رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


ذكرى مرور 3 سنوات لـ شات جي بي تي.. زياد عبد التواب يكتب: مسار التحوّل.. القوة والضعف وحدود المستقبل

30-11-2025 | 13:31


د . زياد عبد التواب

زياد عبد التواب,

حين نلتفت اليوم إلى ما يحدث حولنا في عالم التكنولوجيا ، نتأكد في كل مرة  أننا نعيش تسارعًا يفوق قدرتنا على الاستيعاب فعلى سبيل المثال جاء إطلاق تطبيق شات جي بي تي قبل ثلاث سنوات فقط ليمثل لحظة فارقة لم يكن كثيرون يتوقعون آثارها، ثلاث سنوات ليست مدة طويلة في عمر البشرية و لكنها تشبه العقود والقرون في مجال التكنولوجيا، فهذا التطبيق احتاج إلى شهرين فقط ليصل عدد مستخدميه إلى 100 مليون مستخدم فيما احتاج الهاتف الأرضي إلى حوالى 74 سنة ليصل لنفس عدد المستخدمين ، لكنها كانت كافية لخلق موجة جديدة تُعيد رسم ملامح العلاقة بين الإنسان والآلة، وتفتح أبوابًا واسعة للدهشة والأسئلة والجدل.

ولعل من أهم ما يميز هذه الرحلة القصيرة–الطويلة في الوقت نفسه–أنها لم تكن خطًّا مستقيمًا، بل سلسلة من القفزات المتتابعة، كل واحدة منها تُعيد تعريف ما كنا نتصوره ممكنًا، ومع كل تحديث، وكل إصدار جديد، يضاف خاصية جديدة فانتقلنا من الكتابة إلى الصور إلى الفيديو إلى المحادثة الصوتية والى استخدام الكاميرا أيضا، ومع كل نقاش يدور حول المخاطر والفرص، كان التطبيق يكبر، ويؤثر، ويتداخل أكثر في تفاصيل حياتنا، بقدر ما كان يثير الحماس والقلق معًا.

فتحديدا في الثلاثين من نوفمبر من العام 2022، ظهر شات جي بي تي لأول مرة في صورته العامة المبسطة. حينها كان كثيرون يتعاملون معه باعتباره تجربة لطيفة، أو أداة للترفيه، أو مساعدًا بسيطًا في الكتابة. لم يكن الوعي قد اكتمل بعد بحقيقة ما يحمله وراء واجهته السهلة؛ نموذج لغوي كبير Large Language Model (LLM’s)  قادر على تحليل النصوص، بناء الأفكار، فهم السياقات، وإنتاج محتوى متماسك بكفاءة عالية، هذه المرحلة كانت انتقالًا جذريًا فلأول مرة تصبح قدرات الذكاء الاصطناعي –كما كانت تظهر في الأوراق البحثية القديمة التي بدأت عام 1956– متاحة لعامة الناس،  ومع هذا الانتقال بدأ التحول الحقيقي؛ إذ اكتشف المستخدمون أن الأداة ليست مجرد محرك نصوص، بل عقل مساعد قادر على إعادة صياغة الأسئلة، وتقديم اقتراحات عملية، وتحليل موضوعات معقدة في ثوانٍ معدودة.

ومع بداية عام 2023، بدأت قدرات شات جي بي تي في الاتساع. لم يعد مجرد مساعد يكتب ويحلل، بل أصبح يُدمج في تطبيقات، ويعمل مع الشركات، ويتفاعل مع الأسواق. ظهرت الإصدارات المتخصصة، والإصدارات الأكثر ذكاءً، والانفتاح على الإضافات (Plugins)، ثم إضافة الرؤية، ثم القدرة على معالجة الصور، ثم تحليل البيانات، والأهم والأخطر هو فهم السياق المتراكم فتخزينه للمحادثات السابقة جعلته قادرا على رسم صورة متكاملة عن المستخدمين بما فيها ما يفكرون فيه وما يشعرون به وما يخشونه في قابل الأيام.


وبحلول عام 2024، لم يعد الاستخدام عامًا فقط، بل أصبح التطبيق قادرًا على التخصيص بدرجة أكبر حيث بات قادرًا على فهم أسلوب المستخدم، تفضيلاته، طريقته في التفكير، والموضوعات التي تعنيه أي انه أصبح قادرا على التعرف على أسلوبك في الكتابة وأسلوب الأدباء السابقين كما يتعرف على أسلوب المبدعين في باقي المجالات كالرسم والموسيقى  وهو ما جعل التجربة تختلف من شخص إلى آخر، وأصبحت العلاقة بين الإنسان والتطبيق أكثر إنسانية واكثر حميمية، ثم جاءت مرحلة دمج النماذج المتعددة، وتحسين القدرات المنطقية، وتطوير مهارات التحليل وإنتاج الأكواد والبرمجيات المتقدمة، والتعامل مع ملفات كاملة، وتوليد صور دقيقة، بل وتقديم دعم معرفي يقترب من مستوى الخبراء.

