21-9-2026 | 12:44
دينا صلاح
عندما تجمع الإعلامية بين الخبرة وتميز البدايات، فهذه معادلة تصنع تجربة مميزة، ومن بين الإعلاميات اللاتي خضن رحلة طويلة بين الميكروفون والكاميرا، تأتي الإعلامية دينا صلاح الدين، صاحبة المسيرة التي امتدت لسنوات طويلة في عالم الإعلام.
دينا بدأت تجربتها من الإذاعة، حيث صنعت عبر برنامج «طلعت شمس النهاردة» علاقة خاصة مع المستمعين، قبل أن تنتقل إلى شاشة التليفزيون المصري من خلال قطاع الأخبار، وغيرها من المهام والخبرات التى مرت بها عبر مشوارها الاعلامى، وفي هذا الحوار تتحدث دينا لمجلة «الكواكب» عن رحلتها من الصوت إلى الصورة، وما تعلمته من كل تجربة، ورؤيتها للإعلام، ونصائحها لشباب الإعلاميين.
فى البداية حدثينا عن «طلعت شمس النهارده» وسر ارتباطكِ بالمستمعين؟
لم يكن مجرد برنامج صباحي، بل كان مساحة يومية للإنسان المصري نتحدث فيها عن تفاصيل حياته، من طموحاته وأحلامه وأسرته وأولاده وعمله، وحتى الأشياء الصغيرة التي تصنع يومه، لقد كانت الفكرة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه أن يبدأ الإنسان يومه وهو يشعر بأن هناك من يسمعه ويفهمه ويمنحه دفعة أمل وطاقة إيجابية.
ومع الوقت أدركت أن المستمع لا يريد فقط أن يسمع مذيعًا، لكنه يريد أن يشعر أن صوته مسموع وأن مشكلته لها قيمة، لذلك حرصنا على أن يكون شريكًا حقيقيًا في صناعة المحتوى، وأعتقد أن سر العلاقة التي نشأت بيني وبين الجمهور كان الصدق والاستمرارية، كنا نلتقي كل صباح حتى أصبحت هناك ألفة حقيقية، وأحيانًا كان يكفي أن أقول «صباح الخير» لأشعر أنني أتحدث إلى أشخاص أعرفهم منذ سنوات.
كيف كنتِ تستعدين يوميًا لتقديم محتوى صباحي متجدد وإيجابي؟
كان التحضير يبدأ قبل الهواء بوقت طويل، من خلال متابعة الأخبار والأحداث والقراءة المستمرة، ومعرفة ما يشغل الناس على أرض الواقع ومنصات التواصل، ثم التفكير في الزاوية التي تجعل الموضوع قريبًا من حياة المستمع، لذا كنت أتعامل فى كل صباح باعتبار كل حلقة جديدة تمامًا، وليس نسخة من السابقة، لأن الجمهور قد يسمع منك الموضوع نفسه، لكنه لا يريد أن يسمع الطريقة نفسها.
كيف استقبلتِ خبر انتقالكِ إلى قطاع الأخبار بالتليفزيون المصري؟
استقبلت الخبر بمزيج من السعادة والمسئولية، لأن الانتقال بعد سنوات طويلة من العمل الإذاعي ليس مجرد انتقال من الميكروفون إلى الكاميرا، وإنما إلى مساحة جديدة لها أدواتها وقواعدها ومسئولياتها، وأعتبر هذه الخطوة امتدادًا طبيعيًا لمسيرتي وليست بداية من الصفر، فأنا أدخل التليفزيون ومعي سنوات من الخبرة ومواقف كثيرة وتجربة حقيقية مع الجمهور، بالنسبة لي، الشاشة ليست مجرد خطوة أكبر، وإنما مساحة جديدة أضع فيها ما تعلمته خلال السنوات الماضية وأختبر قدرتي على تقديم قيمة مختلفة للجمهور.
ما نوعية البرامج التي تفضلين تقديمها على الشاشة؟
أظهر على شاشة التليفزيون المصري كمذيعة بقطاع الأخبار، وأميل إلى المحتوى القريب إلى الإنسان المصري في حياته اليومية من منظور إعلامي مهني، وليس مجرد تناول بسيط للموضوعات، كما أحب القضايا الاجتماعية والإنسانية التي تمس الأسرة والشباب والتعليم والمجتمع، وكذلك الموضوعات العامة التي تحتاج إلى تبسيط وشرح ووضعها في سياق مفهوم للمشاهد.
