مقاتلو رفح المحاصرون.. شرارة يُبحث لها عن مخرج
في ظل تعقيدات المشهد الميداني والسياسي في قطاع غزة، يبرز ملف المقاتلين الفلسطينيين المحاصَرين في أنفاق رفح كأحد أكثر القضايا حساسيةً وإثارةً للتوتر بين إسرائيل وحركة حماس، بعدما تحوّل إلى نقطة اشتباك جديدة تهدد اتفاق وقف إطلاق النار، وسط جهود حثيثة يبذلها الوسطاء للوصول إلى مخرج آمن ينهي هذه الأزمة المتفاقمة.
إسرائيل تستهدف المقاتلين
في تهديد لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، أمس، أنه قتل أكثر من 30 مسلحًا حاولوا الفرار من أنفاق رفح جنوبي القطاع، من بينهم تسعة مسلحين عُثر عليهم قتلى في عملياته شرق المدينة نفسها، وقبل ذلك أعلن أنه اعتقل ثمانية منهم.
وهؤلاء، الذين يتحدث عنهم جيش الاحتلال الإسرائيلي، هم مقاومون فلسطينيون، يُقدَّر عددهم بنحو 200 شخص -وفقًا لتقديرات إسرائيلية- تُركوا وراء الخط الأصفر، الذي انسحب إليه مع بدء اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي.
وطالبت حركة حماس، عبر الوسطاء، بالسماح بعبور هؤلاء المقاتلين إلى الجانب الخاضع لسيطرتها، إلا أن إسرائيل واصلت التعنّت ورفضت الاستجابة لتلك المطالب.
هذا التعنّت الإسرائيلي استمر على الرغم من أن كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، أفرجت عن رفات الأسير الإسرائيلي هدار جولدن المحتجز لديها منذ عام 2014، والذي طالب به رئيس أركان جيش الاحتلال، إيال زمير، لإخراج المقاتلين من أنفاق رفح، ومع ذلك فإن إسرائيل لم تتخذ أي خطوات إيجابية في هذا الملف.
ووراء الكواليس ما يزال الوسطاء يبذلون جهدًا حثيثًا لحل هذا الملف، حيث يدور النقاش حول إمكانية خروج المقاتلين عبر "ممر آمن" إلى مناطق خاضعة لسيطرة حماس أو إلى دولة ثالثة.
وفي المقابل، تتعنّت إسرائيل لدرجة أنها قصرت حل الأزمة على قتل المقاتلين أو استسلامهم.
وذكر إعلام عبري أن إسرائيل عرضت عبر الوسطاء حل الأزمة من خلال خروج جميع المقاتلين وتسليم أنفسهم لقوات الاحتلال، على أن يُنقلوا إلى السجون داخل إسرائيل، غير أن هذا العرض لم يتم الرد عليه.
وعدّت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية مصير المقاتلين أحد العوائق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
وفي بيان صادر عنها الأربعاء الماضي، أكدت حماس أن الجريمة الوحشية التي يرتكبها الاحتلال عبر ملاحقة وتصفية واعتقال مقاتليها المحاصَرين في أنفاق رفح "تعد خرقًا فاضحًا لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، ودليلًا دامغًا على المحاولات المستمرة لتقويض هذا الاتفاق وتدميره".
وأوضحت حماس أنها قدّمت أفكارًا وآليات محددة لمعالجة هذه المشكلة، في تواصل كامل مع الوسطاء والإدارة الأمريكية بصفتها أحد ضامني اتفاق وقف إطلاق النار، غير أن الاحتلال نسف كل هذه الجهود.
وجاء في البيان أن الاحتلال غلّب لغة القتل والإجرام والملاحقة والاعتقال، في إجهاض لجهود الوسطاء الذين بذلوا جهدًا كبيرًا مع مختلف الأطراف الدولية لوضع حد لمعاناة هؤلاء المقاتلين الأبطال.
وفي التاسع من أكتوبر 2025، أُعلن عن التوصل إلى اتفاقٍ جديدٍ لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، بدأ سريانه في اليوم التالي، وذلك خلال مفاوضات غير مباشرة بين إسرائيل وفصائل فلسطينية تقودها حركة حماس، استضافتها مدينة شرم الشيخ المصرية، في إطار الخطة التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ويُعدّ هذا الاتفاق الثالث من نوعه منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على القطاع، إذ تمّ التوصل إلى الاتفاق الأول في نهاية نوفمبر 2023 واستمر سبعة أيام، تلاه اتفاق ثانٍ في يناير 2025 دام نحو 58 يومًا، قبل أن ينهار كلاهما بسبب التعنّت الإسرائيلي.
وأوقف هذا الاتفاق حرب الإبادة الإسرائيلية التي استمرت لعامين ضد المدنيين العزّل في قطاع غزة، حيث أسفرت عن استشهاد وإصابة أكثر من 239 ألف شخص، فضلًا عن دمار هائل لحق بالمنازل السكنية والبنى التحتية، ومجاعة أودت بحياة مئات الأشخاص.