رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


نصر الدين طوبار .. إمام المبتهلين

17-2-2026 | 14:13


نصر الدين طوبار

همت مصطفى

حين يحل شهر رمضان المبارك، ويسدل الليل أستاره على الأرواح الساهرة، يتسلل من أعماق الذاكرة الجمعية للمصريين صوت لا تخطئه أذن، ولا تنساه روح سمعته مرة،  صوت كأنين العاشق في محراب الله، ونداء المؤمن في جنح الظلام، وخشخشة المسابح في هدأة السحر، إنه صوت «إمام المبتهلين» الشيخ نصر الدين طوبار، الذي لم يكن مجرد مبتهل يؤدي كلمات، لكنه كان صوتًا صادقًا يصل إلى القلب بخشوع، فيمنح السامعين سكينة خاصة لا تنسى، ومع كل فجرٍ جديد، يعود صوته ليذكر الناس بروح الشهر الكريم وجمال لحظات السحر.

ومن ضفاف بحيرة المنزلة، في الدقهلية، حيث يرقد الهواء ثقيلًا بعبق الطمي ورائحة الماء، وُلد عام 1920م طفل لم يكن يعلم أن حنجرته ستصبح يومًا جسرًا بين الأرض والسماء، تشرّب القرآن في صغره حرفًا حرفًا، وتعلّم العربية في مدارسها الأولى، فأصبحت الكلمة في فمه مقامًا موسيقيًا وروحاً حيّة، لا مجرد أصوات تتلى.

ولم تكن رحلة «طوبار» إلى الإذاعة مفروشة بالورود، فقد رسب في اختباراتها خمس مرات متتالية، لكن إيمان من حوله بصوته كان أقوى من كل إحباط، فعاد للمرة السادسة ليعود مرة أخرى، وفتحت الإذاعة أبوابها له  في المرة السابعة بعد أن درس المقامات الموسيقية على يدي عملاق الموسيقى العربية الموسيقار محمد عبد الوهاب، الذي رأى فيه «صوتًا مميزًا وحنجرة ذهبية»، فكان مكسبًا حقيقيًا للإذاعة المصرية.
ذاعت شهرة «طوبار»  في الآفاق حتى كتبت عنه الصحافة الألمانية بإعجاب: «صوت الشيخ نصر الدين طوبار يضرب على أوتار القلوب»، لتكون هذه الشهادة خير تعبير عن أثر صوت تجاوز حدود اللغة والجغرافيا، وخاطب الإنسان في أعماقه بلغة لا تحتاج ترجمة.

 

وحين رحل «طوبار»عن عالمنا في السادس من نوفمبر 1986، لم يرحل صوته. فـ«جل المنادي ينادي"، و«في هدأة الليل» و«رمضان أشرق» وسائر ابتهالاته الخالدة لا تزال تملأ أثير رمضان بكل مواسمه، وتسكن البيوت المصرية في وقت السحر، حين تتهيأ الأرواح للصوم وتتوق القلوب إلى الله، هذا هو إمام المبتهلين، الذي لم تُخمد المنية صوته، بل أطلقته حراً في فضاء الخلود.

حنجرة ذهبية علّمها عبد الوهاب وأذهلت الصحافة الألمانية

 الشيخ نصر الدين طوبار أحد أشهر وأهم أعلام القراء والمنشدين والمبتهلين في تاريخ تلاوة القرآن الكريم والابتهالات، ولقبه الشهير «إمام المبتهلين».

ولد نصر الدين طوبار في 7 يونيو  1920م بالمنزلة في الدقهلية، درس بالمدرسة الخديوية، وانتقل إلى المدرسة الأولية ليتعلم اللغة العربية ويحفظ القرآن الكريم، وانعكس ذلك على إحساسه بالنص الشعري الذي يؤديه، وقدرته على تجسيد المعاني، واختيار المقامات الموسيقية الملائمة لها.

وعمل «طوبار» مشرفًا وقائدًا لفرقة الإنشاد الديني التابعة لأكاديمية الفنون بمصر عام 1980م، وحفظ القرآن الكريم.

ذاع صيت نصر الدين طوبار في مدن وقرى محافظة الدقهلية ونصحه أصدقاؤه بالدقهلية أن يتقدم لاختبارت الإذاعة، وتقدم إلى اختبارات الإذاعة لكنه رسب خمس مرات متتاليات، إلا أن إصرار من حوله لاقتناعهم بصوته، دفعه إلى دخول اختبارات أصوات قراءة القرآن والإنشاد الديني للمرة السادسة، وكان أن نجح في السابعة.

تعلم«طوبار» المقامات الموسيقية على يدي الموسيقارمحمد عبدالوهاب، وتركت  أثرا كبيرا في حياته، وكان عبدالوهاب يري فيه صوت مميز وحنجرة ذهبية، وبعدها درس الموسيقى لمدة عام ليدخل عالم الإذاعة كمبتهل، وكان مكسب للإذاعة المصرية.

