من الشرق الأوسط إلى الداخل المصري.. خبراء سياسيون يوضحون أبرز رسائل الرئيس السيسي في منتدى دافوس 2026
جاءت كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي، اليوم في جلسة حوار خاص ضمن فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي المنعقد في مدينة دافوس السويسرية، لتتضمن عدد من الرسائل بشأن جهود الدولة لتحقيق التنمية الشاملة وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، وكذلك الشأن الإقليمي وخاصة القضية الفلسطينية مع إعلان بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة.
وأكد الرئيس أن القضية الفلسطينية، لا تزال تتصدر أولويات الاهتمام فى منطقة الشرق الأوسط إذ تمثل جوهر الاستقرار الإقليمى، وركيزة أساسية لتحقيق السلام العادل والشامل، معربا عن تقديره، لجهود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتزامه بوقف الحرب فى قطاع غزة، وما بذله من مساع لتخفيف المعاناة الإنسانية، التى أثقلت كاهل الشعب الفلسطينى الشقيق، على مدار أكثر من عامين.
وأكد ضرورة البناء على مكتسبات قمة شرم الشيخ، وتثبيت وقف إطلاق النار، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة؛ دون قيود مع الإسراع فى إطلاق عملية التعافى المبكر، وإعادة الإعمار فى مختلف مناطق القطاع، مجددًا التأكيد على أن مصر؛ انطلاقا من دورها التاريخى الراسخ فى دعم القضية الفلسطينية، لن تدخر جهدا، فى مواصلة الانخراط مع جميع الأطراف المعنية سعيا إلى إيجاد حل عادل وشامل ودائم لهذه القضية، يقوم على أساس حل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية، ويكفل إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، على خطوط الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها "القدس الشرقية".
رسائل كاشفة
وقال الدكتور حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية، إن كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الجلسة الحوارية في منتدى دافوس، اليوم، تناولت الكلمة عددًا من القضايا المهمة، سواء على المستوى المصري أو على المستوى الإقليمي، وبخاصة ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وكانت كاشفة وعكست بوضوح الحاجة الملحّة إلى مواجهة التحديات الاقتصادية الراهنة، وأكدت أهمية بناء شراكات بين الدول في ظل نظام عالمي يشهد مشكلات عميقة تتصل بإعادة تشكيله وتنظيم قواعده.
وأوضح "سلامة"، في تصريح لبوابة "دار الهلال"، أن الكلمة تناولت مسيرة الإصلاح الاقتصادي التي تشهدها مصر، والتي أشار إليها الرئيس مؤكدًا استمرارها، مضيفا أنه يُعد التقييم الإيجابي للتجربة الاقتصادية المصرية من جانب المشاركين في منتدى دافوس أحد الأسباب الرئيسية لدعوة مصر والمشاركة الفاعلة لها في هذا المحفل الدولي، وهو ما يعكس الثقة في مصر بوصفها مركزًا إقليميًا مهمًا وصاحبة تجربة اقتصادية رائدة.
ولفت إلى أن الرئيس أشار إلى دور القطاع الخاص، سواء على مستوى الدول أو على مستوى مصر في إطار وثيقة سياسة ملكية الدولة، بما يضمن تفعيل الدور الريادي للقطاع الخاص في الاستثمار، مضيفا أنه تعد هذه رسالة بالغة الأهمية لتشجيع المستثمرين الحاليين وجذب استثمارات جديدة، لا سيما في مجالات واعدة مثل الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الأخضر، والتغير المناخي، وحماية البيئة.
وأكد أن مصر تتمتع بمقومات جاذبة للاستثمارات، من بينها الاستقرار الأمني، وتوافر بنية تحتية متطورة، وتشريعات محفزة تحتاج باستمرار إلى مواكبة المستجدات، وهو ما يعكس استعداد الدولة للتعاون مع المستثمرين وأصحاب الشركات ومجتمع الأعمال، وهي رسالة مهمة على الصعيدين الإقليمي والدولي.
وأضاف أنه على المستوى الإقليمي، جرى التأكيد على ضرورة تنفيذ الاستحقاقات الواردة في المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، والتشديد على أن تحقيق التنمية لا يمكن أن يتم إلا في ظل توافر الأمن والاستقرار، مضيفا أن الرئيس أكد أهمية إنفاذ المساعدات الإنسانية للقطاع دون قيود، ودعم جهود إعادة الإعمار والتعافي المبكر والانسحاب الإسرائيلي، وتشجيع كل الجهود الرامية إلى تهدئة الأوضاع، واستعادة الحقوق الفلسطينية، ووقف العدوان وفقا لبنود الاتفاق المبرم بين الجانبين.
وأشار إلى أنه تزامن ذلك مع إعلان مصر قبول دعوة العضوية في مجلس السلام العالمي، التي كان قد وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، وتأكيدها دعمها لمهمة مجلس السلام في إطار المرحلة الثانية من الخطة الشاملة لإنهاء النزاع في غزة.