وأرى أن الإعلام التليفزيوني لابد أن يجمع بين المعلومة والتحليل والإنسانية كما يحدث حالياً، لأن المشاهد لا يريد فقط أن يعرف «ماذا حدث؟»، لكنه يريد أن يفهم لماذا حدث؟ وما تأثيره عليه؟ وماذا يعني ذلك للمستقبل؟
ماذا أضافت لكِ الإذاعة في تجربتكِ أمام الكاميرا؟
الراديو علمني أهم شيء يحتاجه أي إعلامي، وهو أن يعرف كيف يتواصل مع الإنسان قبل أن يتواصل مع الكاميرا، مثال على ذلك، في الإذاعة لا توجد صورة تساعدك، ولا إضاءة أو ملابس أو ديكور أو تعبيرات وجه، هناك فقط صوتك وأفكارك وقدرتك على بناء الصورة في خيال المستمع والاحتفاظ بانتباهه طوال الوقت، كما تعلمت الإصغاء واختيار الكلمة والتحكم في الإيقاع والارتجال وسرعة التعامل مع المواقف، والأهم أن أكون حاضرة ذهنيًا.
وعندما دخلت التليفزيون وجدت أن هذه الأدوات أصبحت رأس مال مهنيًا مهمًا، لكن الكاميرا أضافت ضرورة الوعي بلغة الجسد والتعبير والنظرة والحضور البصري، وفي النهاية تظل الكاميرا مثل الميكروفون، كلاهما أداة، والإعلامي الحقيقي هو الذي يعرف ماذا يريد أن يقول ولماذا.
ما الفرق بين مخاطبة الجمهور عبر الراديو والتليفزيون؟
الراديو علاقة شديدة الخصوصية، فأنت تتحدث إلى شخص قد يقود سيارته أو يستعد لعمله أو يشرب قهوته في البيت، وكأنك موجود معه في المكان نفسه، أما في التليفزيون، الصورة تصبح شريكًا في الرسالة، فالراديو فيه الصوت يصنع الصورة، بينما في التليفزيون الصوت والصورة معًا يصنعان المعنى، كما أن الراديو يمنحك مساحة أكبر للخيال، بينما التليفزيون يفرض حضورًا بصريًا أكثر تكاملا ويجعلك مسئولا عن كل تفصيلة تظهر أمام المشاهد.
لكن الجمهور في الحالتين يريد أن يثق فيمن يحدثه، وهذه الثقة هي العملة الأصعب والأغلى في الإعلام.
كيف تتعاملين مع الضغوط والتحديات المهنية التى قد تقابلك بشكل شخصى؟
لا أتعامل مع التحديات باعتبارها دليلا على أنني في الطريق الخطأ، ففي أحيان كثيرة تكون العقبة رسالة بأنك تنتقل من مرحلة إلى أخرى، لقد مررت خلال سنوات عملي بلحظات سهلة وأخرى شديدة الصعوبة، وتعلمت أن النجاح في الإعلام ليس خطًا مستقيمًا، بل هناك أوقات تتقدم فيها بسرعة وأخرى تشعر أنك واقف في مكانك، لكن المهم ألا تفقد طريقك وهدفك الاساسى.
كما أننى أحاول دائمًا الفصل بين النقد الذي يطورني والضوضاء التي تستنزفني، أستمع وأراجع نفسي وأعترف بخطئي إذا أخطأت وأتعلم، لكنني لا أسمح لأي عقبة أن تعرقلنى أو تختصر مشواري.
لمن تقول دينا صلاح «شكرًا» اليوم؟
أقول «شكرًا» لكل إنسان آمن بي في لحظة كنت أحتاج فيها إلى من يؤمن بي، ولكل أستاذ علمني، وزميل منحني نصيحة صادقة، ومسئول أعطاني فرصة، ومستمع قال لي كلمة جعلتني أعود إلى الميكروفون في اليوم التالي بطاقة أكبر.
