رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


السيد بدير.. صوت الكوميديا ووجهها الطيب

11-1-2026 | 03:41


السيد بدير

فاطمة الزهراء حمدي

في تاريخ الفن المصري أسماء لم تكن مجرد ممثلين يمرون أمام الكاميرا، بل صُناع حقيقيين للوجدان، والسيد بدير واحد من هؤلاء القلائل الذين جمعوا بين الموهبة والحضور، وبين خفة الظل والقدرة على التعبير عن هموم الناس ببساطة وصدق، في ذكرى ميلاده، نستعيد رحلة فنان لم يكتفِ بدور واحد، بل تنقل بثقة بين التمثيل والكتابة والإخراج، وترك أثرًا لا يُمحى في السينما والمسرح والإذاعة.

من الطب البيطري إلى خشبة المسرح

وُلد السيد بدير عام 1915 بقرية أبو الشقوق التابعة لمركز كفر صقر بمحافظة الشرقية. ورغم دراسته للطب البيطري، فإن شغفه بالفن كان أقوى من أي مسار تقليدي، فاختار أن يسلك طريقًا أكثر مخاطرة، لكنه أكثر انسجامًا مع روحه، بدأ مشواره الفني منتصف الأربعينيات، وشارك في عدد من الأعمال السينمائية، قبل أن يلفت الأنظار إليه تدريجيًا بأسلوبه الخاص.

الشخصية التي صنعت النجومية

شكلت شخصية «عبد الموجود ابن عبد الرحيم كبير الراحمية قبلي» نقطة التحول الحقيقية في مشواره، إذ منحت السيد بدير شهرة واسعة ورسّخت صورته كأحد أبرز نجوم الكوميديا في زمنه، دون أن تحصره في قالب واحد، فقد ظل قادرًا على التنقل بين الضحك والدراما بخفة وذكاء.

كاتب السينما الذي فهم المجتمع

لمع اسم السيد بدير بقوة في مجال التأليف السينمائي، حيث كتب مجموعة من أهم الأفلام التي ناقشت قضايا اجتماعية وإنسانية بجرأة ووعي، مثل: جعلوني مجرمًا، شباب امرأة، حميدو، بياعة الخبز، رصيف نمرة 5، وغيرها من الأعمال التي لا تزال حاضرة بقيمتها الفنية حتى اليوم.

تجربة الإخراج.. رؤية مختلفة

في عام 1957، خاض السيد بدير تجربة الإخراج السينمائي، ونجح في تقديم أفلام حملت بصمته الخاصة، من بينها المجد، الزوجة العذراء، ليلة رهيبة، نصف عذراء، حب وخيانة. واستمر عطاؤه الإخراجي حتى منتصف السبعينيات، قبل أن يركز لاحقًا على كتابة السيناريو والحوار.

حضور إذاعي لا يُنسى

إلى جانب السينما، كان للسيد بدير حضور مميز في الإذاعة المصرية، حيث قدم برامج وتمثيليات تركت أثرًا واسعًا في وجدان المستمعين، ويأتي في مقدمتها البرنامج الشهير «شخصيات تبحث عن مؤلف»، الذي عكس قدرته على صياغة شخصيات نابضة بالحياة.

حياة شخصية مليئة بالتجارب القاسية

ارتبط السيد بدير بالفنانة شريفة فاضل، ودعم مشوارها الفني بشكل واضح، إلا أن حياتهما تعرّضت لامتحان قاسٍ باستشهاد نجلهما الوحيد في حرب أكتوبر 1973، وهو الحدث الذي خلدته شريفة فاضل بأغنية «أم البطل»، التي تحولت إلى واحدة من أهم الأغاني الوطنية في الوجدان المصري.

مواقف إنسانية وراء الكاميرا

عُرف السيد بدير بمساندته لزملائه، ومن أبرز مواقفه دعمه للفنانة ليلى حمدي، حين أعادها للعمل بعد فترة من الغياب ومنحها فرصة جديدة في أحد أعماله، في لفتة إنسانية كشفت عن جانب أصيل في شخصيته بعيدًا عن الأضواء.

أبو الشهيدين

حمل السيد بدير لقب «أبو الشهيدين» بعد فقدانه لاثنين من أبنائه؛ أحدهما العالم سعيد بدير، الذي ارتبط اسمه بظروف غامضة، والآخر نجله الذي استشهد خلال حرب أكتوبر المجيدة، ليجتمع في حياة الفنان الألم الشخصي مع الفخر الوطني.

إرث لا يغيب

ترك السيد بدير خلفه رصيدًا فنيًا ضخمًا، سواء كممثل في أفلام خالدة، أو ككاتب صاغ وجدان أجيال، أو كمخرج قدّم رؤى مختلفة. فكان نموذجًا للفنان الشامل، الذي لم يفصل يومًا بين الفن والحياة، وبقي اسمه محفورًا كأحد أعمدة الفن المصري.