رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


معرض الكتاب الـ57.. «اختطاف أثينا» يفكك سرديات المركزية الأوروبية

1-2-2026 | 12:36


معرض القاهرة الدولي للكتاب الـ 57

همت مصطفى

شهد معرض القاهرة الدولي للكتاب ندوة فكرية لمناقشة كتاب «اختطاف أثينا» للكاتب والمفكر  والمستشار حسام العدلي، بحضور عدد من الأكاديميين والمثقفين، ناقشت الندوة الأبعاد الفكرية والتاريخية للكتاب، وما يطرحه من أسئلة شائكة حول المركزية الأوروبية وصناعة النسب الحضاري، وثقافة وحضارة اليونان،  وناقش الكتاب  الكاتب والناقد دكتور يسري عبدالله، ودكتور انتصار محمد،   وأدار الندوة  الإعلامي رجائي رمزي

اغتيال الهوية أم تغييب التاريخ؟ قراءة في سؤال اليونان داخل السردية الأوروبية

رجائي رمزي: الكتاب ينطلق من فرضية قابلة للنقد

وفي مستهل الندوة، رحّب الإعلامي رجائي رمزي بالحضور، ووجّه الشكر لإدارة الندوة والحضور الكريم، موضحًا أن كتاب «اختطاف أثينا» بدأ من فرضية أساسية تتعلق بمفهوم الحضارة اليونانية، ومنها انطلقت المحاور الأولى للكتاب.

وأكد «رمزي» أن الحديث عن الكتاب لا ينفصل عن فكرة أوسع تتعلق بما يُعرف بـ«المركزية الأوروبية»، والتي طفت على السطح مع نهاية العصر الاستعماري، وفرضت سرديات متعددة في النقدين الأدبي والسياسي.

وأوضح أن المؤلف لا يتعامل مع الفلسفة بوصفها مسلّمة، بل كفرضية قابلة للنقد، مشيرًا إلى أن «أثينا» في الكتاب ليست مجرد مدينة، بل رمز مركزي تم توظيفه داخل سردية أشمل.

وأضاف أن الباب الرابع من الكتاب يمثل مفتاحًا كاشفًا لمجمل أطروحات الكتاب، متسائلًا: «هل أثينا جزء أصيل من أوروبا، أم أن هذا التصنيف نتاج سردية استعمارية؟»، لافتًا إلى أن العصر الاستعماري الممتد لثلاثة قرون لم يكن مجرد مرحلة تاريخية، بل مشروعًا فكريًا متكاملًا.

وأشار إلى أن الكتاب يعيد النظر في الصورة الذهنية لليونان القديمة، من خلال تناول «الإلياذة والأوديسة»، باعتبارها رموزًا للحكمة والعقل، مؤكدًا أن فرضية الفصل التام بين اليونان والشرق تقوم على اعتبار البحر المتوسط حدًا فاصلًا، وهي فرضية يعمل الكتاب على تفكيكها علميًا، دون ادعاء مسلّمات، حيث «كل شيء قابل للنقد والبحث».

يسري عبد الله: تفكيك السرديات الجاهزة دون مسلمات

وفي مداخلة نقدية موسعة أكد  الدكتور يسري عبد الله أن كتاب «اختطاف أثينا» ينتمي إلى مسار فكري يسعى إلى تفكيك السرديات الجاهزة التي رسّخت لفكرة «تبييض التاريخ اليوناني» واعتباره تاريخًا أوروبيًا خالصًا.

وأوضح يسري عبد الله  أن مفهوم «الجين الحضاري» الذي يتناوله الكتاب، هو أحد الأدوات النقدية التي تكشف كيفية صناعة نسب حضاري يخدم تصورات أوروبية محددة، مؤكدًا أن «اختطاف أثينا» لا يطرح أحكامًا نهائية، بل يقدّم مادة علمية مفتوحة للنقاش والاختلاف.

يسري عبد الله: الكتاب يضرب معادلة راسخة في الوعي الغربي

 وأضاف الدكتور يسري عبد الله إن جوهر الكتاب يقوم على مساءلة المركزية الأوروبية بوصفها مركزًا معرفيًا وثقافيًا مهيمنًا، لا في رؤية الأوروبيين لأنفسهم فقط، بل في الصورة الذهنية التي يحاولون تمريرها عن الثقافات والأمم الأخرى.