وأقول «شكرًا» لعائلتي، لأن أي رحلة طويلة في الإعلام لا يمكن أن تبنى بمجهود شخص واحد فقط، لكن هناك شخصًا آخر أريد أن أشكره، وهي «دينا نفسها»؛ أشكرها لأنها لم تستسلم في الأوقات الصعبة، واستمرت في التعلم والعمل حتى عندما لم تكن النتائج تأتي بالسرعة التي تتمناها أحيانًا، وفي نهاية كل مرحلة، يجب أن نتوقف قليلا ونقول لأنفسنا: «شكرًا لأنكِ كمّلتِ».
بمناسبة انطلاق العام الدراسي الجامعى.. ما رسالتك للطلاب الجدد لاستقبال مرحلة الانتقال من بيئة المدرسة إلى الحياة الجامعية وتجاوز رهبة هذه الخطوة الأولى؟
أول شيء أقوله لأي طالب يدخل الجامعة: لا تخف من البداية الجديدة، الرهبة طبيعية لأنك تدخل عالمًا مختلفًا، فيه حرية أكبر ومسئولية أكبر واختيارات أكثر، لأن الجامعة ليست مكانًا للحصول على شهادة فقط، بل أول مساحة حقيقية تبدأ فيها تكوين شخصيتك المستقلة، لذلك لا تدخلها وأنت تبحث فقط عن أصدقاء أو أسهل طريق للنجاح، بل وأنت تريد أن تكتشف نفسك.
رسالتى الأولى لهم هى: جرب، شارك، اقرأ، احضر الأنشطة، تعرف على أشخاص مختلفين عنك، وتعلم إدارة وقتك، ولا تجعل أول تعثر يجعلك تشك في نفسك، لأن البدايات مرتبكة بطبيعتها، لكن الإنسان لا يقاس بمدى ارتباكه في البداية، وإنما بقدرته على إيجاد طريقه الصحيح.
كيف يستفيد الطالب من سنوات الجامعة بعيدًا عن الدراسة؟
الجامعة بالنسبة لي هي «مختبر الحياة»، فيها تتعلم كيف تختلف مع الآخرين دون أن تخسرهم، وكيف تتحمل مسئولية قرارك، وتقدم نفسك وتتحدث، وتدير وقتك، وتفشل ثم تعيد المحاولة، الطالب الذكي لا ينتظر الخبرة داخل المحاضرة فقط، بل يبحث عنها من خلال الأنشطة والتدريب والتطوع والقراءة وتعلم اللغات والتكنولوجيا والتواصل مع الآخرين، فهذه الأدوات تصبح جزءًا من رأس ماله الشخصي والمهني بعد التخرج.
وأكبر خطأ أن يختزل الطالب أربع سنوات في مقولة «أجيب تقدير وأتخرج»، التقدير مهم والشهادة تفتح الباب، لكن الشخصية والمهارات والقدرة على التواصل هي التي تجعلك قادرًا على الاستمرار وإثبات الذات.
ما رسالتكِ لشباب الإعلاميين؟
نصيحتي للشباب لا تستعجلوا الوصول، نحن نعيش في زمن يرى فيه الشاب نجاح الآخرين يوميًا على السوشيال ميديا، فيشعر أنه متأخر، بينما هو ما زال في بداية الطريق، ابنوا أنفسكم بهدوء، تعلموا، اكتسبوا مهارات، جربوا، أخطئوا، وابدأوا من الصفر إذا اضطررتم.
أما من اختار دراسة الإعلام، فأقول له بوضوح: الإعلام ليس شهرة، إذا كان هدفك الظهور على الشاشة فقط، فهذه ليست مهنة سهلة، الإعلام مسئولية قبل أن يكون حضورًا، وثقافة قبل أن يكون شكلا، وقدرة على البحث والتحقق قبل أن تكون قدرة على الكلام، اقرأ الصحافة، تابع الأخبار، افهم التاريخ والسياسة والاقتصاد والمجتمع، تعلم لغة وأدوات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وافهم السوشيال ميديا دون أن تصبح أسيرًا لها.
في النهاية، أنا مؤمنة أن الإعلامي الحقيقي لا يصنعه الميكروفون ولا الكاميرا، بل تصنعه السنوات والقراءة والتجربة والناس والمواقف، وقدرته على أن يظل إنسانًا وهو يمارس مهنة تتعامل كل يوم مع الإنسان.