من قلب فينيسيا، عاشت السينما العالمية على مدار عشرة أيام واحدة من أهم محطاتها السنوية، مع انطلاق فعاليات الدورة الـ83 من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، والتى حملت معها مزيجاً من عروض الأفلام الكبرى، وحضور ومشاركة كبار نجوم العالم، والنقاشات الفنية، والتكريمات، والرهانات المبكرة على موسم الجوائز، ومع إسدال الستار على الدورة، جاء فيلم «Woman Unknown» للمخرجة مي الطوخي ليحصد الأسد الذهبي، بينما أكدت جوائز المسابقة أن الدورة لم تكن مجرد استعراض للنجوم، وإنما مساحة حقيقية لاكتشاف أصوات وتجارب سينمائية مختلفة. تابعت مجلة «الكواكب» فعاليات المهرجان وأبرز ما شهدته أروقة «ليدو»، من عروض المسابقة الرسمية إلى السجادة الحمراء واللقاءات والندوات، في دورة جمعت أسماء كبيرة من نجوم السينما العالمية.
احتفظ المهرجان فى هذه الدورة بمكانته باعتباره من أقدم المهرجانات السينمائية في العالم، منذ انطلاقه. توزعت فعاليات الدورة بين المسابقة الرئيسية «Venezia 83»، وأقسام «Orizzonti» و«Venice Spotlight» و«Venice Classics» و«Venice Immersive»، إلى جانب «Biennale College Cinema»، وبذلك جمع المهرجان بين السينما التقليدية والتجارب الجديدة، وبين أفلام كبار المخرجين ومشروعات المواهب الشابة.
Ink..
بداية بطعم الصحافة اختير فيلم Ink للمخرج البريطاني داني بويل لافتتاح الدورة، في عمل جمع جاك أوكونيل وغاي بيرس وكلير فوي، وقدم حكاية تعود إلى عالم الصحافة البريطانية في نهاية ستينيات القرن الماضي، وتتناول التحولات التي شهدتها الصحافة والمنافسة على الجمهور.
وكان اختيار الفيلم لافتاً، خاصة أن موضوع الإعلام والصحافة تكرر بصورة واضحة في عدد من أفلام الدورة، بينما منح حضور داني بويل وجاك أوكونيل وغاي بيرس على السجادة الحمراء واحدة من أبرز لحظات الافتتاح.
جورج كلوني..
تكريم يليق بمسيرة كبيرة كان جورج كلوني أحد أكبر نجوم الدورة، بعدما حصل على الأسد الذهبي عن مجمل مسيرته الفنية، تقديراً لأعماله في التمثيل والإخراج والإنتاج. وظهر كلوني على السجادة الحمراء وسط اهتمام إعلامي واسع، كما تحدث خلال وجوده في فينيسيا عن الذكاء الاصطناعي، محذراً من صعوبة التمييز بين الحقيقي والمصطنع، خاصة في مجال الصحافة. وبذلك تحول تكريم كلوني إلى أكثر من احتفاء بنجم كبير، إذ فتح أيضاً الباب أمام نقاش حول مستقبل الإعلام والصورة والحقيقة في عصر التكنولوجيا.
ماجي جيلنهال..
المرأة التي حملت قرار الجوائز ترأست المخرجة والممثلة ماجي جيلنهال لجنة تحكيم المسابقة الرئيسية، إلى جانب كوثر بن هنية ودانيال بلومبرغ وفرانشيسكو كاسيتي وكزافييه جيانولي وشهر بنو سعدات وجوني تو. وكانت جيلنهال حاضرة بقوة في النقاشات المتعلقة بمستقبل الصناعة وحضور المرأة في السينما، خصوصاً أن المسابقة شهدت مناقشات حول عدد الأفلام التي أخرجتها المرأة.
وفي النهاية جاء قرار اللجنة بمنح الأسد الذهبي لـ«Woman Unknown» ليضع تجربة نسائية في صدارة الدورة.
روني وكيت مارا..
