من سير علماء المسلمين| محمد بن عبد ربه.. صاحب «العقد الفريد» (30- 13)
شهدت الحضارة الإسلامية عبر تاريخها عددًا كبيرًا من العلماء الذين كان لهم أثر بارز في مجالات معرفية متعددة، منها العلوم التطبيقية، والدينية، واللغوية، والفلسفية، والطبية، والاجتماعية. وقد أرسى هؤلاء الأعلام أسسًا علمية ومناهج راسخة في مختلف العلوم التي انتفع بها الإنسان عبر العصور وحتى يومنا هذا.
وفي إطار سلسلة خاصة تقدمها بوابة «دار الهلال» خلال شهر رمضان المبارك، نسلّط الضوء يوميًا على واحد من هؤلاء العلماء المسلمين المبدعين، مستعرضين إسهاماتهم العظيمة في شتى ميادين المعرفة.
ونستهل أولى الحلقات بالتعريف بأحد أعلام اللغة العربية والأدب، ممن تركوا بصمات واضحة وأعمالًا قيّمة أسهمت في إثراء هذا المجال وتقدمه.
هو محمد بن عبد ربه، المعروف بأبي عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه، شاعر أندلسي وُلد في قرطبة في 10 رمضان سنة 246 هـ، وتوفي في 18 جمادى الأولى سنة 328 هـ. عُرف بسعة علمه وغزارة اطلاعه في الرواية والشعر، واشتهر بكتابه «العقد الفريد». كما كان من أوائل من أسهموا في نشر فن الموشحات، الذي تلقّاه عن مبتكره مقدم بن معافى القبري.
نظم الشعر في بداياته في الغزل والتشبيب، ثم تاب فاتجه إلى شعر الزهد والمواعظ، وأطلق على قصائده في هذا الباب اسم «الممحصات». وكان يتكسب من الشعر بمدح الأمراء، فكان من الأدباء الذين انتقلوا من الفقر إلى الثراء بفضل أدبهم.
ويُعَدّ كتاب «العقد الفريد» من أعظم آثاره، إذ يمثل موسوعة أدبية وثقافية تعكس ملامح الحضارة الإسلامية في عصره، ويُصنّف ضمن أمهات كتب الأدب العربي. ويضم الكتاب طائفة واسعة من الأخبار، والأمثال، والحكم، والمواعظ، والأشعار، وغيرها.
ويتميّز «العقد الفريد» بكونه موسوعة تجمع بين مختارات شعرية ونثرية، ولمحات تاريخية وأخبار متنوعة، إلى جانب إشارات في البلاغة والنقد، وبعض مباحث العَروض والموسيقى، فضلًا عن تناوله للأخلاق والعادات.
وسُمّي الكتاب بـ«العقد» لأن ابن عبد ربه قسّمه إلى أبواب حمل كل باب اسم حجر كريم، مثل الزبرجدة، والمرجانة، والياقوتة، والجمانة، واللؤلؤة، وغيرها، تشبيهًا بعقود الحُلي. واشتهر العمل باسم «العقد الفريد»، غير أن بعض النقاد يرون أن اسمه الأصلي «العقد» فقط، وأن كلمة «الفريد» أضيفت لاحقًا، وقيل إن أول من أطلقها هو شهاب الدين الأبشيهي صاحب كتاب «المستطرف».
توفي ابن عبد ربه في 18 جمادى الأولى سنة 328 هـ، ودُفن في قرطبة، بعد أن أصيب بالفالج قبل وفاته بعدة أعوام.