أم كلثوم.. صوت خلد التاريخ وروح الموسيقى العربية
من قلب الريف المصري، وعلى أنغام التواشيح والأناشيد الدينية، انطلقت رحلة أم كلثوم، صوت لم يعرف الزمن حدودًا، وشخصية صنعت التاريخ الفني في مصر والعالم العربي، موهبتها الفطرية، وقوة شخصيتها، جعلاها تتحول من طفلة تغني في البيت إلى كوكب الشرق الذي أضاء المسرح العربي، وجعل الغناء رسالة وطنية وإنسانية في آن واحد. حكاية أم كلثوم ليست مجرد قصة نجاح، بل ملحمة عن الإبداع، الانضباط، والصمود أمام التحديات، وعن قدرة الفن على تشكيل الهوية والثقافة.
ولدت أم كلثوم في بيئة ريفية بسيطة بمحافظة الدقهلية، لكن موهبتها الفطرية وشخصيتها القوية سرعان ما ارتقت بها إلى القمة الفنية، لتصبح أيقونة موسيقية خالدة. بدأت رحلتها الفنية في صغرها بالغناء للتواشيح والأناشيد الدينية مع أشقائها داخل المنزل، قبل أن يكتشف والدها موهبتها ويشجعها على تطويرها. وفي خطوة فارقة، نصحها الشيخ ذكريا أحمد بالانتقال إلى القاهرة، حيث أحيت أولى لياليها في قصر عز الدين يكن باشا، وحصلت على خاتم ذهبي وثلاثة جنيهات مكافأة لها، لتبدأ بذلك رحلة نحو الشهرة التي لا تعرف الحدود.
مع استقرارها في القاهرة، بدأت أم كلثوم إحياء حفلات كبار القوم، ولفتت الأنظار إليها كبار المطربات في عصرها، وعلى رأسهن منيرة المهدية، التي كانت تُلقب بـ"سلطانة الطرب". وخلال تلك الفترة تعرفت على الشاعر أحمد رامي عام 1924، بعد أن أدهشته بأدائها لأغنية "الصب تفضحه عيونه"، لتبدأ بينهما شراكة فنية أسست لأحد أعظم التعاونات في تاريخ الغناء العربي. أما البداية الحقيقية للنجومية فكانت مع الملحن محمد القصبجي، الذي اكتشف عبقرية صوتها ورافقها في تشكيل هويتها الموسيقية، فيما كان أحمد صبري النجريدي أول من لحّن لها ألحانًا خاصة، لكنه لم يستمر بسبب اختلافه مع أسلوبها الفني المتطور، فيما غادرت أم كلثوم العادات التقليدية في الملبس لتظهر بمظهر عصري بعد رحيل مرشدها الروحي أبو العلا محمد.
ولم يقتصر عطاؤها على الحب والغرام، فقد حملت أم كلثوم رسائل وطنية في أعمالها، وشاركت بحفلات خيرية لدعم المجهود الحربي أثناء النكسة، لتجمع بين الإبداع الفني والوطنية الصادقة. ومن أشهر أغانيها: "حق بلادك"، "مصر التي في خاطري وفي دمي"، "شمس الأصيل"، "بعد الصبر ما طال"، "بأبي وروحي"، "ألف ليلة وليلة"، "النيل"، "سيرة الحب"، "الحب كده"، و"صوت بلدنا"، وغيرها الكثير التي رسخت مكانتها كرمز فني خالد.
وحظيت أم كلثوم بتكريم واسع على مدار حياتها، إذ نالت العديد من الأوسمة والقلائد، أبرزها قلادة النيل من الرئيس جمال عبد الناصر، وأوسمة الأرز الوطني من لبنان، والاستحقاق السوري، والكفاءة الفكرية من المغرب، والامتياز الباكستاني، ونوط الجمهورية التونسية، إضافة إلى ميدالية أسبوع تسليح القوات المسلحة المصرية 1955، ومفتاح مدينة طنطا. وتُعرض هذه الجوائز في متحفين يحملان اسمها في منطقة الزمالك ومنيل الروضة، لتبقى شاهدة على مسيرة فنية وإنسانية لا تُنسى.