمت أغنية لكوكب الشرق أم كلثوم، ومع مرور السنوات، بدأت هدى تلمح إلى رغبتها فى احتراف الغناء وأن تصبح مطربة مثل شقيقها محمد فوزى، لكن أسرتها عارضت رغبتها بشدة، إلا أن رفض العائلة لم يكن كافياً لإجبارها على التخلى عن حلمها، فقررت أن تسلك طريق الفن، وجاءت إلى القاهرة بحثاً عن الفرصة التى تمكنها من تحقيق حلمها.
وفى البداية، عارض شقيقها محمد فوزى عملها فى الفن، لكنه سريعا آمن بموهبتها وأدرك أن شقيقته تمتلك مقومات النجاح، لتبدأ بعدها رحلة مختلفة فى عالم الغناء والتمثيل.
الإذاعة.. أول أبواب الشهرة
كانت الإذاعة هى الباب الأول الذى عبرت منه هدى سلطان إلى عالم الفن بشكل احترافى، عندما تقدمت إلى امتحان الإذاعة لتغنى من مختاراتها، ونجحت فى الاختبار، وغنت يومها أولى أغنياتها التى تقول: «حبيبى مالقيتش مثاله.. سلطان على عرش جماله»، ووقفت أمام المخرج نيازى مصطفى وزوجته الفنانة كوكا والإذاعى عبدالوهاب يوسف، الذين أعجبوا بأدائها فى الأغنية، لتدخل عالم الفن من بوابة الإذاعة.
وبعد نجاحها، أصبحت هدى سلطان واحدة من نجمات برنامج «أضواء المدينة» الذى كان يقدمه الإعلامى جلال معوض، لتبدأ مرحلة جديدة من الانتشار، وتصبح صوتاً معروفاً لدى الجمهور، قبل أن تنتقل من عالم الميكروفون إلى الشاشة الكبيرة.
«ست الحسن».. البداية السينمائية
فى عام 1950، وقعت عين المنتج جبرائيل نحاس على هدى سلطان، وأعجب بموهبتها وحضورها، ورأى أنها تمتلك مقومات الفنانة السينمائية، خاصة مع وجهها الفريد والجميل.
وعرض عليها جبرائيل نحاس العمل فى فيلم «ست الحسن» للمخرج نيازى مصطفى، كما عرض عليها عقد احتكار لثلاثة أفلام دفعة واحدة، ولم تتردد هدى فى الموافقة، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة فى حياتها الفنية، وخلال سنوات قليلة، أصبحت هدى سلطان واحدة من أهم نجمات السينما المصرية، وقدمت مجموعة كبيرة من الأفلام المهمة التى أكدت موهبتها وقدرتها على التنوع.
أفلام صنعت اسمها
قدمت هدى سلطان عدداً كبيراً من الأعمال السينمائية، من أشهرها فيلم «امرأة فى الطريق»، الذى نالت عن دورها فيه الكثير من الجوائز، إلى جانب «السكرية» المأخوذ عن رواية نجيب محفوظ التى تحمل الاسم نفسه، و«جعلونى مجرماً» للمخرج عاطف سالم، و«فتوات الحسينية» و«الابن الضال» و«بدور»، و«بورسعيد»، و«سوق السلاح»..، وغيرها من الأفلام التى أصبحت جزءاً من تاريخ السينما المصرية.
ولم تكن مشاركتها السينمائية عادية  وإنما نجحت فى تقديم شخصيات متنوعة أثبتت من خلالها أنها فنانة تمتلك أدوات تمثيلية حقيقية، قادرة على الانتقال بين الأدوار المختلفة، من المرأة البسيطة إلى الشخصيات الدرامية المركبة.
فريد شوقى.. زواج وفن وثنائى استثنائى
كان زواج هدى سلطان من الفنان فريد شوقى واحداً من أهم فصول حياتها الشخصية والفنية.. فقد عاشت معه 15 عاماً، وأنجبت خلال هذه الفترة ابنتيها مها وناهد.
وخلال فترة زواجهما، قدمت هدى سلطان مع فريد شوقى أكثر من عشرين فيلماً، وشكلا معاً ثنائياً متميزاً فى السينما المصرية، حيث جمعتهما الشاشة فى أعمال تركت أثراً واضحاً لدى الجمهور، لكن هدى سلطان لم تكن مجرد شريكة لفريد شوقى فى الأفلام، بل استطاعت أن تثبت حضورها الخاص وموهبتها المستقلة، وأن تحجز لنفسها مكاناً بين نجمات السينما المصرية، بعيداً عن أى ارتباط باسم زوجها أو شهرته.
خمسة أفلام في قائمة أفضل 100 فيلم
كانت هدى سلطان حاضرة فى قائمة أفضل 100 فيلم سينمائى فى تاريخ السينما المصرية، بحسب استفتاء النقاد، من خلال خمسة أفلام قدمتها مع كبار المخرجين، وضمت القائمة أفلام: «جعلونى مجرماً» عام 1959، و«الفتوة» عام 1957، و«امرأة فى الطريق» عام 1958، و«الاختيار» عام 1971، و«عودة الابن الضال» عام 1976.
ويكشف وجود خمسة أفلام من أعمالها ضمن هذه القائمة عن القيمة الفنية الكبيرة التى تمثلها تجربتها، وعن أهمية الأدوار التى قدمتها فى عدد من الأفلام التى أصبحت علامات بارزة فى تاريخ السينما المصرية.