الشقيقتان في تجربة واحدة من أكثر لحظات المهرجان لفتاً للانتباه اجتماع الشقيقتين روني وكيت مارا في فيلم «Bucking Fastard» للمخرج الألماني فيرنر هيرتسوج. وشاركت الشقيقتان البطولة مع أورلاندو بلوم ودومنال جليسون، في تجربة اعتمدت بدرجة كبيرة على التناغم بينهما، وهو ما منح الفيلم بعداً خاصاً على المستوى الإنساني والأدائي. وكان ظهورهما المشترك على السجادة الحمراء من الصور التي حظيت باهتمام واسع، خاصة أن العمل جمع بين اسمين من أبرز الممثلات في جيلهما ومخرج صاحب مسيرة طويلة ومختلفة.
مارتن ماكدونا..
13 دقيقة من التصفيق أما «Wild Horse Nine» للمخرج مارتن ماكدونا، فكان من أكثر أفلام الدورة إثارة للاهتمام، خاصة مع وجود جون مالكوفيتش وسام روكويل وستيف بوسيمي وتوم ويتس.
وقدم ماكدونا مزيجه المعروف من الكوميديا والشخصيات المعقدة والحوارات الحادة، وحظي الفيلم باستقبال قوي، فيما استمر التصفيق عقب عرضه نحو 13 دقيقة، ليصبح أحد الأعمال التي تصدرت الحديث خلال أيام المهرجان. ولم يخرج الفيلم من الدورة خالي الوفاض، إذ حصل جون مالكوفيتش على كأس فولبي لأفضل ممثل عن دوره فيه.
روبرت باتينسون..
نجم بين الصحافة والتلفزيون حضر روبرت باتينسون إلى فينيسيا من خلال «Primetime» للمخرج لانس أوبنهايم، وشارك في بطولته ميريت ويفر وسكايلر جيسوندو والمغنية فيبي بريدجرز، التي خاضت تجربتها السينمائية التمثيلية الأولى. وتناول الفيلم المنطقة الفاصلة بين الصحافة والترفيه التلفزيوني، مستلهماً حقبة البرامج الأمريكية التي اعتمدت على الكاميرات الخفية والتحقيقات. وحظي باتينسون باهتمام كبير من الجمهور والمصورين، خصوصاً مع تحوله خلال السنوات الأخيرة إلى أحد النجوم القادرين على الجمع بين الأفلام الجماهيرية والتجارب المستقلة.
كروز وبارديم..
ثنائي يجذب الأنظار كان فيلم «Bunker» من أبرز الأعمال المنتظرة، ليس فقط بسبب مخرجه فلوريان زيلر، وإنما أيضاً بسبب جمعه بينيلوبي كروز وخافيير بارديم. وقدم الفيلم دراما نفسية حول مهندس معماري يقبل بناء ملجأ فائق التجهيز لأحد أثرياء التكنولوجيا، قبل أن تبدأ زوجته في إعادة النظر في علاقتهما بعد 17 عاماً من الزواج. واستغل زيلر القصة لطرح أسئلة حول الخوف من المستقبل والثقة والعلاقات والاختيارات الأخلاقية، بينما أكد أنه كتب الشخصيتين الرئيسيتين واضعاً كروز وبارديم في ذهنه منذ البداية.
Oasis..
ليلة مختلفة في ليدو لم تقتصر أجواء المهرجان على السينما، إذ شهد عرض «Oasis: Don’t Look Back in Anger» حضور ليام ونويل جالاجر، لتتحول فينيسيا إلى مساحة تجمع عشاق السينما والموسيقى، وتابع الفيلم جولة عودة الفرقة الشهيرة، ولم يركز فقط على الحفلات، بل تناول أيضاً العلاقة بين الشقيقين بعد سنوات من الخلاف، وتأثير موسيقى Oasis على جمهور امتد عبر أجيال مختلفة. وكان حضور الشقيقين من أكثر لحظات الدورة اختلافاً عن أجواء المهرجانات التقليدية، فيما حظي الفيلم بتفاعل عاطفي واضح من الجمهور.
ندوات وMasterclasses..
النجوم يتحدثون بعيداً عن الكاميرات خصص المهرجان مساحة مهمة للقاءات المباشرة مع كبار صناع السينما، من خلال سلسلة من الـMasterclasses التي أتاحت للجمهور والعاملين في الصناعة الاستماع إلى تجارب النجوم والمخرجين بعيداً عن المؤتمرات الصحفية التقليدية. وشارك جورج كلوني في إحدى الجلسات، كما ضم البرنامج لقاءات مع كلوي تشاو ومدير التصوير لوكاش زال، ولوك بيسون، ولوكا غوادانيينو، وإلين بورستين. وأصبحت هذه اللقاءات واحدة من أهم أدوات المهرجان في تحويل الحدث من مجرد عروض سينمائية إلى مساحة للتعلم وتبادل الخبرات ومناقشة مستقبل الصناعة.
