طهران - واشنطن.. إلى أين يتجه التصعيد الأمريكي ضد إيران؟
انتقل الوضع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران من حالة التأهب العسكري، التي شهدت تحريك السفن وتجهيز الأسلحة والقوات، إلى طاولة المفاوضات، حيث تتصدر الدبلوماسية المشهد على حساب الخيار العسكري، ما يقلص بشكل مؤقت احتمالات اندلاع حرب في المستقبل القريب.
ويأتي هذا التطور بعد نحو شهر من التلويح المتكرر للرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، باستخدام القوة العسكرية ضد طهران في حال لم تتفاوض بشأن برنامجها النووي، في وقت شهدت فيه المنطقة تعزيزًا للوجود العسكري الأمريكي، بما في ذلك إرسال حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن".
مفاوضات في إسطنبول
وتنعقد في مدينة إسطنبول التركية، يوم الجمعة المقبل، أول جولة من المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني، بعد حرب "الأيام الـ12" في يونيو الماضي.
جاء ذلك بحسب ما ذكره موقع "أكسيوس" الأمريكي، إذ كشف أن المبعوث الأمريكي الخاص إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، سيلتقي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في إسطنبول يوم الجمعة القادم، لبحث إمكانية التوصل إلى اتفاق نووي.
كذلك، أكدت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية أن من المتوقع أن يناقش المبعوث الأمريكي ووزير الخارجية الإيراني اتفاقًا نوويًّا يوم الجمعة في إسطنبول بهدف تجنب وقوع هجوم عسكري أمريكي على إيران.
وفي هذا الإطار، أكد ترامب رغبته في التوصل إلى اتفاق مع إيران بشأن برنامجها النووي، حاثًا طهران على التوصل إلى اتفاق حتى لا تؤول الأمور إلى الأسوأ.
وقال ترامب: "أرغب في التوصل إلى اتفاق مع إيران. نحن نتفاوض حاليًا مع طهران. إذا تمكنا من التوصل إلى اتفاق، فسيكون ذلك جيدًا للغاية، وإذا لم نتمكن، فربما تحدث أمور سيئة"، حسب قوله.
ترامب لم يتوقف عن تهديد طهران في سياق تلويحه المتكرر بالعمل العسكري ضدها خلال الأسابيع الأخيرة، إذ أشار إلى أن هناك سفنًا حربية تتجه إلى إيران حاليًا، لكنه شدد على انفتاحه على المسار الدبلوماسي.
وفي المقابل، أصدرت القيادة الإيرانية تعليمات إلى وزير الخارجية لتهيئة أرضية مفاوضات عادلة ومنصفة، بشرط توفر بيئة مناسبة وخالية من التهديد، والابتعاد عن التطلعات غير المشروعة وغير العقلانية، وضمن مبادئ الكرامة والحكمة والمصلحة، وفي إطار المصالح الوطنية، بحسب ما أعلنه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.
وأكد الرئيس الإيراني أن ذلك جاء بعد أن أخذت بلاده بعين الاعتبار مطالب الدول الصديقة في المنطقة بضرورة الرد على عرض التفاوض الذي قدّمه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
حضور إقليمي
ويتوقع أن تشهد المفاوضات المرتقبة بشأن البرنامج النووي الإيراني حضورًا تركيًا ومصريًا وقطريًا وسعوديًا وعمانيًا وباكستانيًا، بحسب ما نقلته "واشنطن بوست" عن مصدر.
وفي هذا الصدد، قال مسؤولون إقليميون لـ"واشنطن بوست" إن حلفاء واشنطن العرب والأتراك يسعون إلى حصر نطاق المفاوضات في البرنامج النووي الإيراني لحمل طهران على الموافقة.
ويأتي ذلك التصريح في ضوء ما أُثير في الأيام الماضية حول أن المفاوضات ستشمل حد قدرة البرنامج الصاروخي الإيراني، الذي يمثل هاجسًا لإسرائيل، ووقف دعم الجماعات المسلحة في المنطقة تحت ما يسمى "محور المقاومة".
أحد المسؤولين الإقليميين صرح للصحيفة الأمريكية بأنهم سيركزون على البرنامج النووي الإيراني ويحاولون حينها إيجاد حلول مبتكرة لتلبية مطالب واشنطن غير النووية في حال انعقاد الاجتماع.
