رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


سلوى بكر.. «صوت المهمشين» في زمن الصمت

30-11-2025 | 13:39


سلوى بكر

همت مصطفى

سلوى بكر .. حين يصير القلم سلاحًا والحكاية ثورة

في زحام المدينة الصاخبة، حيث تتلاشى الأصوات الخافتة وتُطمس ملامح المهمشين، نبتت شجرة أدبية من تربة حي «المطرية» الشعبي، امتدت جذورها في أعماق الوجع المصري، وتفرعت أغصانها لتروي حكايات من لا صوت لهم إنها  الأديبة المصرية المتميزة سلوى بكر.

سلوى بكر هي الكاتبة التي لم تكتف بمراقبة الحياة من نافذة برجها العاجي، لكنها نزلت إلى الشارع، دخلت السجن، عاشت مع البسطاء، وحولت قلمها إلى معول ينقب في طبقات المجتمع المنسية، ليخرج بلآلئ إنسانية نادرة تلمع في سماء الأدب العربي لتصبح  متفردة صاحبة «صوت المهمشين» في زمن الصمت.

البدايات: من المطرية إلى عوالم الإبداع
تنحدر سلوى بكر من أسرة متوسطة، في حي المطرية بالقاهرة، ذلك الحي الشعبي الذي سيصبح لاحقًا منبعًا لا ينضب من شخصياتها الروائية، ولدت عام 1949م، وكان القدر قد أعد لها رحلة مبكرة مع الألم، حين توفي والدها الذي كان يعمل في السكك الحديدية، تاركًا الأم تتحمل وحدها عبء الأسرة ومسؤوليتها، ولكن في بيت أهل أمها، حيث كانت تقف مكتبة كبيرة كجزيرة معرفية وسط محيط الحياة اليومية الصاخبة، بدأت بذور الكاتبة في الإنبات

وكانت القراءة ملاذ سلوى بكر الأول، وكانت المدرسة التي خصصت حصة للقراءة الحرة تفتح لها نوافذ على عوالم لا حدود لها، هكذا، ومن رحم الفقد والحاجة، ولدت كاتبة لن تنسى أبدًا من أين جاءت.

الدراسة والوظيفة

حصلت سلوى بكر على بكالوريوس إدارة الأعمال من كُلِّيَّة التجارة بجامعة عين شمس سنة 1972م، لكن روحها الثائرة لم تكن لتستقر في دهاليز الأرقام والحسابات،  خلال سنوات دراستها الجامعية، انخرطت في الحركة الطلابية، حيث عاصرت الحِقْبَة الناصرية وآمنت بها، وشهدت تحولات مصر السياسية والاجتماعية عن كثب.

عُينت عام 1974م مفتشة تموين، وظلت في هذا العمل حتى عام 1980م، لكن عشقها للفن والنقد دفعها للحصول على ليسانس في النقد المسرحي عام 1976م،  كانت تلك الخطوة بداية انتقالها التدريجي من عالم الإدارة إلى عالم الإبداع، حيث عملت ناقدة للأفلام والمسرحيات، قبل أن تبدأ بشق طريقها الأدبي الخاص في منتصف الثمانينيات.

الغربة والعودة: تجارِب صقلت الرؤية
عاشت سلوى بكر مع زوجها في قبرص، حيث عملت لعدة سنوات ناقدة سينمائية في عدد من المجلات الصادرة بالعربية، وكانت تلك الغربة مرآة عكست لها صورة الوطن من بعيد، وأتاحت لها مساحة للتأمل في التحولات التي شهدتها مصر خلال السبعينيات، تلك الفترة التي تجرعت خلالها مرارة الأحداث والتغيرات الاجتماعية والسياسية.

عادت إلى مصر عام 1986، لتواجه واقعًا جديدًا، ولتبدأ مرحلة أدبية أكثر نضجًا وعمقًا. كانت تحمل في جعبتها تجرِبة النقد الفني، ورؤية شاملة للمجتمع، وقلمًا جاهزًا لكتابة حكايات الناس العاديين الذين لطالما أحبتهم وآمنت بقضاياهم.

السجن: حين تصير المحنة منحة إبداعية
في عام 1989م، اعتُقلت سلوى بكر أثناء إضراب عمال الحديد والصلب، وكانت تلك اللحظة الفارقة التي حولت المحنة إلى منحة أدبية استثنائية، في سجن القناطر، وجدت نفسها السجينة السياسية الوحيدة بين السجينات الجنائيات، فأتاحت لها هذه التجربة المريرة فرصة الاختلاط بعالم نسائي مغلق، مليء بالحكايات المكتومة والأوجاع المدفونة.

من رحم هذه التجربة القاسية، ولدت رواية «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» عام 1991م، تلك الرواية التي تدور أحداثها في عالم السجن النسائي، وتكشف بجرأة عن علاقته المعقدة بوضع المرأة في المجتمع. لم تكن سلوى بكر مجرد راوية تسجل ما رأت، بل كانت شاهدة على معاناة صامتة، وصوتًا لنساء حُرمن من حق الكلام.

