رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


في ذكرى رحيله.. زكريا أحمد "شيخ الملحنين" صانع وجدان الموسيقى الشرقية

14-2-2026 | 09:57


الشيخ زكريا أحمد

أ ش أ

تحل اليوم /السبت/ ذكرى رحيل شيخ الملحنين الشيخ زكريا أحمد، أحد أعلام الموسيقى العربية في القرن العشرين، وأبرز من أسهموا في تشكيل ملامح الأغنية الشرقية الحديثة، جامعا بين الأصالة الدينية والروح الشعبية، وامتلك عبقرية لحنية جعلت منه مدرسة فنية متكاملة في تاريخ الغناء والمسرح والسينما، مخلدا إرثا مازال حاضرا في وجدان الموسيقى العربية.

ولد الشيخ زكريا أحمد في 6 يناير عام 1896، وكان والده الشيخ أحمد حسن، أحد حفظة القرآن الكريم والعاملين بالجامع الأزهر، بينما كانت والدته من أصول تركية، وهو ما أسهم في تكوين بيئة مبكرة غذّت حسه الموسيقى، التحق بالكتاب ثم بالأزهر الشريف، حيث درس العلوم الدينية واللغة العربية، وحفظ القرآن الكريم، وأتقن أحكام التلاوة والتجويد، فاكتسب لقب "الشيخ"، وذاع صيته بين زملائه قارئا ومنشدا صاحب صوت مميز وأداء لافت.

وخلال دراسته بالأزهر.. برز شغفه بالإنشاد الديني والتواشيح الصوفية، وتتلمذ على أيدي كبار مشايخ الموسيقى والإنشاد، في مقدمتهم الشيخ درويش الحريري، الذي لاحظ موهبته وحسن استماعه وسرعة حفظه، فألحقه ببطانة إمام المنشدين الشيخ علي محمود، كما تلقى علوم المقامات والأوزان والموشحات على يد عدد من كبار الأساتذة، من بينهم الشيخ محمود عبدالرحيم المسلوب، والشيخ علي المغربي، وتأثر بألحان عبده الحامولي ومحمد عثمان وسلامة حجازي.

ورغم رغبة والده في أن يتجه إلى المشيخة والعمل الديني، فإن انجذاب زكريا أحمد للموسيقى ازداد، وبدأ يحرص على حضور الحفلات وشراء كتب الأغاني والموشحات، وهو ما تسبب في خلافات أسرية انتهت بمغادرته منزل الأسرة في سن مبكرة، مما منحه فرصة أكبر للاحتكاك المباشر بالحياة الفنية، والعيش بين المسارح والفرق الغنائية؛ لتصبح الموسيقى ملاذه ومساره.

وبعد ما يقرب من 18 عاما من التركيز على الإنشاد الديني، ألّف خلالها نحو 32 تواشيحا، اتجه عام 1923 إلى التلحين الغنائي، مقدّما أولى طقاطيقه بعنوان "إرخي الستار اللي في ريحنا"، التي أثارت جدلا وقتها لكنها مثّلت انطلاقته الحقيقية، وفي عام 1924 بدأ التلحين للمسرح الغنائي، ولحن لفرق كبرى مثل علي الكسار، ونجيب الريحاني، وزكي عكاشة، ومنيرة المهدية، مقدّما نحو 65 مسرحية غنائية تضم أكثر من 500 لحن، حملت في كثير منها نقدا اجتماعيا وسياسيا يعكس روح ما بعد ثورة 1919.

ويعد الشيخ زكريا أحمد من رواد الموسيقى الشرقية الأصيلة، حيث حافظ في ألحانه على المقامات العربية الخالصة، ورفض الذوبان في الإيقاعات الغربية، وقد بلغ رصيده الفني نحو 1070 لحنا، و56 أوبريتا، و191 موسيقى تصويرية للأفلام المصرية.

برزت أهم محطات مسيرته في اكتشافه لكوكب الشرق أم كلثوم عام 1919، خلال إحدى ليالي الإنشاد في قرية السنبلاوين، حيث أعجب بصوتها وأدائها المتميز، وسعى مع الشيخ أبي العلا محمد لإقناع أسرتها بالانتقال إلى القاهرة، وبدأ التعاون الفني بينهما رسميا عام 1931 بأغنية "اللي حبك يا هناه"، لتنشأ واحدة من أهم الشراكات في تاريخ الغناء العربي، وخلال ما يقرب من ثلاثة عقود، لحن لها نحو 60 أغنية، من بينها روائع خالدة مثل: "أنا في انتظارك"، "حبيبي يسعد أوقاته"، "أهل الهوى"، "الآهات"، "الأمل"، "غني لي شوي شوي"، "عن العشاق سألوني"، و"الورد جميل"، كما شكلا مع الشاعر بيرم التونسي ما أطلق عليهم "المثلث الذهبي"، الذي قدم نموذجا فريدا للأغنية التعبيرية العميقة.

شهدت العلاقة الفنية والإنسانية بين الشيخ زكريا أحمد وأم كلثوم، رغم قوتها، خلافًا طويلا حول الحقوق المادية، انتهى بالتصالح عام 1960 داخل قاعة المحكمة، ليقدم لها آخر ألحانه "هو صحيح الهوى غلاب" من كلمات بيرم التونسي، قبل رحيلهما بعام واحد.

وامتد عطاؤه إلى السينما، فكان من رواد السينما الغنائية، وشارك في تلحين أول فيلم غنائي مصري "أنشودة الفؤاد" عام 1932، ثم لحن لأكثر من 37 فيلما، من بينها "وداد"، "دنانير"، "سلامة"، "فاطمة"، و"آدم وحواء"، وتميز بشكل خاص في تلحين الأغاني البدوية التي لاقت رواجا واسعا في العالم العربي.

وفي 14 فبراير عام 1961، رحل الشيخ زكريا أحمد عن عالمنا عن عمر ناهز 64 عاما، بعد 40 يوما فقط من وفاة صديقه بيرم التونسي، في مشهد مؤثر طوى صفحة من أنصع صفحات الموسيقى المصرية، ليبقى أحد الجسور الممتدة بين القرن التاسع عشر والعشرين، وصوتا أصيلا منح الأغنية العربية روحها المصرية الخالدة، ومرجعا للأجيال القادمة في قيمة الكلمة واللحن والأصالة.