ولذلك فان الكثير من المستخدمين شعر بالانبهار وبالدهشة فأبرز ما ميز شات جي بي تي خلال هذه السنوات الثلاث هو أنه لم يكن مجرد آلة تجيب، بل آلة تفهم. تستطيع محاكاة التفكير المنطقي فمع كل إصدار جديد، ازداد النموذج قدرة على تحليل الأسباب والنتائج، وربط الأفكار، وطرح احتمالات، وهي قدرات كانت محصورة سابقًا في الخبراء أو الباحثين، ويتم ذلك بكل سهولة وبساطة فقوة الذكاء الاصطناعي لم تعد حكرًا على المتخصصين حيث يستطيع أي شخص التعلّم والإبداع عبر واجهة سهلة لا تتطلب تدريبًا أو معرفة تقنية وتعددت وظائفه من كتابة وتحليل وترجمة وبرمجة وتلخيص وتدريب وبحث علمي واستشارات…الخ ويقوم بكل ذلك بمعدلات  أسرع بعشرات المرات من الأساليب التقليدية، بأسلوب يتسم بالمرونة والتطور المستمر فمن أعظم نقاط القوة أن النموذج ليس ثابتًا فكل يوم هناك تحديث، وكل فترة تظهر نسخة جديدة، وهذا يجعل التجربة دومًا في حالة تطور.

وللأسف فان الكثيرين لم يستطيعوا أن يتخطوا مرحلة الدهشة والانبهار إلى مرحلة التفكير في السلبيات الناشئة جراء الإفراط في الاستخدام، فالتطبيق يتسم أحيانا كثيرة بعدم الدقة، حيث تظهر بين حين وآخر إجابات غير دقيقة أو مبنية على فهم غير مكتمل للسياق وهذه المشكلة تُعد من أخطر التحديات لأنها تؤثر على الثقة والاستخدام العلمي. وان كان البعض يرجعها إلى قلة الخبرة في التعامل مع تلك النماذج وعدم الإلمام بهندسة الأوامر Prompt Engineering أي بالأسلوب الأمثل للطلب ولذلك بدأ هذا الفرع من العلوم في الازدهار وبذات بعض مراكز التدريب في أفراد دورات تدريبية متخصصة ومنفصلة له.

من السلبيات التي ربما لا تظهر كثيرا إذا كان مجال العمل علميا أو هندسيا ولكنها تظهر بوضوح إذا كان المجال إبداعيا وهو غياب البصمة والتجربة الشخصية وغياب المشاعر والأحاسيس الإنسانية فالنموذج يمتلك معرفة ضخمة، لكنه لا يعيش التجربة الإنسانية، لذلك قد يغيب عنه ما يتعلق بالحدس، أو الحكمة العملية، أو الإدراك العاطفي العميق، كما أن إشكالية عدم معرفة مصادر البيانات ولا كيف تعمل خوارزميات النماذج قد تجعل الناتج منها غير مناسب أو منحاز لثقافة دون الأخرى أو لأيدلوجية أو لفكرة دون الأخرى أيضا.

ومن السلبيات الكبيرة تلك المرتبطة باستخدام النموذج في توليد الأخبار الخاطئة والمغلوطة او الصور او مقاطع الفيديو المزيفة والمعروفة بالتزييف العميق Deepfake  وهو ما رأيناه و لمسنا آثاره السلبية في العديد من المواقف المحلية والإقليمية و الدولية وبالإضافة إلى هذا نجد أن تلك النماذج تتهم كثيرا بانتهاك حقوق الملكية الفكرية لإبداعات البشر التي يستخدمها في التدريب و في جميع الأحوال نرى أن الإشكالية الكبرى تكمن في زيادة الاعتمادية على تلك النماذج وتغييب العقل و عملياته الحيوية وفقدانه لقدراته على الرصد والتحليل و المقارنة و الصياغة و اتخاذ القرارات وعلى الإبداع أيضا وهو ما قد ينتج إنسانا مستقبليا غير قادر على استخدام عقله مثلما كان الحال قبل ظهور تلك الأدوات.

