عادت دراما الجريمة والرعب للظهور على الشاشة، خاصة مع تواجد بعض الأعمال المستوحاة من وقائع وجرائم حقيقية، وهو ما أعاد فتح النقاش حول طبيعة تقديم هذه النوعية من الأعمال، لذلك فتحت مجلة «الكواكب» هذا الملف مع الخبراء المتخصصين والمبدعين وطرحت عليهم تساؤلات مهمة بداية من.. هل تقدم هذه الدراما بهدف التوعية وكشف أسباب الجريمة وآثارها السلبية، أم قد يحولها البعض إلى وسيلة تستخدم فى غير أهدافها التوعوية؟ أسئلة كثيرة أخرى يجيب عنها عدد من المتخصصين فى علم الاجتماع والإبداع والنقد الفنى.

فى البداية تقول د. دينا محمد عيسى، أستاذة علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة عين شمس، إن دراما الجريمة والرعب لا يمكن الحكم عليها باعتبارها مفيدة أو ضارة بشكل مطلق، لأن تأثيرها يرتبط بطريقة بناء العمل ومعالجته، موضحة أن هذا النوع من الدراما يمكن أن يكون مفيدًا على سبيل المثال عندما يكشف ظاهرة اجتماعية يجب الإنتباه لها، ويوضح خطورة الجريمة على الضحية والأسرة والمجتمع، ويساعد على فهم بعض العوامل الاجتماعية المرتبطة بها.
وأضافت، أنه فى المقابل قد تظهر المشكلة، بحسب رؤيتها، عندما يصبح الجانى هو بطل العمل الحقيقى، وتتحول الجريمة إلى وسيلة للمشاهده فقط دون التعلم، أو يتم تقديم العنف بصورة مشوقة، مع عرض تفاصيل تنفيذية لا يحتاجها المشاهد، بينما تتراجع مساحة الضحية ويزداد التركيز على شخصية الجانى، خاصة إذا ظهر بصورة محبوبة أو مثيرة للإعجاب دون سياق نقدى واضح، وهذه المعالجة السلبية هى التى نرفضها جميعا لأنه يجب أن تكون تلك الأعمال بمثابة طريقة ردع لأى جانٍ أو مذنب تسوّل له نفسه إيذاء أى شخص فيما بعد، لذلك يجب أن تكون المعالجة الأفضل هى التى تجعل الجريمة مدخلا لفهم الضحية والعوامل التى أدت إليها وآثارها، وليس مجرد وسيلة للإثارة فقط.

عواقب الجريمة
من جانبه يرى المؤلف أيمن سلامة أن موضوعات الجريمة والرعب مادة خصبة للكاتب لما تحمله من إثارة وتشويق، لاسيما وأن هذا النوع موجود منذ زمن طويل فى الأدب والفن، لذلك لا يمكن افتراض أن مشاهدة عمل يتناول جريمة سيدفع المشاهد إلى ارتكاب الفعل نفسه، موضحًا أن دوافع الجريمة ترتبط بعوامل نفسية ومرضية معقدة، ولا يصح تحميل الدراما وحدها مسئولية ما يحدث أحياناً.
ويشير إلى أن الأدب نفسه قدم نماذج عديدة لشخصيات دفعتها بعض الظروف المحيطة لإرتكاب جرائم، مثل رواية «اللص والكلاب» لنجيب محفوظ، التى اعتمدت على شخصية جانى فى بناء أحداثها، ولكن حولها العديد من الظروف التى حاول الكاتب إبرازها كنوع من التوعية لضرورة الإنتباه لها.
واختتم «سلامة» حديثه مؤكدا أن الدراما الجيدة يجب أن تصل فى النهاية إلى معنى واضح، من خلال إظهار عواقب الجريمة وتحقيق العدالة، وأن تكون النهاية ذات جانب توعوى يوضح خطورة ارتكاب الجرائم، بحيث يحصل الجانى على جزائه.
الوقاية من الفعل
وتناولت المخرجة كاملة أبو ذكرى الملف من وجهة نظر مختلفة، حيث ترى أن الأعمال التى تتناول الجرائم قد تسهم أحياناً فى تقليد البعض لإحداثها إذا اهتمت بصورة أكبر بتقديم تفاصيل الجريمة أكثر من آهتمامها بالتركيز على عواقب إرتكابها وطرق تجنب الجميع لحدوثها.

