محمد الباز: الكاتب يضع القارئ منذ البداية أمام عتبة نصية واضحة ثم يقوده إلى دهشة محسوبة
استضافت قاعة ملتقى الإبداع، ضمن فعاليات الدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب، ندوة نقدية لمناقشة المجموعة القصصية «راوتر شيخ البلد» للقاص عاطف عبيد، والتي تطرح رؤية سردية معاصرة لتحولات القرية المصرية في ظل هيمنة التكنولوجيا، وأدارت الندوة الناقدة الدكتورة نانسي إبراهيم.
وشارك في مناقشتها كل من الباحث والروائي والأكاديمي الدكتور زين عبد الهادي، والكاتب والإعلامي الدكتور محمد الباز، حيث تنوعت القراءات النقدية بين الاجتماعي والأنثروبولوجي والسياسي، كاشفة عن عمق التجربة وتعدد مستوياتها الدلالية.
الدكتور محمد الباز، فأعرب في البداية عن سعادته بما قدمه عاطف عبيد للمكتبة العربية، مؤكدًا أنه تلقى المجموعة عبر أربعة مستويات من التلقي: الصديق المحب، والقارئ، والباحث، ثم الصحفي.
وأكد أن إحدى أهم ملامح المجموعة هي الجمع بين دهاء الفلاح ودهاء التكنولوجيا، موضحًا أن الكاتب يضع القارئ منذ البداية أمام عتبة نصية واضحة، ثم يقوده إلى دهشة محسوبة، حيث لا تأتي المفاجأة من الحدث وحده، بل من آليات التفكير التي تحكم الشخصيات.
وأشار إلى أن القرية في «راوتر شيخ البلد» ليست قرية متخيلة أو منقرضة، بل قرية موجودة الآن بكل تفاصيلها اليومية، من «منادي القرية» الذي يضع على لسانه حكمًا فلسفية ساخرة، إلى مشاهد مثل إعلان موت العمدة، أو المفارقات المرتبطة بالحياة والموت، حيث تختلط الحكمة الشعبية بالعبث، ويتحول الحدث البسيط إلى تأمل عميق في معنى السلطة والهيبة.
وأوضح أن الكاتب ينجح، من خلال القصص القصيرة والومضات السردية، في إيصال فكرة أن الحياة في جوهرها حظوظ، مستشهدًا بنماذج لشخصيات متعلمة تمتلك أدوات التكنولوجيا، لكنها لا تملك بالضرورة قدرة السيطرة على مصائرها، في مقابل فلاح بسيط يبدو أكثر فهمًا لمسارات الحياة.
وأكد أن المستوى الثاني من تلقي المجموعة يهم الباحثين، حيث يمكن اعتبارها مادة خام لدراسات اجتماعية وسياسية حول الريف المصري المعاصر، الذي لم يعد يشبه الريف الذي تقدمه السينما، ولا القرية الرومانسية القديمة، بل كيانًا متغيرًا يعيش داخل تناقضاته.
وأضاف أن الاستخدام الطبيعي للتكنولوجيا داخل النصوص، مثل المصاعد، وماكينات الصراف الآلي، والتطبيقات البنكية، يعكس وعيًا سرديًا بأن الأدوات لا تحمل قيمة في ذاتها، بل في طريقة استخدامها، مشيرًا إلى أن الإنسان الريفي لا يتعامل مع التكنولوجيا بوصفها معجزة، بل كوسيلة يمكن تطويعها وفق احتياجاته.
وفي المستوى الرابع، أوضح الباز أن التلقي الصحفي للمجموعة يكشف عن ذكاء بنائي واضح، حيث تبدأ القصص بشرط وتنتهي بدهشة، بلغة سهلة وسلسة لا تعيق القارئ ولا تثقله بالمصطلحات، حتى وإن استعانت بمفردات من البيئة الريفية، وهو ما يشكل –على حد تعبيره– نقلة في الكتابة عن الريف والفلاحين.
وأوضح أن عاطف عبيد لا يكتب عن الفلاح من الخارج، بل من داخل الحكاية، حيث يبدو جالسًا وسط شخصياته، يروي، ويسخر، ويتأمل، دون افتعال أو خطابية، موجهًا الشكر له على هذا العمل الذي يحمل قيمة أدبية وعلمية في آن واحد، ويستحق إعادة القراءة.