رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


الصوفية.. محطات في سيرة الست

3-2-2026 | 12:12


حاتم رضوان ,

بين الغناء والصوفية وشائج روحية عميقة، يعتبره المتصوفة رقية القلب، وطريقًا للتقرب من الله، وتعبيرًا رهيفًا عن الحب الإلهي. لا تخلو حلقات الذكر -الحضرات- والموالد والاحتفالات الدينية من الإنشاد والمناجاة وترديد الأشعار الصوفية، يتخذونه وسيلة لتجاوز الذات والعالم المادي، من أجل الوصول إلى أسمى درجات التجلي الروحي.

يعد المتصوفة هم أصل صناعة الغناء المصري الحديث، تأليفًا وتلحينًا وطربًا. آمنوا بدور الموسيقى في تثقيف الأرواح وتغذية القلوب، قامت مجالسهم على الغناء، يصدحون بكلمات أشعار صوفية، تفيض بالعاطفة والأشواق للمحبوب – الله – تبعًا لمعتقدهم في الاتحاد والحلول ووحدة الوجود.

لقد كانت مجالس الذكر الصوفي والإنشاد الديني أهم مدرسة تخرج فيها أساطين الغناء المصري من مغنين ومطربين أمثال عبده الحامولي، ومحمد عثمان، وسلامة حجازي، ويوسف المنيلاوي، وسيد درويش، وصالح عبد الحي، حتى إن لقب شيخ سبق اسم معظمهم، وفي هذه المدرسة تخرجت الست: أم كلثوم.

ارتبطت الست بالصوفية من قبل أن تولد في ليلة القدر وحتى رحيلها، لتترك الصوفية أثرًا واضحًا على محطات كثيرة من حياتها وتاريخها الغنائي.

رأى والدها الشيخ إبراهيم البلتاجي، مؤذن مسجد طماي الزهايرة ومنشدها في المناسبات الدينية، سيدة يشع من وجهها النور، أهدته لفافة خضراء، داخلها شيء يلمع، يخطف بريقه الأنظار، وقالت له: هذه وش السعد عليك، حافظ عليها. وذكرت له أنها أم كلثوم بنت النبي. أفاق بعدها على صوت شقيقه عبد النبي: مبروك يا شيخ إبراهيم.. الست أم خالد ولدت بنت زي القمر، ليختار اسم أم كلثوم صاحبة البشارة اسمًا لها.

نشأت أم كلثوم في بيئة تكتنفها الأجواء الدينية والصوفية، فوالدها حافظ للقرآن، مؤذن ومنشد ديني، ألحقها بكتاب القرية، فحفظت القرآن الكريم وأتقنت تلاوته، وحرصت من صغرها على الصيام. كانت تراقب أباها وهو يحفظ أخاها خالد القصائد الدينية وتقلده، وفي أحد الأيام ضبطها متلبسة بتقليده، ليكتشف موهبتها، ويصطحبها معه في الأعراس والموالد والمناسبات الدينية.

تربت أم كلثوم في مدرسة الإنشاد الصوفي، وأصبحت المنشد الرئيس في فرقة أبيها، تلبس العقال وتتخفى في ملابس الأولاد، منشدة ما حفظته من تواشيح وقصائد دينية مثل نهج البردة، وبعض القصائد من تأليف أبيها الشيخ إبراهيم البلتاجي، أشهرها قصيدة "من الله نرجو الغفران"، لتتعدى شهرتها قرية طماي الزهايرة إلى القرى والمراكز والمدن المجاورة، بل وبعض المحافظات، حتى وصلت القاهرة، حين غنت فيها للمرة الأولى في قصر عز الدين بك يكن بحلوان احتفالًا بليلة القدر.

لقد كان لهذه النشأة الدينية وحفظ القرآن وقصائد المديح النبوي بالغ الأثر في تكوين شخصية أم كلثوم الفنية، والتحكم في مخارج الحروف، وإجادتها نطق اللغة العربية الفصحى، مما مكنها من ارتجال كلمات تغنت بها في الحب الإلهي وهي بعد لم تتجاوز سن الخامسة عشرة:

تبارك من تعالى في علاه .. يقول للعبد اطلبني تجدني

أنا المطلوب فاطلبني تجدني .. وإن تطلب سواي لن تجدني.

وموشح في مديح رسول الله صلى الله عليه وسلم:

صلِّ يا رب وسلم .. على النبي بدر التمام

يا حبيبي يا محمد .. أنت مصباح الظلام.

تعرفت أم كلثوم على الشيخ أبي العلا قبل أن تلتقيه، كانت تستمتع وتعيش مع أغانيه، تتردد من فونوغراف العمدة: "أفديه إن حفظ الهوى أو ضيعا"، و"وحقك أنت المنى والطلب"، و"غيري على السلوان قادر". تقول في مذكراتها: كان الفونوغراف يسكت، ولكن صوت الشيخ أبي العلا يستمر يغني في أذني، وكان أطفال القرية يرددون أغنية "أنا نازلة أدلع أملى القلل". أما أنا فكنت أعيش مع أغاني الشيخ أبي العلا.