فهم الجريمة لا يعنى تبريرها
يؤكد الكاتب عمرو محمود ياسين أن دراما الجريمة ليست جديدة على الفن أو الأدب، وإنما تمتد إلى تاريخ طويل، ويشير إلى «الجريمة والعقاب» لدوستويفسكى، التى كانت الجريمة فيها مدخلا إلى أسئلة الضمير والعقاب، وكذلك «اللص والكلاب» لنجيب محفوظ، التى تناولت الخيانة والانتقام، لاسيما وأن الاقتراب من شخصية الجانى لا يعنى تبرير أفعاله أو الدعوة إلى الاقتداء به، فالفن يستطيع أن يجعلنا نفهم الإنسان فى لحظة سقوطه، ونرى الطريق الذى قاده إلى الجريمة، وهو ما قد يكشف جوانب من النفس البشرية، ويضيف أن المتعة الفنية لا تعنى بالضرورة الفرح بما يحدث داخل القصة، فقد يستمتع المشاهد بأداء الممثل وبناء الحكاية وعمق الشخصية، حتى لو كان حزينًا لما يحدث لها، مؤكدا أن التعاطف مع جانب من شخصية ما لا يعنى الموافقة على أفعالها، فقد نفهم ظروف شخص أو ما تعرض له من أحداث، وفى الوقت نفسه ندين اختياراته عندما يتحول إلى ظالم لأن الفهم بحسب رأيه لا يلغى المسئولية، كما أن معرفة حكاية الجانى لا تلغى إنسانية الضحية.
ويشير إلى عدد من الأعمال المصرية التى كانت الجريمة جزءًا أساسيًا من بنائها، مثل: «ملاكى إسكندرية» و«تيتو» و«تراب الماس» و«الجزيرة» و«سجن النسا» و«جراند أوتيل»، مؤكدًا أن الحكم على هذه الأعمال يجب أن يكون من خلال طريقة معالجتها.
كما يرى أن تناول جرائم وقعت بالفعل يمكن أن يكون له مبرر فنى وإنسانى، لأن وراء كل واقعة حياة وعلاقات وأشخاصًا دفعوا الثمن، وقد تساعد الدراما فى فهم ما أحاط بالمأساة.

الدراما ليست السبب
ويقول الناقد الفنى طارق الشناوى: أعمال الجريمة والرعب من الطبيعى أن تقدم على الشاشة، فهذا النوع موجود فى مختلف أنحاء العالم وله جمهوره، كما أن بعض المشاهدين، رجالا ونساءً قد يفضلونه، مشيرا إلى أهمية التصنيف العمرى، خاصة أن بعض هذه الأعمال تحمل تصنيف «+18»، وهو ما يساعد فى تنبيه المشاهد إلى طبيعة المحتوى، مؤكدًا أن من لا يفضل هذه النوعية، سواء من الكبار أو الصغار، يمكنه ببساطة عدم متابعتها، وأن للمشاهد حرية الاختيار.
ويؤكد الشناوى أن الأهم هو أن يكون الكاتب وفريق العمل أمينين فى تقديم الجريمة والرعب، وأن تتم معالجة الموضوع بموضوعية، مشددًا على أنه لا يمكن تحميل الدراما مسؤلية تقليد البعض لما يقدم على الشاشة.

حدود واضحة
وهنا تختلف الناقدة ماجدة موريس مع الرأى السابق للناقد طارق الشناوى، مؤكدة أن الدراما يجب أن تقدم ما يساعد على وعى الجمهور، خاصة عندما تتناول جرائم القتل والرعب، وترى أنه إذا اختار صناع الدراما تقديم هذا النوع، فعليهم توخى الحذر فى طريقة تصوير الجريمة، وعدم تقديم تفاصيل، خاصة أن هناك جمهورًا قد يتأثر بما يشاهده.
وتوضح أن الكاتب يجب أن يضع نفسه مكان الأسرة والأبناء والأقارب الذين قد يشاهدون هذه الأعمال، وأن يضع فى اعتباره احتمالات التقليد.
فى النهاية، تظل دراما الجريمة والرعب بين التوعية والتشويق، ويتوقف تأثيرها على طريقة تقديم الحكاية والرسالة التى تتركها لدى الجمهور، وتبقى المعالجة الواعية هى الفيصل فى تقديم دراما تحترم عقل الجمهور وتدرك تأثيرها فى المجتمع