الإنتاج الأدبي: ثراء وتنوع
بدأت رحلة سلوى بكر الأدبية مبكرًا بمجموعتها القصصية الأولى «حكاية بسيطة» عام 1979م، والتي نشرتها على نفقتها الخاصة، في خطوة تعكس إيمانها بصوتها الأدبي حتى قبل أن يعترف به الآخرون، ثم توالت مؤلفاتها المتميزة التي عبّرت عن شرائح كثيرة من المجتمع المصري:

 ومن مؤلفاتها في عالم الإبداع القصصي والرواية العربية.. «مقام عطية» (رواية وقصص قصيرة): دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، القاهرة، 1984م، «زينات في جنازة الرئيس، القاهرة»، 1986م.
وعن دار سينا للنشر، القاهرة  «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء »(رواية): سينا للنشر، القاهرة، 1991م، «عجين الفلاحة» (مجموعة قصصية): 1992م، «وصف البلبل» (مجموعة قصصية) 1993م، «أرانب»، وقصص أخرى (مجموعة قصصية):   1994م،

واستمر عطاؤها الغزير للأدب المصري والعربي فقدمت أيضًا..«إيقاعات متعاكسة» (مجموعة قصصية): دار النديم، القاهرة، 1996م، «البشموري» (رواية): روايات الهلال، القاهرة، 1998م، و«نونة الشعنونة» (رواية)، 1999م،

 ومن إبداعات سلوى بكر في الألفية الثالثة.. حلم السنين «مسرحية» عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2002م، «سواقي الوقت» (رواية): دار الهلال، القاهرة، 2003، «شعور الأسلاف» (مجموعة قصصية): مكتبة مدبولي، القاهرة، 2003م، «كوكو سودان كباشي» (رواية): دار ميريت، القاهرة، 2004م، «أدماتيوس الألماسي» (رواية): المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2006م.
 

 ومن مؤلفاتها المتميزة أيضا «من خبر الهناء والشفاء» (مجموعة قصصية): دار عين للنشر، القاهرة، 2006م، الصفصاف والآس (رواية): الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2010م، «وردة أصبهان» (مجموعة قصصية): الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2010م، «كوكو سودان كباشي» 2004م، «أدماتيوس الألماسي» 2006م، «الصفصاف والآس» 2010م، إلى جانب مجموعات قصصية مثل «شعور الأسلاف» 2003م، «من خبر الهناء والشفاء» 2006م، و«وردة أصبهان» 2010م.

وتنوعت مؤلفات  الأديبة سلوى بكر بين الرواية والقصة القصيرة والمسرح، لكنها جميعًا تشترك في سمة أساسية: الانحياز للمهمشين، والغوص في عوالم البسطاء، والكشف عن الجمال المخبأ في تفاصيل الحياة اليومية.

التقدير والجوائز: تتويج للمسيرة
 ونالت سلوى بكر جائزة «دويتشه» فيله للآداب عن قصصها القصيرة من ألمانيا عام 1993م، في اعتراف دُوَليّ مبكر بموهبتها، وفي تتويج لمسيرتها الطويلة، و حصلت على جائزة الدولة التقديرية في الآداب 2021م،  من المجلس الأعلى للثقافة تقديرًا لإسهاماتها الأدبية المتميزة وصوتها الفريد في المشهد الثقافي المصري.

 ومنذ عام 2001، تعمل سلوى بكر أستاذًا زائرًا بالجامعة الأمريكية في القاهرة، حيث تنقل خبراتها وتجاربها للأجيال الجديدة من الكتّاب.

سلوى بكر تفوز بجائزة البريكس للرواية في دورتها الأولى 

وفازت الأديبة ابنة مصر المبدعة أمس بجائزة «البريكس» للرواية في دورتها الأولى خلال الحفل الختامي الذي استضافته مدينة خاباروفسك الروسية، لتُسجَّل باسم الأدب المصري أولى جوائز هذا المحفل الدُّوَليّ الجديد.

وجاء فوز سلوى بكر بعد منافسة قوية عبر مراحل الجائزة المختلفة، بدءًا من القائمة الطويلة التي ضمّت مؤلفات من دول التكتل، وصولًا إلى القائمة القصيرة التي اختارت نخبة من الكتاب المرشحين من مصر والصين وروسيا والهند والبرازيل والإمارات وجنوب إفريقيا، والمنافسة لم تكن يسيرة

وأشادت لجنة الأمناء بتميز التجربة السردية للكاتبة المصرية سلوى بكر، وما تحمله من رؤية إنسانية تُعبّر عن المجتمع وتضيء جوانب مهمَّشة في الواقع، معتبرةً أن مؤلفاتها تمثل قيمة أدبية تستحق الاحتفاء على مستوى دُوَليّ.

وتعد جائزة البريكس الأدبية — التي انطلقت رسميًا بهدف تعزيز التبادل الثقافي وإبراز أصوات أدبية من دول التجمع، إحدى المبادرات التي تسعى لخلق منصة عالمية تلتقي فيها التجارِب الإبداعية المتنوعة، ومنحها مساحة أرحب للانتشار.

ويُضاف هذا الفوز إلى رصيد سلوى بكر الحافل بالإبداع والروايات التي تركت أثرًا عميقًا في المشهد الثقافي العربي، مؤكدًا حضور الأدب المصري بقوة في الفضاء الدُّوَليّ، وقدرته على المنافسة وتحقيق الصدارة في الجوائز العالمية.

الخاتمة: إرث باقٍ
سلوى بكر ليست مجرد كاتبة وروائية،  لكنها ستبقى مؤرخة اجتماعية وثّقت بحساسية فنية عالية تحولات المجتمع المصري عبر عقود، من حي المطرية إلى السجن، ومن النقد السينمائي إلى الرواية، ومن مصر إلى العالمية، رسمت سلوى بكر خريطة أدبية فريدة، جعلت من الهامش متنًا، ومن الصمت صرخة، ومن الوجع فنًا.

وفي عصر يميل فيه الأدب أحيانًا إلى النخبوية والانعزال، تبقى سلوى بكر صوتًا ديمقراطيًا حقيقيًا، يمنح الكلمة لمن لا كلمة لهم، ويحول حكايات البسطاء إلى ملاحم إنسانية خالدة، إنها الكاتبة التي علّمتنا أن الأدب الحقيقي لا يُكتب في الأبراج العاجية، بل في شوارع الحياة، حيث ينبض القلب وتتدفق الحكايات.