وفي السياق ذاته، قال مسؤول إقليمي لوكالة "رويترز" للأنباء إن الدول المذكورة سابقًا، بجانب الإمارات، تلقت دعوات للمشاركة في محادثات في إسطنبول بشأن إيران، مؤكدًا أن أولوية المحادثات التهدئة وتجنب الصراع.
هذا، وأكد موقع "أكسيوس"، نقلًا عن مسؤولين أمريكيين، أن جهود إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتوصل إلى اتفاق مع إيران كانت صادقة، إلا أن ترامب قد انحرف عن مسار الدبلوماسية ولجأ سابقًا إلى خيار الحرب.
لكن في المقابل أشار المسؤولون إلى أن هناك شكوكًا حول استعداد المرشد الإيراني علي خامنئي للموافقة على الشروط التي وضعها ترامب لأي اتفاق محتمل.
ونفى المسؤولون أن يكون إرسال المبعوث الأمريكي لإجراء محادثات مع نائب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يمثل غطاءً لهجوم مفاجئ آخر.
وأضافوا أن الولايات المتحدة نقلت قوة نارية هائلة إلى المنطقة تحسبًا لأي قرار من ترامب بالعمل العسكري ضد إيران، مشيرين إلى أن نقل حاملة طائرات وأصول عسكرية أخرى جعل الخطط العسكرية لمهاجمة إيران أكثر طموحًا قيد النقاش.
وكشف المسؤولون أن إسرائيل عارضت تنفيذ ضربات أمريكية صغيرة ضد إيران كان ترامب يفكر فيها قبل ثلاثة أسابيع، معتبرة أن الهجمات الرمزية قد لا تستحق المخاطرة برد انتقامي واسع النطاق من طهران.
تنازلات إيرانية
وفي هذه المرة من المحادثات، لا تمانع إيران تعليق أو إيقاف برنامجها النووي، بحسب ما صرحت به مصادر إيرانية لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية.
ورفضت طهران مرارًا هذه الخطوة سابقًا، ما يجعل ذلك تطورًا لافتًا على صعيد المسار التفاوضي المرتقب.
وبحسب المصادر، فإن هدف هذه التسوية المحتملة هو تخفيف حدة التوتر في ظل التهديد بشن ضربة أمريكية، ومع ذلك، إيران ما زالت تفضل مقترحًا بديلًا سبق أن طرحته الولايات المتحدة خلال مفاوضات العام الماضي، يقضي بإنشاء "كونسورتيوم" إقليمي لإنتاج الكهرباء باستخدام الطاقة النووية، على أن يتم تخصيب اليورانيوم خارج الأراضي الإيرانية.
ولكن ذلك لا يزال يتعارض بشكل كبير مع تصريحات المسؤولين الإيرانيين التي تؤكد أن امتلاكهم برنامجًا نوويًا سلميًا حقًا غير قابل للتفاوض.
وحشدت الولايات المتحدة قوات عسكرية في المنطقة في إطار تحضيرات لضرب إيران، إذ دفعت بحاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» إلى منطقة الشرق الأوسط، برفقة سفن حربية داعمة، إلى جانب منظومات الدفاع الصاروخي «ثاد» و«باتريوت»، إضافة إلى مقاتلات «F-15E سترايك إيجل».
وتحمل حاملة «لينكولن» قدرات عسكرية كبيرة، تشمل مقاتلات «F/A-18E/F سوبر هورنت» و«F-35» الهجومية، إضافة إلى طائرات «EA-18G غروولر» المتخصصة في التشويش الإلكتروني وتعطيل أنظمة العدو.
ويُذكر أنه في 13 يونيو 2025، شنّت إسرائيل بدعم أمريكي عدوانًا على إيران شمل مواقع عسكرية ونووية ومنشآت مدنية واغتيال قادة وعلماء، وردّت طهران بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة على الداخل الإسرائيلي.
وفي خضم الحرب، هاجمت الولايات المتحدة منشآت إيران النووية، ثم أعلنت لاحقًا وقفًا لإطلاق النار بين تل أبيب وطهران، لتتوقف الحرب في 24 من الشهر ذاته.
وبعد الحرب، واصلت العلاقات بين إيران من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى التوتر، وسط تصريحات متبادلة حول الرغبة في توجيه ضربات لإيران للحد من قدراتها العسكرية وإحباط برنامجها النووي، في إطار لا ينفصل عن السعي لإسقاط النظام الحاكم.