الشيخ أبو العلا محمد هو صاحب أهم محطة في تاريخ أم كلثوم، وصاحب الفضل الأكبر عليها، معلمها وأستاذها وقدوتها، أول من لحن لها، علمها كيف تتذوق الشعر، وكيف تحس بالكلمة قبل أن تغنيها.

تقول أم كلثوم إنه جعلها تغني بقلبها وإحساسها. استمرت معه في بدايات انتقالها إلى القاهرة على الطريق نفسه، المدرسة المحافظة في الغناء والإنشاد الديني والصوفي. فالشيخ أبو العلا أحد رواد تلحين القصائد لأعلام التصوف المصري أمثال ابن النبيه المصري، وابن الفارض، والبهاء زهير، والإمام الشبراوي شيخ الأزهر. أعادت أم كلثوم بعض ألحانه التي سبق وغناها مثل أغنية "غيري على السلوان قادر"، إضافة إلى بعض الأغاني التي لحنها خصيصًا من أجلها.

وكان الشيخ أبو العلا محمد السبب الأول والجسر الذي انتقلت عبره أم كلثوم من الإنشاد الديني إلى الغناء العاطفي، لحن لها قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي "وحقك أنت المنى والطلب"، وكذلك كان سببًا في معرفتها بشاعر الشباب أحمد رامي، لتنطلق أم كلثوم في مسيرتها الفنية في الغناء العاطفي والوطني، لكنها لم تغفل عشقها الأول وسبب شهرتها: الغناء الصوفي، لتتوقف كل فترة عند أحد محطاته.

في عام 1946 كانت مصر تحت سيطرة الاحتلال البريطاني، وبلغت كراهية الشعب للإنجليز مداها، فتحينت أم كلثوم الوقت، والتقطت بفطرتها المناسبة، فاختارت 21 بيتًا من أصل 71 بيتًا من قصيدة أحمد شوقي "سلوا قلبي"، المعروفة أيضًا باسم "في ذكرى المولد النبوي". أبدع رياض السنباطي في تلحينها، خاصة البيت الذي رددته أم كلثوم بقوة وشموخ وإباء:

"وما نيل المطالب بالتمني .. ولكن تؤخذ الدنيا غلابا".

انفعل الجمهور معها، مطالبين بزوال الاحتلال، ليتجاوز صدى هذا التفاعل مصر إلى البلدان العربية المحتلة. لقد وظفت هنا أم كلثوم الغناء الديني ليلعب دورًا جاوز معانيه المعتادة إلى مدى أرحب، يشمل الدور الوطني.

وفي العام نفسه 1946 غنت أم كلثوم قصيدة أحمد شوقي "نهج البردة" من ألحان رياض السنباطي، الذي وصف صوتها في أداء الأغنية بالصوت السماوي. دفع اللحن حس أم كلثوم المرهف وروحها الشفافة إلى البكاء عندما استمعت للحن في المرة الأولى. لقد لامست "نهج البردة" أرواح المستمعين ببعدها الإيماني والصوفي، وروحانية كلماتها وجمال موسيقاها. تنقل فيها السنباطي بين مقامات السيكا والحجاز والبياتي، في تقنية تطرب لها الآذان، مستخدمًا آلات مثل الناي والدفوف والمزاهر، لتخلق جوًا روحانيًا يحلق عاليًا في السموات. لقد قرّب أداء أم كلثوم المتمكن من نطق اللغة الفصحى كلمات القصيدة إلى جمهورها، فتفاعلوا معها، حتى إنها عندما وصلت إلى الشطر الذي تقول فيه: "بلغت سماء لا يطال لها"، ضجت القاعة بالتكبير والتهليل، وكأن الجمهور قد أصابه الجنون، يستحثونها على تكرارها، وكانت في كل مرة تبدع في غنائها بطريقة مختلفة عن سابقتها.

ننتقل إلى محطة أخرى: الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف عام 1949 في حفل أقيم في النادي الأهلي، شدت فيه أم كلثوم بأغنية "ولد الهدى"، وهي أبيات اختارتها من قصيدة شوقي "الهمزية النبوية"، بالتحديد 34 بيتًا من أصل 129 بيتًا ملحميًا في مديح الرسول صلى الله عليه وسلم. انتقتها بدقة، وأضفى عليها السنباطي بلحنه طابعًا مهيبًا، لتصبح من أهم الأغاني التي تبثها الإذاعة في الاحتفالات الدينية كل عام. في هذه الأغنية اصطدمت أم كلثوم بالقصر الملكي، الذي أبلغها مبعوثه قبل تسجيلها للقصيدة أن جلالة الملك فاروق يطلب منها حذف البيت الذي تقول فيه: "الاشتراكيون أنت إمامهم .. لولا دعاوي القوم والغلواء"، لاعتقاده أنها تروج للاشتراكية. هددت أم كلثوم بإلغاء التسجيل، وأصرت على بقائه، ليتراجع القصر عن طلبه.

