رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


مصر خيار الاستقرار الأوروبي

12-1-2026 | 10:32


عمرو سهل,

يعكس لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي الممثلة العليا للشئون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي دلالة سياسية عميقة تتمثل في الانتقال بالعلاقات بين الجانبين من مستوى التعاون التقليدي إلى إطار شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد تقوم على إدراك متبادل بأن التحديات الإقليمية والدولية الراهنة لم تعد قابلة للإدارة الفردية فانعقاد القمة بهذا المستوى يؤشر إلى اعتراف أوروبي متزايد بثقل مصر السياسي ودورها المحوري في معادلات الاستقرار الإقليمي ويؤكد أن القاهرة أصبحت شريكا رئيسيا في صياغة مقاربات الأمن في محيطها الجغرافي الممتد من شرق المتوسط إلى أفريقيا.

وسياسيا يبرز هذا المسار بوصفه ترجمة لرغبة مشتركة في تعميق التنسيق بشأن القضايا الإقليمية المعقدة في ظل تصاعد الأزمات وتشابكها ويكشف هذا التوجه عن إدراك أوروبي بأن مصر تمتلك خبرة سياسية وأمنية متراكمة تؤهلها للاضطلاع بدور فاعل في احتواء الصراعات ومنع تمددها وهو ما يمنحها موقعا متقدما كشريك موثوق في جهود دعم الاستقرار كما يعكس هذا التقارب تحولا في النظرة الأوروبية تجاه دول جنوب المتوسط من مجرد دول جوار إلى أطراف فاعلة في صياغة أمن مشترك أما البعد الأمني فيتجلى المغزى السياسي في إدراج ملفات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية ضمن أولويات الشراكة فهذا التلاقي يعكس حقيقة أن هذه التهديدات لم تعد محصورة داخل حدود الدول بل باتت عابرة للحدود وتمس الأمن الأوروبي بصورة مباشرة ومن ثم فإن التعاون مع مصر في هذه الملفات يمثل ركيزة أساسية لحماية الأمن الإقليمي والدولي ويعكس في الوقت ذاته ثقة أوروبية في قدرة الدولة المصرية على ضبط حدودها وإدارة هذه التحديات بكفاءة بما يجعلها خط دفاع متقدم عن استقرار جنوب وشمال المتوسط معا.

أما على الصعيد الاقتصادي فإن تعميق العلاقات التجارية والاستثمارية يحمل أبعادا سياسية واضحة تتجاوز منطق المصالح الاقتصادية المباشرة فالرهان الأوروبي على توسيع الشراكة الاقتصادية يعكس قناعة بأن دعم الاقتصاد المصري يمثل مدخلا أساسيا لتحقيق الاستقرار المستدام ويحد من جذور الأزمات المرتبطة بالفقر والبطالة والهجرة غير النظامية وفي المقابل فإن انفتاح مصر على جذب الاستثمارات الأوروبية يبعث برسالة مفادها أن الدولة المصرية ترى في الشراكة الاقتصادية أداة لتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية وترسيخ نموذج الدولة المستقرة القادرة على الوفاء بالتزاماتها ويحمل الإشادة الأوروبية بالدور المصري في دعم السلام والاستقرار دلالة سياسية مهمة إذ تمنح القاهرة شرعية دولية إضافية في تحركاتها الإقليمية وتكرس موقعها كوسيط رئيسي في عدد من الملفات الشائكة كما يعكس هذا التقدير تطابقا نسبيا في الرؤى السياسية ورغبة أوروبية في الاستفادة من النفوذ المصري في مناطق تشهد فراغا استراتيجيا وتنافسا دوليا محتدما.

وتتجلى الأهمية الاستراتيجية للعلاقة في التوجه نحو إطلاق حوار منظم في مجالات الأمن والدفاع وهو تطور نوعي ينقل الشراكة إلى مستوى غير مسبوق فهذا المسار يعكس إدراكا أوروبيا بأن أمن القارة لم يعد منفصلا عن أمن محيطها الجنوبي وأن بناء منظومة أمنية أوسع يتطلب شراكات مع دول تمتلك قدرات عسكرية ومؤسسات مستقرة كما يعكس ثقة متنامية في الدور المصري كشريك قادر على الإسهام في صياغة مقاربات أمنية مشتركة لا تقتصر على رد الفعل بل تمتد إلى الوقاية وبناء الاستقرار وفي المجمل يمكن القول فإن المغزى السياسي لهذا المسار يتمثل في إعادة تعريف العلاقة بين مصر والاتحاد الأوروبي على أساس الشراكة المتكافئة والمصالح المتبادلة مع تأكيد متزايد على مركزية البعد الأمني والاستقرار الإقليمي ويعكس هذا التطور إدراكا مشتركا بأن التحولات الدولية المتسارعة تفرض تحالفات مرنة وقادرة على الاستجابة للتحديات وأن مصر باتت طرفا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة تتعلق بأمن المتوسط واستقرار الإقليم.