كنت محظوظاً أثناء عملي بمجلة الهلال عام 2000، كنت أشعر بسعادة خاصة عند الاطلاع على المقالات المكتوبة بخط اليد بالحبر الأسود وأحياناً بالقلم الرصاص المحدد بالموس.
لم تكن المقالات مجرد كلمات بل كانت قطعة فنية متكاملة، نقرأ فيها الخط قبل أن نقرأ المعنى، ونشعر بروح الكاتب قبل أن نفهم فكرته.
كنا نستمتع برسوم كبار الفنانين التشكيليين الفنانة سميحة حسنين، والفنان محمد أبو طالب، والفنان عفت حسني، والفنان حلمي التوني، كما كانت عناوين المجلة وخطوطها تُرسم على لوحات ضخمة، في زمن كان فيه الإخراج الصحفي عملاً إبداعياً لا يقل قيمة عن النص نفسه.
كانت كل مقالة تضم كنوزاً حقيقية خطوطاً أصلية لكبار الخطاطين على رأسهم الفنان محمد العيسوي، ولوحات فنية مرسومة خصيصا لخدمة النص، أما الكنز الأهم فكان داخل المقال ذاته، معلومات وتجارب وأفكار جمعها الكاتب خلال أكثر من عشرين يوما من البحث والقراءة والتأمل.
امتلكت الهلال آنذاك ثروة ورقية هائلة من أصول المقالات، ومخطوطات كاملة مكتوبة بخط اليد، لكن للأسف اندثرت معظم هذه الكنوز، ولم يبق شاهداً عليها سوى أعداد المجلة نفسها، التي أصبحت المصدر الأساسي والوحيد لذاكرة كاملة من الإبداع.
ومع مرور الوقت، بدأت التكنولوجيا تتسلل إلى عالمنا، فتحولت المقالات إلى نصوص مكتوبة بخط آلي يفتقر للروح والحياة، حروف صماء متشابهة بلا هوية.
فمن أسعده الحظ برؤية خطوط العيسوي أو إبراهيم بدر، لا يمكنه أن يستسيغ خطوط الآلة مهما بلغت درجة تطورها.
أتذكر إحدى الصحف العربية الكبرى حين كلفت الفنان محمد أبو طالب والفنان محمد العيسوي بتصميم خطوط خاصة وفريدة لها، في تجربة كنت أتمنى أن تتكرر، حيث تتعاون التكنولوجيا مع الفن لإنتاج عمل مشترك، لا أن يلغي أحدهما الآخر.
أنا لست ضد التطوير لكني ضد أن يمحو الجديد القديم، أو يتبرأ منه، ومن الثقافة والتاريخ، ننتقل إلى واقع الحياة العملية، حيث أرى يوميا وجوهاً كثيرة تحجرت عقولها، ترفض أي تحديث لمعلوماتها أو أدواتها، وجدت زميلاً يهدر وقته وطاقته ليذهب إلى مكان بعيد ويدفع مصروفات إضافية، لأنه لا يؤمن بالبنوك أو يخشى وسائل الدفع الإلكتروني.
ولي إحدى الصديقات التي كانت معترضة تماما على ثورة التكنولوجيا، ورفضت لسنوات شراء جهاز حديث بدعوى أنها لا تحتاج سوى خدمات محدودة.
وبعد سنوات طويلة من الإقناع دون مبالغة بدأت أخيراً في التعامل مع التكنولوجيا، بل وأصبحت تسألني عن خدمات أكثر تقدماً.
لكن الأعجوبة الحقيقية التي تضحكني اليوم، هي ثورة الخرائط الإلكترونية، ما زلت أُتفاجأ بعمال وأشخاص متعلمين يرفضون استخدام اللوكيشن يصرون على شرح العناوين بشكل عشوائي مربك، وكأننا ما زلنا نعيش في زمن العلامات الإرشادية البدائية جنب الشجرة، بعد القهوة، قبل الدكان، وسوبر ماركت فلان وكشف علان.
ياخونا هناك أشياء في مسار التطوير يمكن للإنسان أن يختار بينها، لكن هناك أشياء أخرى لا تحتمل الاختيار.
التعامل مع التكنولوجيا لم يعد رفاهية، بل ضرورة
ومن هنا، يصبح لزاما علينا زيادة جرعة التعليم التكنولوجي في جميع المراحل الدراسية، كل بما يتناسب مع عمره ومستواه، حتى لا نخرج أجيالاً تعيش في زمن غير زمنها، وتستخدم أدوات لم تعد صالحة للحياة الحديثة.
علموا أولادكم اللوكيشن، فالعالم لا ينتظر من يرفض التطور، بل يمر من أمامه ويتركه خلفه.