في ذكرى ميلاده.. نجيب الريحاني يستعيد صداقة العمر مع سيد درويش
تحل اليوم ذكرى ميلاد الفنان الكبير نجيب الريحاني، أيقونة الكوميديا المصرية التي جمعت بين الضحك والموعظة، وبين المرح والعمق الإنساني.
لم يكن الريحاني مجرد فنان كوميدي، بل كان إنسانًا صاحب قلب نابض بالوفاء، وهو ما تجلّى في صداقته العميقة بالموسيقار العظيم سيد درويش، الذي وصفه الريحاني بأنه «ثورة الموسيقى العربية»، بعد أن وضع له درويش ألحانًا عديدة للأوبريتات الخاصة بفرقة الريحاني، لتنشأ بينهما علاقة فريدة مليئة بالود والإخلاص والمواقف الإنسانية.
وُلد نجيب إلياس الريحاني في حي باب الشعرية بالقاهرة، وبدأ رحلته الفنية رغم توقفه عن الدراسة بعد البكالوريا، ليصبح أحد أبرز نجوم المسرح والسينما المصرية. أما سيد درويش، فقد وُلد في 7 مارس 1892 وتوفي في 15 سبتمبر 1923، ورغم عمره القصير لم يتجاوز 31 عامًا، ترك إرثًا موسيقيًا هائلًا، وأصبح صاحب التأثير الأكبر في الموسيقى المصرية في بدايات القرن العشرين.
في تسجيل صوتي نادر، تحدث الريحاني عن صداقتهما قائلاً: «كان متأثرًا ببيئته ونشأته في الإسكندرية، التي أثرت في تكوينه الفني والثقافي، فكان أكبر ملحني مصر في بدايات القرن العشرين، وأبو المسرح الغنائي، ولحن عديد من الأوبريتات. الله يرحمه كان روح حلوة على الأرض، كانت الحياة عليه حمل تقيل، وكان الموت مش بيغيب عن باله، حتى في مجال المرح والسرور، كانت الذكريات بينا فيها كل الوداد والإخلاص والتقدير، وفيها المشاحنات والخلاف والضحك والبكاء أيضًا».
وروى الريحاني موقفًا مؤثرًا بينهما: «كنا على خلاف كبير وصل للخصام، وصديق لنا يدعى محمد دعانا للصلح، فجلسنا نتعاتب، وفي ظل العتاب طفى النور، وظل يغني وسمعناه كأننا في عالم تاني، ولما ولع النور بصيت في وشه لقيت دموع منه، فنزلت دموعي أنا كمان معرفش ليه، وقولت له الحق عليا متزعلش، مع إن هو كان عليه الحق، وخرجنا حبايب ومسافة نص ساعة تانية، شبكنا في خناقة جديدة لكن بحُب».
ووجه الريحاني رسالة حب ومودة لموسيقار الشعب: «الله يرحمك يا سيد، كنت إنسان غير كل الناس، كنت بتنقلنا من عالم همدان إلى عالم كله نشاط وحيوية، كنت صاحب اللحن الرقيق، في الشوارع وإحنا ماشيين بقينا منسمعش غير الحلوة دي قامت تعجن في البدرية، وأنا بصوتي كان عاملي ألحان الناس تسمعني لدرجة إن أم كلثوم وعبد الوهاب، لو طلعوا ساعتها كنت هنافسهم، القوة والنشاط كانت في كلمات وألحان سيد درويش».
وأضاف الريحاني: «روحه كانت شفافة ورقيقة، كنت أأنس وأطمئن إليه، لأنه كان طفل بريء، فعلًا كان جميل النية يفرح بكلمة، ويحزن من كلمة سليم النية ويحب الصبح ويكره بالليل، أقدر أكلمكم عن سيد طول الليل، كنت بحبه حب لذاته، ولإعجاب بصوته، واهتمامه وفكره، كنت بعتز بيه جدًا».
تظل هذه الصداقة بين نجيب الريحاني وسيد درويش نموذجًا حيًا للوفاء والاحترام والإبداع المشترك، وتظهر جانبًا إنسانيًا لم يختفِ مع مرور الزمن، ليظل الريحاني رمزًا للكوميديا الذكية وللإنسانية في الفن، وسيد درويش موسيقار الشعب الذي ترك إرثًا خالدًا في تاريخ مصر.