الدراما التليفزيونية.. بداية مرحلة جديدة
مع تغير الزمن وانتقال الجمهور تدريجياً إلى الشاشة الصغيرة، أثبتت هدى سلطان مرة أخرى قدرتها على تجديد حضورها الفنى، وانتقلت إلى الدراما التليفزيونية لتصبح واحدة من أهم نجماتها، وقدمت مجموعة كبيرة من المسلسلات المهمة، من بينها: «زينب والعرش»، و«أرابيسك» و«زيزينيا»، و«الليل وآخره» و«الوتد»، و«ليالى الحلمية» و«رد قلبى»، و«زى القمر»، و«للثروة حسابات أخرى».
كان مسلسل «الوتد» من أبرز محطات مشوارها التليفزيونى، حيث قدمت شخصية «فاطمة تعلبة»، التى أصبحت واحدة من أشهر الشخصيات التى ارتبط بها اسمها، وأكدت من خلالها قدرتها على تجسيد الشخصية المصرية بكل تفاصيلها الإنسانية والاجتماعية،كما كان من أعمالها الأخيرة مسلسل «سلالة عابد المنشاوي» و«لا يا ابنتي العزيزة».
المسرح.. مساحة أخرى للإبداع
لم تكتف هدى سلطان بالسينما والتليفزيون والغناء، بل كان للمسرح حضور مهم فى مشوارها الفنى أيضاً، حيث قدمت على خشبة المسرح العديد من المسرحيات، كان من أبرزها: «وداد الغازية»، و«الحرافيش»، و«الملاك الأزرق» و«بمبة كشر»، و«سيد درويش».
وقد أضاف المسرح إلى تجربتها بعداً آخر، لأنه منحها فرصة للتواصل المباشر مع الجمهور، وإظهار قدراتها فى الأداء الحى، بعيداً عن إمكانات الكاميرا والمونتاج.
مطربة لم تغب عن أفلامها
إلى جانب التمثيل، لم تتخل هدى سلطان عن الغناء، بل قامت بالغناء فى الكثير من أفلامها، وأصبحت بعض أغنياتها مرتبطة بشكل وثيق بالشخصيات والأعمال التى قدمتها.
ومن أشهر هذه الأغنيات: «إن كنت ناسي أفكرك»، التى غنتها ضمن أحداث فيلم «جعلونى مجرماً» الذى شاركت فى بطولته مع زوجها فريد شوقى، وسراج منير، ويحيى شاهين، ورشدى أباظة، ونجمة إبراهيم، والأغنية من كلمات محمد على أحمد وألحان رياض السنباطى، وجاءت لتؤكد أن هدى سلطان لم تكن ممثلة تغنى داخل أفلامها فقط، وإنما كانت مطربة تمتلك حضوراً صوتياً مميزاً.
«وحياة العيون» و«رمان الجنانين»
غنت هدى سلطان أيضاً «وحياة العيون» فى فيلم «حدث ذات ليلة» أمام الفنان شكرى سرحان، الذى شاركها البطولة مع كمال الشناوى وهند رستم، والأغنية من كلمات مأمون الشناوي وألحان محمود الشريف.
أما أغنية «رمان الجنانين»، فكانت من كلمات فتحى قورة وألحان شقيقها الأكبر محمد فوزى، وقدمتها فى فيلم «العائلة الكريمة» الذى لعبت بطولته أمام فريد شوقى، وشاركتهم فيه الفنانة ماري منيب، وهى أغنية تقترب فى طابعها من أغنيات المناسبات، ويمكن غناؤها فى الأفراح.
«رصيف نمرة 5» و«كهرمان» و«تاكسى الغرام»
ومن أغنياتها أيضاً «من بحرى وبنحبوه»، التى قدمتها فى فيلم «رصيف نمرة 5» بطولة فريد شوقى، وجسدت فيه شخصية مطربة فى أحد المطاعم فى الإسكندرية، والأغنية من كلمات فتحى قورة وألحان عبدالعزيز محمود.
وفى فيلم «كهرمان»، غنت «فتوة الحلوين»، من كلمات فتحى قورة وألحان محمود الشريف، وشاركها البطولة يحيى شاهين وعبدالمنعم إبراهيم وفردوس محمد ورياض القصبجى.
كما قدمت أوبريت «تاكسى الغرام» فى الفيلم الذى حمل الاسم نفسه، وكان لحن الأغنية للمطرب عبدالعزيز محمود، بطل الفيلم أيضاً، بينما كتب كلماتها جليل البندارى، وشارك فى العمل حسن فايق ومحمود المليجى.
هكذا ظلت هدى سلطان حاضرة فى المشهد الفنى حتى سنواتها الأخيرة، ولم تبتعد عن القضايا والمواقف التى رأت أن للفن دوراً فيها، لتؤكد أن حضور الفنان لا يرتبط فقط بعدد الأعمال، وإنما بما يحمله من قيمة ورسالة.
التكريمات.. شهادة تقدير لمسيرة استثنائية
حصلت هدى سلطان على العديد من الجوائز والتكريمات خلال مشوارها، وكان من أبرزها تكريمها فى مهرجان السينما الروائية عام 1998، إلى جانب تكريمها فى مهرجان الموسيقى العربية.
كما جرى تكريمها عن دورها فى مسلسل «الوتد» فى مهرجان القاهرة للإذاعة والتليفزيون، وهو الدور الذى اعتبر من أبرز أدوارها التليفزيونية، خاصة شخصية «فاطمة تعلبة» التى أصبحت جزءاً من ذاكرة الدراما المصرية.
أكثر من نصف قرن لا يغيب
استمرت المسيرة الفنية لهدى سلطان لأكثر من خمسين عاماً، وقدمت خلالها رصيداً فنياً قارب 150 عملاً بين السينما والدراما التليفزيونية والمسرح والغناء.
ورحلت عن عالمنا فى 5 يونيو عام 2006 عن عمر ناهز 81 عاماً، بعد رحلة طويلة لم تكن مجرد مسيرة فنانة عابرة، وإنما تجربة إنسانية وفنية متكاملة.