وفي عام 1950 عاشت أم كلثوم تجربة صوفية مميزة مع رباعيات الخيام للشاعر الفارسي عمر الخيام، ترجمها عن الفارسية الشاعر أحمد رامي، وقام بتغيير بعض كلماتها لتناسب الذوق العام من عادات وتقاليد. القصيدة في مجملها مجموعة من التأملات الروحية والوجودية، تتناول تساؤلات عن الحياة والموت وقهر الزمن، والعدالة، والصدق، والزهد، والبحث عن الخلاص. لحنها السنباطي من مقام الراست بما يحمل من بعد صوفي وروحاني، يدعو للتأمل والسكينة، وأبدعت أم كلثوم في غنائها، وخاصة خاتمتها:

يا عالم الأسرار علم اليقين

وكاشف الضر عن البائسين

يا قابل الأعذار عدنا إلى

ظلك فاقبل توبة التائبين.

وفي عام 1951 أعادت أم كلثوم غناء قصيدة أحمد شوقي "إلى عرفات الله"، سبق وغنتها المطربة نجاة علي. كتبها شوقي اعتذارًا للخديوي عباس عن عدم مرافقته له في الحج. أدخلت عليها أم كلثوم بذكائها عددًا من التعديلات، أكسبت القصيدة بعدًا أكثر بلاغة وعمقًا، لتتجاوز بالقصيدة من مجرد الغناء المخصص من أجل فرد إلى مخاطبة جميع الحجاج. مثلًا غيرت "يا ابن محمد" إلى "يا خير زائر"، و"أرى الناس أصنافًا" إلى "أرى الناس أفواجًا"، و"وفاضت مع الدمع العيون" إلى "وفاضت من الدمع العيون". لقد غيرت أم كلثوم وجه الإنشاد الديني، وارتقت به إلى مرتبة من الطرب الراقي المليء بالأحاسيس الصوفية الجياشة، جعلها شخصيًا تبكي تأثرًا بالكلمات وألحان السنباطي المغرقة في الصوفية، لاشتياقها إلى مشاعر الحج ومناسكه، حيث إنها لم تتمكن من أداء فريضته، مكتفية بعمرة وحيدة في حياتها.

وفي محطة من أهم محطاتها الصوفية جسدت أم كلثوم عام 1963 حياة سيدة العاشقين، الناسكة والمتصوفة رابعة العدوية، في ست قصائد أو أغنيات من تأليف طاهر أبو فاشا، أدتها بصوتها كمؤدية ومغنية في الأوبريت، ثم بعد ذلك في الفيلم دون ظهورها. وهذه الأغنيات هي: طيري يا حمامة، ويا نور النبي، والرضا والنور، ويا ليل يا عين، وحانة الأقدار، وعلى عيني بكت عيني. وكان لحن محمد الموجي لأغنية "الرضا والنور" لافتًا، تعدى وقار الموسيقى الصوفية إلى مساحات أرحب من الفرح الصاخب، كسر به التقاليد المعتادة للغناء الديني، وكان أقرب لموسيقى الفلامنجو الراقصة، ما نلمسه في مقطع: "والمنى قطوف في السما تطوف"، وكأن حوريات الجنة يستقبلن رابعة العدوية بالدفوف والمزاهر.

وفي حفل أقيم على مسرح سينما قصر النيل في 1 يونيو 1967، وقبل الهزيمة بأيام قليلة، غنت أم كلثوم "حديث الروح" للفيلسوف والمفكر الإسلامي والشاعر الباكستاني محمد إقبال، ترجمها عن الأردية الدكتور محمد الأعظمي، ونظمها شعرًا الشيخ الصاوي شعلان. الأغنية مزيج من الشعر الفلسفي والغناء الصوفي، مناجاة بين الروح الإنسانية والذات الإلهية. وجد فيها الجمهور العربي صدى لتحديات العصر، وشعوره بالوحدة والفقد، ورغبته في استعادة أمجاد الماضي. ولمس السنباطي في لحنه عمق الفلسفة والروحانية في كلماتها ببراعته المعهودة، ليخرج لنا لحنًا فريدًا.

أما درة أغانيها الصوفية ومسك الختام، فأغنية بيرم التونسي "القلب يعشق كل جميل"، كتبها بالعامية المصرية عن تجربة تأديته مناسك الحج، لحن عذب رقيق ومتدفق للسنباطي، يلمس أوتار القلوب. لحن ذو إيقاع سريع مرح، يجمع بين الجلال والشجن، مع البهجة والفرح. طوّع له الآلات الموسيقية من أجل إبراز هيبة وجلال الكلمات، وخاصة آلة القانون بما لأنغامها من شجن وروحانية. أغنية "القلب يعشق كل جميل" بالفعل كانت مسك الختام، غنتها أم كلثوم في آخر ظهور لها على المسرح عام 1972، وما زالت كلماتها تتردد في أذني:

"أنا اللي أعطيتك من غير ما تتكلم

وأنا اللي علمتك من غير ما تتعلم

واللي هديتك إليك

لو تحسبه بإديك

تشوف جمالي عليك

من كل شيء أعظم."