وأوضح «عبد الله» أن أثينا في الكتاب ليست «مدينة عابرة» في التاريخ السياسي والإنساني، بل كيان رمزي جرى توظيفه ضمن ما وصفه بـ«السطو الحضاري على اليونان»، مؤكدًا أن الكتاب يفضح هذا السطو عبر تفكيك معادلات تبدو منطقية للعين غير الفاحصة.

وأشار إلى أن المؤلف ينجح في خلخلة قناعات راسخة دون أي مبالغة، مستندًا إلى وعي بالجدل السياسي والجغرافي في قراءة العلاقة بين السلطة والمعرفة، في مقاربة فكرية تتقاطع مع أطروحات الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو.

وأضاف أن الكتاب يلتقي فكريًا مع أفكار إدوارد سعيد حول «استشراق الشرق»، حيث يتم تقديم الشرق بوصفه طفوليًا ورجعيًا وبدائيًا، في محاولة لترسيخ صورة ذهنية محددة، لا لدى الغرب فقط، بل لدى الشرق نفسه.

وأكد د. يسري عبد الله أن «اختطاف أثينا» من الأعمال الفكرية المركبة التي تضع قدمًا في قراءة التاريخ، وأخرى في قراءة الواقع، خاصة مع لحظة صعود أوروبا الجرمانية، مشيرًا إلى أن الكتاب يعيد التأكيد على فكرة جوهرية مفادها أن اليونان جزء أصيل من عالم الشرق.

أربعة أبواب لإعادة قراءة التاريخ اليونان

وأوضح«عبد الله» أن الكتاب ينقسم إلى أربعة أبواب رئيسية، يتناول الثاني منها فكرة «السطو الحضاري» وصناعة النسب الأوروبي لليونان، بينما يناقش البابان الثالث والرابع الجغرافيا المسروقة لليونان، وموقعها الحقيقي بين الشرق والغرب، مختتمًا حديثه بأن الكتاب «ينتصر للعقل النقدي، ويقاوم منطق التزندق الفكري.

وقال الكاتب والمستشار حسام العدلي، مؤلف إن الأحداث الكبرى شكّلت المدخل الأساسي للكتاب، انطلاقًا من الوعي بما يُسمّى «المركز الحضاري الأوروبي»، الذي تشكّل عبر التاريخ والجغرافيا والأدب والسياسة، مشيرًا إلى أن ما جرى يمكن وصفه بـ«اغتيال الحضارة اليونانية» على يد القبائل الجرمانية.

وأوضح «العدلي» أن التحولات التي شهدتها مناطق ما وراء شرق نهر الراين، ومنها هولندا وبلجيكا، ومعركة غابة تويتوبورغ التي هُزم فيها الجيش الروماني، أسهمت في إعادة تشكيل الوعي الأوروبي، مؤكدًا أن الأساس الذي قامت عليه الحضارة الأوروبية لم ينبع من مركز مستقر، بل من فكرة «الفضاء اللامحدود» الذي عجزت الإمبراطوريات عن السيطرة عليه، في وأضاف أن التحالف بين «السيف والمعبد، والتاج والصليب» أسس لنمط من الدولة يقوم على العنف والقرصنة والبربرية والاغتيال، موضحًا أن الفترة الممتدة من عام 800 ميلادي حتى 1450 شهدت انفجارات كبرى في التاريخ الأوروبي، شملت الحروب مع قبائل الهون (التتار والمغول)،ــ مجموعة من الرعاة الرحل الذين ظهروا في القرن الرابع الميلادي، وعاشوا في آسيا الوسطى والقوقاز وأوروبا الشرقية ظل قبائل متفرقة ومتصارعة ـ  و كذلك حروب القسطنطينية، وحرب المئة عام، وهي صراعات أنجبت مفكرين تشكّل وعيهم داخل هذا المناخ الدموي، وغذّتها حالة من التضاد الديني الحاد.