وهنا نأتي إلى الجدلية الأهم، فإذا كانت القوة مغرية، فالخطر دائمًا حاضر وهو ما يتطلب وضع مجموعة من المبادئ أو المحددات التي تمثل سياجًا للتعامل الصحيح مع الذكاء الاصطناعي منها انه لا يجب أخذ كل إجابة باعتبارها حقيقة مطلقة فالتحقق المستمر ضرورة، خصوصًا في المجالات العلمية والاقتصادية والتاريخية، يجب أيضا عدم استخدام النموذج في اتخاذ القرارات المصيرية دون تدخل بشري مثل القرارات الطبية، القانونية، المالية الكبيرة فتلك يجب أن تمر عبر إنسان مسؤول، أما الحفاظ على الخصوصية وعدم مشاركة معلومات حساسة فهي من الأمور الخطيرة عند التعامل مع أي نظام تكنولوجي بصفة عامة ومع أنظمة الذكاء الاصطناعي بصورة خاصة فمهما كان مستوى الأمان المتعهد به من قبل الشركات مالكة لتلك التطبيقات، يجب أن يبقى المستخدم حذرًا في مشاركة بياناته الشخصية. وليس ادل على هذا من تقرير معهد مستقبل الحياة Future Of Life Institute الصادر في يوليو الماضي والذي قام بتقييم عددا من التطبيقات الشبيهة بشات جى بى تى ولم يحصل أي منها على درجة أمان أكبر من المستوى الثالث C.

وفى جميع الأحوال وخاصة بعد دخول البشرية إلى عصر المعلومات حيث أصبحت مصادر المعلومات متاحة للجميع بصورة لم تحدث على مدار حياة الإنسان على الأرض فان كثرة البيانات قد يؤدى إلى أعراض ونتائج مساوية لندرة البيانات وقلتها ولذلك فان الاحتماء بالعقل وبقدراته التحليلية هو مفتاح البقاء الوحيد ولذلك يجب فهم أن الذكاء الاصطناعي مكملٌ لا بديل وان الدور الإنساني في الإبداع والخلق والتطور والمحاسبة لا يمكن تعويضه مهما تطورت الآلات وهو أمر في غاية الأهمية والخطورة خاصة بعد انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة الذكاء الاصطناعي التوليدي Generative Artificial Intelligence  مثل شات جى بى تى وغيره من التطبيقات الى مرحلة الذكاء الاصطناعي التوكيلي Agentic Artificial Intelligence   فهنا يمكن أن نقوم بتوكيل التطبيق للقيام بالمهام التي كنا نقوم بها من قبل و توكيله أيضا في إبداء الرأي و اتخاذ القرارات نيابة عنا.

ولكن وفى جميع الأحوال نستطيع أن نقول انه في نهاية السنوات الثلاث أننا قد وصلنا إلى مرحلة جديدة ليست مجرد استعمال الذكاء الاصطناعي أو الاندهاش منه أو الرفض له، بل إلى مرحلة إيجاد صيغة توافقية التعايش معه، صيغة لن يكون الذكاء الاصطناعي فيها  بديلا عن الإنسان بل سيكون شريكًا يساعد العقل البشري على تجاوز حدوده التقليدية، فالتعليم سيُعاد تشكيله بالكامل، فربما لن يكون دور المعلم هو نقل المعلومات، بل تدريب العقل على التفكير النقدي، بينما يتولى الذكاء الاصطناعي الشرح والمعالجة، والاقتصاد أيضا سيشهد إعادة توزيع للوظائف، فوظائف ستختفي، وأخرى ستظهر، وثالثة ستندمج و الإنسان الذي يتقن استخدام الذكاء الاصطناعي سيأخذ مكانًا متقدمًا في سوق العمل، ومن الإشكاليات الظاهرة أيضا بعد وجود عدة نسخ من النموذج الواحد بعضها مجانى و بعضها يحتاج إلى اشتراكات شهرية قد تصل إلى مئة دولار أو اكثر فان الفجوة بين الدول ستتحدد بقدرتها على استيعاب الذكاء الاصطناعي فلم تعد الثروة في الموارد الطبيعية، بل في القدرة على استغلال المعرفة التكنولوجية وكذا أيضا على القدرة المالية على الوصول إليها.

وأكثر المتفائلين بالمستقبل يرون أن الإبداع الإنساني سيصل إلى مستوى جديد وانه من الضروري الاتفاق تقنيات وتشريعيا على عدة نقاط منها أن نضمن ألا تتحول الآلة إلى مصدر خطر وان نعرف كيف نحافظ على حرية الإنسان وكيف نمنع الاحتكار وان نمنع طغيان الثقافات وقبل هذا وبعده أن نحافظ على عقل الإنسان وحيويته.

فعندما ننظر اليوم إلى شات جي بي تي بعد مرور ثلاث سنوات، ندرك أن ما حدث لم يكن مجرد تطبيق، بل يمكن اعتباره هو التحول الأكبر في تاريخ المعرفة منذ اختراع ألة الطباعة ومنذ اختراع الإنترنت أيضا، ومع ذلك، فإن الطريق ما زال في بدايته.

ويبقى السؤال، كيف يمكن للإنسان أن يستفيد من هذه القوة الهائلة دون أن يفقد جوهره، ووعيه، ومكانته في هذا العالم، سؤال قد لا نملك إجابته الكاملة اليوم، لكنه سيظل البوصلة التي يجب أن تُوجّه قبل كل خطوة نخطوها في هذا الطريق الجديد.