وشدد أستاذ العلوم السياسية على أن مشاركة مصر في المنتدى الاقتصادي تأتي في إطار تعزيز التعاون مع الدول المختلفة، خاصة في ظل انعقاد فعاليات مهمة على هامشه، من بينها اللقاء المرتقب بين الرئيس السيسي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، موضحا أن اللقاء يكتسب أهمية خاصة نظرًا لحساسية التوقيت الذي ينعقد فيه المنتدى، حيث يغلب الطابع الجيوسياسي على المشهد العالمي أكثر من الطابع الاقتصادي، إذ إن تنفيذ أي رؤى أو سياسات اقتصادية بات مرتبطًا بتحقيق الأمن والاستقرار.
وأشار إلى أن العالم، مع نهاية العام الأول من ولاية الرئيس ترامب، يشهد تغيرات جوهرية تمس قواعد النظامين الاقتصادي والسياسي العالميين، فضلًا عن التأثير على فاعلية عدد من المنظمات الدولية القائمة، وعلى رأسها الأمم المتحدة، ومن ثم، فإن لقاء الرئيسين السيسي وترامب يكتسب أهمية بالغة، في ظل الدور الإقليمي المؤثر لمصر، وثقلها السياسي، والعلاقات التاريخية التي تربطها بالولايات المتحدة، فضلًا عن تعدد الملفات الإقليمية والدولية التي لا يمكن معالجتها دون دور مصري فاعل، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، إلى جانب ملفات القرن الإفريقي، وليبيا، والسودان، والأمن المائي.
وأكد أن اللقاء يحظى بترقب واسع لما قد يسفر عنه من نتائج، في ظل ثوابت الموقف المصري الذي يقوم دائمًا على احترام القانون الدولي، ودعم المؤسسات الدولية، ورفض اللجوء إلى استخدام القوة أو تجاوز الشرعية الدولية.
تأكيد الالتزام بقواعد ومبادئ القانون الدولي
ومن جانبه، قال الدكتور رامي عاشور، أستاذ العلاقات الدولية، إن كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، تضمنت عددًا من الرسائل بشأن أهمية الالتزام بقواعد ومبادئ القانون الدولي، باعتبارها أداة رئيسية لضبط سلوك القوى الإقليمية التي تنتهك القواعد في منطقة الشرق الأوسط، موضحا أن المنطقة تعاني من تنافس حاد بين قوى إقليمية غير عربية تسعى إلى بسط نفوذها وتحقيق أطماع تاريخية، وفي مقدمتها إيران، وتركيا، وإسرائيل.
وأوضح "عاشور"، في تصريح لبوابة "دار الهلال"، أن إسرائيل تمثل الخطر الأكبر، في ظل تبنيها عقيدة «أرض الميعاد» واعتمادها على القوة العسكرية، مدعومة بدعم أمريكي واسع، مضيفا أن إسرائيل تمارس سياساتها من منطلق كونها الطرف الأقوى في ميزان القوى، وهو ما يشكل انتهاكًا صريحًا لقواعد القانون الدولي، حيث تُغلِّب منطق القوة على الشرعية الدولية.
وأضاف أن المطالبة بضغط المجتمع الدولي على إسرائيل تستوجب أولًا كشف الانتهاكات وفضح عدم التزامها بالقانون الدولي، وكذلك فإن نجاح هذا المسار يظل مرهونًا بوجود إرادة دولية حقيقية، أو دعم من قوى كبرى قادرة على فرض احترام قواعد النظام الدولي، إذ إن الاكتفاء بالمناشدات الأخلاقية لا يجدي نفعًا في مواجهة أطراف تعتمد على القوة العسكرية، ما لم يقترن ذلك بأدوات ردع فعالة.
ولفت إلى أن الرئيس شدد على أهمية تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، باعتبارها مدخلًا ضروريًا لتحقيق الاستقرار وكذلك إدخال المساعدات إلى القطاع دون قيود، وبدء خطط إعادة التعافي والإعمار.
أما على صعيد الشأن الداخلي، لفت عاشور إلى أن الكلمة تضمنت عددًا من الرسائل الموجهة إلى المستثمرين بشأن التنمية الشاملة في مصر وفرص الاستثمار الواعدة فيها، موضحا أن تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة يتطلب العمل المتكامل على ثلاثة محاور رئيسية، الأول تعزيز الاقتصاد الإنتاجي، مع التركيز على قطاع الصناعة بوصفه قاطرة التنمية، وهو ما يستلزم تطوير منظومتي التعليم والبحث العلمي.
وأضاف أن المحور الثاني يتمثل في محاربة الفساد، الذي يمثل أحد أخطر التحديات البنيوية، رغم الجهود المبذولة لتعزيز دور الأجهزة الرقابية، إذ تظل مواجهة الفساد بحاجة إلى عمل طويل الأمد وإرادة مستمرة، أما المحور الثالث، فيتمثل في ضرورة وجود رؤية استراتيجية واضحة لكل وزارة، مع ربط هذه الرؤية بآليات للمحاسبة والتقييم الدوري، بما يضمن قياس ما تحقق من أهداف خلال أطر زمنية محددة، مؤكدا أن إحداث نقلة اقتصادية حقيقية في مصر مرهون بتطبيقها بشكل جاد ومتزامن، بعيدًا عن الحلول الجزئية أو المؤقتة.