ليس من المبالغة القول إن حصول مصر على مقعد داخل المنظمة البحرية الدولية (IMO) يمثل خطوة تتجاوز حدود بروتوكولات الانتخابات الدبلوماسية لتمتد إلى مساحة أوسع تتعلق بمكانة الدولة البحرية وقدرتها على حماية مصالحها الاقتصادية وصياغة مستقبل النقل البحري العالمي فالمسألة ليست مجرد وجود شكلي في مؤسسة دولية بل هي مكسب سياسي واستراتيجي يعزز مكانة مصر كدولة محورية في واحد من أهم القطاعات المؤثرة على الاقتصاد العالمي وهو قطاع الملاحة والنقل البحري ولطالما تمتعت مصر بهبة جيواستراتيجية لا تملكها أي دولة أخرى وهي قناة السويس ذلك الشريان البحري الذي يعبر من خلاله نحو 12% من التجارة العالمية غير أن قوة الموقع وحدها لا تكفي إذا لم يصاحبها حضور فعال في المؤسسات التي ترسم قواعد الملاحة وتحدد خريطة النقل البحري الدولي وإن وجود مصر في مجلس المنظمة البحرية الدولية يمنحها صوتا مؤثرا إلى جوار القوى البحرية الكبرى ويتيح لها أن تدافع عن مصالحها في بيئة دولية تتسم باحتدام المنافسة وبسرعة التغيرات وبذلك يصبح المقعد امتدادا طبيعيا لقوة قناة السويس وتأكيدا أن مصر ليست مجرد دولة تملك ممرا مائيا عالميا بل شريك فاعل في صياغة مستقبل الملاحة البحرية. كما يشهد العالم اليوم تحولات عميقة في طرق النقل البحري بعضها يرتبط بالمناخ والبيئة وبعضها الآخر يتعلق بالتنافس الجيوسياسي وتطوير ممرات بديلة لذلك فإن التمثيل المصري داخل المنظمة البحرية الدولية يمثل أداة أساسية لحماية مصالح قناة السويس في مواجهة تلك التغيرات فعلى سبيل المثال يمكن لمصر من خلال وجودها في المنظمة أن تتابع عن قرب أي مقترحات أو معايير قد تفرض التزامات على السفن العابرة بما قد يؤثر على حركة المرور بالقناة وأن تشارك في نقاشات تتعلق بطرق الملاحة البديلة أو تطوير مسارات جديدة في القطب الشمالي وتوضح للعالم أهمية قناة السويس كخط ملاحي آمن وكفء وبيئي في الوقت ذاته وكل ذلك يجعل المقعد بمثابة درع استراتيجية تسهم في تأمين مصدر رئيسي من مصادر الدخل القومي والاقتصاد الوطني ومصر تعلن باستمرار رؤيتها للتحول إلى مركز لوجستي عالمي قائم على تطوير الموانئ البحرية وتعظيم الاستفادة من موقعها في ملتقى ثلاث قارات وهنا يأتي فوزها بالمقعد كركيزة مهمة لترسيخ تلك الرؤية على الصعيد الدولي ويسمح هذا التمثيل لمصر بأن تقدم نفسها كشريك موثوق في تطوير سياسات النقل البحري وأن تروج لخططها المتعلقة بالموانئ الذكية واللوجستيات والطاقة البحرية كما تجذب مزيدا من الاستثمارات في مشروعات الموانئ والسفن والطاقة البحرية وبالتالي فإن المقعد يسهم في تعزيز القيمة التنافسية لمصر على خريطة الاقتصاد العالمي.
من ناحية أخرى فإن الأمن البحري لم يعد قضية محلية بل أصبح بندا رئيسيا على جدول أعمال المجتمع الدولي خصوصا في ظل التهديدات مثل القرصنة والنزاعات الإقليمية وتهريب السلاح والهجرة غير الشرعية ومصر التي تطل على اثنين من أهم بحار العالم البحر المتوسط والبحر الأحمر تقف في قلب تلك المعادلات وبوجودها في المنظمة البحرية الدولية تستطيع مصر أن تسهم في تطوير معايير الأمن والسلامة البحرية وتدعم التعاون الدولي في مواجهة التهديدات البحرية وأن تقدم خبراتها في حماية الممرات الملاحية الحيوية حول قناة السويس وهذا يعزز مكانتها كدولة قادرة على ضمان استقرار التجارة الدولية.
على صعيد آخر فغالبا ما تسيطر الدول الصناعية الكبرى على صناعة النقل البحري سواء عبر الأساطيل الضخمة أو شركات الملاحة العملاقة أو التقنيات الحديثة لكن وجود مصر في المنظمة البحرية الدولية يمنح الدول النامية خاصة الأفريقية والعربية صوتا يعبر عن احتياجاتها في هذا القطاع الحيوي وبما أن مصر تمتلك خبرة بحرية متراكمة يمكنها أن تشكل جسرا للتواصل بين تلك الدول والمنظمة وأن تدفع نحو سياسات أكثر عدالة تراعي إمكانات الدول الأقل تطورا وفي عالم تتنافس فيه الدول على النفوذ والمكانة يمثل الفوز بمقعد في منظمة ذات ثقل مثل المنظمة البحرية الدولية رسالة ثقة دولية في الدور المصري وهو اعتراف بقدرة الدولة على ممارسة تأثير حقيقي في قضايا الملاحة والبيئة البحرية وبأن لديها مؤسسات قوية تتعامل بكفاءة مع التحديات البحرية كما أن هذا الفوز يضيف إلى رصيد مصر الدبلوماسي ويعزز صورتها كدولة مسؤولة وفاعلة في النظام الدولي.