رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


«الكتابة عن القاهرة من منظورات مختلفة».. ندوة تبحث تحولات المدينة بين الذاكرة والخيال والواقع المعاصر

1-2-2026 | 10:30


جانب من الندوة

ضمن فعاليات محور «تجارب ثقافية» في الدورة السابعة والخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، استضاف الجناح الروماني بقاعة (3) ندوة بعنوان «الكتابة عن القاهرة من منظورات مختلفة»، بمشاركة عدد من الكتّاب الذين قدّموا رؤى متباينة للمدينة بوصفها فضاءً سرديًا مفتوحًا على التحول، والذاكرة، والخيال، والواقع الاجتماعي المتغير.

 

شارك في الندوة كل من الكاتب ياسر عبد اللطيف، والكاتب محمد خير، والكاتبة هدى عمران، وأدارت النقاش الدكتورة دينا حشمت، الأستاذ المشارك بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وسط حضور لافت من جمهور المعرض، الذي تفاعل مع الندوة بوصفها قراءة مفتوحة في صورة القاهرة كما انعكست في الأدب والسينما والوعي الجمعي.

 

القاهرة بين السينما والذاكرة الشخصية

وفي مداخلته، توقف الكاتب ياسر عبد اللطيف عند التأثير العميق للسينما في تشكيل وعيه بالقاهرة، مشيرًا إلى أن أعمال مخرجين مثل محمد خان وخيري بشارة لم تكن مجرد خيال فردي، بل تعبيرًا بصريًا عن خيال جيل كامل ارتبط بأدب الستينيات، واستند إلى نصوص أدبية راسخة، مثل أعمال نجيب محفوظ وعبد الحكيم قاسم.

 

وأوضح عبد اللطيف أن القاهرة التي حضرت في أفلام مثل «ضربة شمس» و«الحريف» لم تكن مجرد خلفية، بل شخصية قائمة بذاتها، خاصة في مناطق وسط المدينة وميدان التحرير وباب اللوق، وهي أماكن ارتبطت بذاكرته الشخصية والتعليمية، ما جعل رؤيتها على الشاشة تجربة ملهمة ومشحونة بالمشاعر.

 

وأضاف أن اهتمام بعض المخرجين بالجغرافيا والمكان اختلف عن آخرين ركزوا على القضايا الاجتماعية، معتبرًا أن جيل الستينيات امتلك حساسية بصرية وجسدية خاصة تجاه المدينة، انعكست في السينما والأدب معًا.

 

متحفة القاهرة.. رفض بلا قطيعة

وتناول ياسر عبد اللطيف فكرة «متحفة المدينة»، متوقفًا عند القاهرة الفاطمية في أدب نجيب محفوظ، ومشيرًا إلى أن بعض مناطق القاهرة القديمة لم تحظَ بالتمثيل أو «التمتحف» بالقدر نفسه الذي حظيت به مناطق مثل خان الخليلي، وأكد أنه ينظر بحذر متعاطف إلى تحولات وسط البلد وقصر النيل وشارع طلعت حرب، رافضًا فكرة التمتحف الجامدة، دون اتخاذ موقف عدائي من التحولات الجديدة، معتبرًا أن المدينة كائن حي لا يُختزل في صورة واحدة.

 

القاهرة المحفوظية في مواجهة قاهرة ما بعد السبعينيات

وقدّم الكاتب محمد خير قراءة مختلفة لعلاقة جيله بالقاهرة، موضحًا أن نجيب محفوظ ألهم أجيالًا كاملة، لكنه في الوقت نفسه قدّم «قاهرة متحفية» بالنسبة لجيل وُلد بعد الانفجار السكاني في السبعينيات، مشيرًا إلى أن أبناء هذا الجيل نشأوا في أطراف المدينة، مثل عين شمس والزيتون والحلمية، وشهدوا قاهرة نصفها شعبي ونصفها عشوائي، تختلف جذريًا عن قاهرة وسط البلد الكلاسيكية.

وأوضح خير أن ارتباطه لاحقًا بوسط البلد فتح له مساحات جديدة للتأثر بكتّاب مثل خيري شلبي، وعاطف الكاني، وعلاء الديب، معتبرًا أن الكتابة عن القاهرة لم تعد مجرد استلهام، بل اشتباكًا مع مدينة متغيرة ومعقدة.

«مرحلة النوم».. مدينة متخيلة وأسئلة المستقبل

وتوقف محمد خير عند روايته «مرحلة النوم»، التي قدّم فيها تصورًا لمدينة مستقبلية تبدو خضراء ومنظمة ظاهريًا، لكنها تخفي تناقضات عميقة، وأوضح أن بطل الرواية يخرج من السجن ليجد القاهرة وقد تغيّرت بشكل جذري، فيواجه سؤالًا وجوديًا حول مكانه في هذه المدينة الجديدة، ولمن تُعاد صياغة القاهرة حين تُستعاد أو «تُجمّل».

 

وأكد أن الرواية لا تقدم ديستوبيا مباشرة، بل تطرح تساؤلات حول الانشغال بالصورة الجمالية للمدينة، مقابل واقع بيئي واجتماعي لم يتغير جذريًا، مشيرًا إلى أن التحولات العمرانية غالبًا ما تُدار وفق مخططات مستقبلية لا يشارك فيها سكان المدينة فعليًا.

الوعي الجندري والبيئي في كتابة المدينة

وفي إدارتها للنقاش، فتحت الدكتورة دينا حشمت ملف الوعي الجندري والبيئي في الكتابة عن المدن، مؤكدة أن هذه الأسئلة لم تعد رفاهية، بل أصبحت جزءًا أصيلًا من السرد المعاصر، مشيرة إلى أن اللغة نفسها تخضع لتحولات، وأن الكتابة باتت مطالبة بمراعاة حساسية النوع الاجتماعي، والبيئة، والعلاقة بين الإنسان والمكان.

وتحدثت عن التدهور البيئي في المدينة بوصفه انعكاسًا مباشرًا للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، مؤكدة أن الوعي البيئي يتشكل تدريجيًا في الأدب، تمامًا كما تشكّل الوعي الجندري من قبل، دون افتعال أو خطاب مباشر.

السينما والأدب.. خرائط متعددة للقاهرة

واختُتمت الندوة بنقاش حول تأثير السينما على تخيّل القاهرة في الكتابة الأدبية، حيث أشار المتحدثون إلى تجارب مخرجين مثل عاطف الطيب وداوود عبد السيد، الذين قدّموا صورًا واقعية وفلسفية للمدينة، عكست تناقضاتها وقسوتها اليومية.

وأكد المشاركون أن القاهرة لم تعد مدينة واحدة، بل مدن متعددة داخل مدينة واحدة، وأن الكتابة عنها اليوم تواجه تحديًا كبيرًا في ظل تسارع التغيرات، وهو ما يدفع كثيرًا من الكتّاب إلى اللجوء إلى القاهرة المتخيلة أو التاريخية، هربًا من صعوبة الإمساك بلحظة المدينة الراهنة.