من الشاشة إلى الواقع الافتراضي
أكد قسم «Venice Immersive» أن المهرجان لا ينظر إلى السينما باعتبارها فناً تقليدياً فقط، حيث احتفل القسم بمرور عشر سنوات على انطلاقه، وقدم عشرات المشروعات التي تعتمد على الواقع الافتراضي والمختلط والممتد. وفي الاتجاه الآخر، أعاد «Venice Classics» تقديم أفلام كلاسيكية جرى ترميمها، لتظل ذاكرة السينما حاضرة إلى جانب أحدث أشكال التكنولوجيا. وهذه المعادلة بين الماضي والمستقبل كانت واحدة من أبرز سمات الدورة، التي احتفت بتاريخ السينما دون أن تغلق الباب أمام أشكال السرد الجديدة.
Woman Unknown..
مفاجأة الختام ومع إسدال الستار على الدورة، جاءت المفاجأة الكبرى بفوز فيلم Woman Unknown للمخرجة مي الطوخي بالأسد الذهبي لأفضل فيلم. الفيلم، تدور أحداثه بعد الحرب العالمية الثانية. ولم يكتف الفيلم بالجائزة الكبرى، إذ حصلت بطلته ماتيلد أرسيل على كأس فولبي لأفضل ممثلة، ليصبح العمل صاحب أهم ثنائية في جوائز الدورة.
Possible Love..
الأسد الفضي الكبير حصل فيلم Possible Love للمخرج الكوري الجنوبى لي تشانغ دونغ على الأسد الفضي ــ الجائزة الكبرى للجنة التحكيم، ليؤكد مكانته بين أبرز أفلام الدورة، وتناول العمل العلاقات الإنسانية والاختيارات الشخصية والفوارق الاجتماعية من خلال قصة زوجين يلتقيان بزوجين آخرين، في معالجة دفعت الفيلم إلى دائرة الاهتمام النقدي منذ عرضه. جوائز الإخراج والتمثيل والسيناريو ذهب الأسد الفضي لأفضل إخراج إلى إيليا خرزانوفسكي عن فيلم DAU، بينما حصل جون مالكوفيتش على كأس فولبي لأفضل ممثل عن Wild Horse Nine. أما جائزة أفضل سيناريو فذهبت إلى ستيفان بريزي وكورالي أميديو وأوليفييه جورص عن Un bon petit soldat، فيما حصل NAZA على جائزة لجنة التحكيم الخاصة، وحصلت مالو خبيزي على جائزة مارسيلو ماستروياني لأفضل موهبة شابة عن فيلم A Place To Heal.
جوائز Orizzonti..
مساحة للمواهب الجديدة وفي قسم Orizzonti، ذهبت جائزة أفضل فيلم إلى Un détour par Diane لسيرو وبالبوني، بينما حصلت جاكلين لينتزو على جائزة أفضل إخراج. كما حصل La maison du vent لأوجست برنار كويمو يانغو على جائزة أفضل فيلم أول «لويجي دي لورينتيس»، إلى جانب جائزة خاصة في القسم، في تأكيد على اهتمام فينيسيا باكتشاف الأسماء الجديدة ومنحها مساحة على الساحة الدولية.
النهاية..
فينيسيا تفتح باب موسم الجوائز انتهت أيام فينيسيا، لكن تأثيرها الحقيقي بدأ الأن، لأن الأفلام التي عرضت على ليدو ستواصل رحلتها خلال الأشهر المقبلة، بينما ستتحول أسماء مثل مى الطوخي وماتيلد أرسيل وجون مالكوفيتش ولي تشانغ دونغ إلى أسماء حاضرة بقوة في النقاشات. وهكذا أسدل المهرجان الستار على دورة جمعت النجومية بالفن بالنقاشات الجادة، والسينما التقليدية بالتكنولوجيا الجديدة، بينما أثبت الأسد الذهبي أن فينيسيا لا تزال قادرة على صناعة المفاجأة، واكتشاف الأفلام التي تستحق أن تخرج من «ليدو» إلى العالم.