وأشار«العدلي» إلى أن «المنطقة الدافئة الوسطى» التي شكّلت مركز التوازن الحضاري كانت أثينا، لافتًا إلى أن الحضارة الرومانية لم تُنتج فكرًا فلسفيًا خالصًا بقدر ما سيطرت عسكريًا على اليونان، وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول كيفية رؤية أثينا داخل «المرآة الأوروبية».

وتوقف «العدلي»  عند أطروحات  الباحث والمفكر الأمريكي، مارتن برنال في كتابه «أثينا السوداء»، والذي  يتناول تاريخ الأغريق القدماء من منطلق مغاير للمعتاد عند المؤرخين المعاصرين، وخاصة ما يتعلق بفكرة «النموذج الآري»، التي ادّعت أن أوروبا هي المؤسسة الأولى لكل حضارات العالم، المصرية واليونانية على السواء، معتبرًا أن هذا الادعاء لم يستمر طويلًا مع اكتمال وتشبع العالم حضاريًا.

وأوضح أن هذا المسار الفكري مهّد، في السياق الألماني تحديدًا، لظهور الفكر النازي، الذي لم يكن منبتًا عن الفكر الأوروبي القديم، بل تطورًا داخليًا له، ساهمت في تشكيله الأفكار اللوثرية، حتى نهاية العصر الاستعماري.

وأكد «العدلي» أن مفكرين مثل مارتن برنال وإدوارد سعيد أسهموا في تفكيك فكرة المركزية الأوروبية، إلى جانب أطروحات فلسفية سبقتهم عند مفكرين كبار مثل جان جاك روسو، كانوا يرجون للمركزية الأوربية ، مشددًا على أن الكتاب يسعى إلى قراءة هذه المسارات بوصفها منظومة فكرية متكاملة، لا أحداثًا معزولة.

أثينا المكمّمة بالصمت: حين تتحول الحضارة إلى ذكرى سياحية

وقالت الدكتورة انتصارمحمد  أستاذ التاريخ بجامعة العريش:  إن كتاب «اختطاف أثينا» لا يكتفي بتفكيك التاريخ على مستوى المضمون، بل يقدّم ذلك بصريًا من خلال غلافه، الذي يحمل دلالات واضحة على «تعليب التاريخ» وإعادة تقديمه في صورة جامدة ومؤطرة،  وأوضحت أن رأس التمثال المقطوع، مع وضع عنوان الكتاب على موضع الفم، يشير إلى إسكات صوت أثينا ومحو خطابها الحضاري، بينما يعكس «اللون الأحمر»   للغلاف معنى العنف والاغتيال الرمزي للتاريخ.

 وأضافت أن الرمز الرقمي (QR Code) على الغلاف يؤكد أن التاريخ لم يعد يُروى في سياقه الطبيعي، بل يُعاد إنتاجه وتغليفه وفق سرديات جاهزة تخدم رؤية بعينها.

 «أين اليونان؟» سؤال الهوية في قلب «اختطاف أثينا» 

وتساءلت الدكتورة انتصار محمد ، عن موقع اليونان داخل هذه الإشكالية، قائلة: «أين تقف اليونان من كل ما يجري، في ظل الأزمات السياسية والاقتصادية المتلاحقة؟ وهل تحوّلت إلى مجرد مزار سياحي أو منطقة تاريخية تنظر إليها أوروبا بوصفها مقصدًا سياحيًا لا أكثر؟.

وأضافت أن أوروبا، في تصورها، قامت بتهميش اليونان داخل سرديتها الحديثة، متسائلة عن معنى الانتماء الذي جرى التفريط فيه، مشيرة إلى أن اليونان تخلّت، أو أُجبرت على التخلي، عن ارتباطها العميق بالحضارة الشرقية، وفقدت دورها بوصفها فاعلًا حضاريًا، لتصبح «مفعولًا به» داخل التاريخ الأوروبي الحديث الذي همّشها ولم يعترف بثقلها الحقيقي.

وأوضحت الدكتورة انتصار أن هذا الواقع يطرح أسئلة كبرى، سواء على مستوى القضية العامة أو الخاصة، مؤكدة أنها لم تجد، من خلال القراءة والتحليل، ما يشير إلى حضور حقيقي لفكرة الانتماء أو السعي للحفاظ على الهوية الحضارية لليونان.