وشارك «طوبار» في احتفالية مصر بعيد الفن والثقافة، وأنشد في حفل المؤتمر الإسلامى العالمى، سافر إلى العديد من الدول العربية والأجنبية وكتبت عنه الصحافة الألمانية: (صوت الشيخ نصر الدين طوبار يضرب على أوتار القلوب).

واعتلى نصر الدين طوبار منابر مساجد عبقت بأنغامه السماوية، ولم ينقطع مدد الشيخ نصر الدين طوبار، من القراءة والابتهال بالإذاعة والتلفزيون المصري، حتى رحلت روحه الطاهرة إلى ربها، توفي في 6 من نوفمبر 1986.

 نصر الدين طوبار .. «إمام المبتهلين»

وارتبط المسلمون في كل مكان بالابتهالات الدينية، خاصة في شهر رمضان المبارك الكريم، فهي تهدئ النفس وتمنحها السكينة والاطمنئان، وعرف المصريون الابتهالات بالتواشيح وأحبوها واعتادوا على سماعها في وقت السحور، خاصة قبل رفع آذان الفجر، ميقات الإمساك عن الطعام؛ لبدء صوم يوم جديد،  وكان الشيخ «طوبار» وسيبقى هو من  أهم وأبرز وأكبر المبتهلين والقراء من التراث الديني المصري، الذي ظل خالدًا بيننا.

الشيخ نصر الدين طوبار يقدم  ما يقرب من مائتي ابتهال

وقدّم الشيخ نصر الدين طوبار ما يقرب من مائتي ابتهال، منها: «جلّ المنادي»، «يا مالك الملك»، «مجيب السائلين»، «السيدة فاطمة الزهراء»، «غريب»، «يا سالكين إليه الدرب»، «يا من له في يثرب»، «يا من ملكت قلوبنا»، «يا بارئ الكون»، «ما بين زمزم»، «من ذا الذي بجماله حلاك».

 ومن ابتهالات«طوبار» «سبحانك يا غافر الذنوب»، «إليك خشوعي»، «حين يهدى الصبح إشراق سناه»، «يا ديار الحبيب»، «قف أدبًا»، «طه البشير»، «لولا الحبيب»، «كل القلوب إلى الحبيب تميل»، «يحق طاعتك»، «عدت إلى رحابك»، «يا ليلة القدر»، «رمضان أشرق»، «الحوت والعنكبوت»، «ويحلو لدي»، «أمري إليك»، «أكرمنا في المعاش والمعاد»، «حنيني».

 وأيضًا «أشرق الحق واصطفاه الضياء»، «بك أستجير»، «قبسٌ من الرحمن لاح»، «من غير ربي يستجيب؟»، «سبحان من جعل الأرض قرارًا»، «ربي هو الله»، «يا من يراني في علاه ولا أراه»، «تسابيحي»، «من حشره كسوه الناس حريرًا»، «ألم تجعل السفينة من قوارب النجاة»، «أشرق الحق بالهدى»، «إن لم ينل منك العليل شفاؤه»، «يا حنان يا منان»، «يا ودودًا»، «أنا العبد المقر بكل ذنب»، «الله كان ولا شيء سواه»، «صدق وعده»، «من يحيي العظام»، «من لي سواك».

 وابتهالات «حسبي رضاك»، «يا من علاه فوق كل بيان»، «رب لبيك»، «يا زمان الرسول»، «يا آل طه»، «هو الله»، «قصة اليتيم»، «سبحانك اللهم»، «الأمر أمرك»، «الطير سبّحه»، «إلهي»، «بالله إيماني»، «بحق طه ترحمني»، «يسبح لك الفضاء»، «يا من ترى عليّ الولاء مشاعري»، «يا فاطري يا من نراه»، «يا عالم السر».

وأيضًا «يا ذا الجلال والإكرام»، «وإن ترد المقام»، «غرور أنت يا دنيا»، «أصحاب الفيل»، «مؤنسي في وحدتي»، «يا نصير المظلومين»، «يا سالكين الدرب»، «فاطر الأكوان»«يامن آمنت يونس في بطن الحوت»، «في هدأة الليل»،  «سبحانك ياعالم الأسرار»،«سال دمعي يا إلهي»، «يا موسم القران حسبك نفحتان»، «أشرق النور علينا»، «أحن الي لقياك يارب» .

طوبار.. روح في زمن الفجر«منادي السماء»

 المبتهل نصر الدين طوبار، علّم الفجر كيف يبكي، وعلّمنا كيف نخشع، فكانت حنجرته جسراً بين الأرض والسماء، وظل صوته أميناً على أسرار الليل وأشواق المؤمنين، حتى غدا رمضان بغيابه أكثر اشتياقاً إليه، وباتت ابتهالاته وصية خالدة تتوارثها الأرواح جيلاً بعد جيل.