رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


السيرة النبوية في مصر

7-3-2026 | 15:24


د. ياسر ثابت,

ليس الاهتمام بالرسول محمد في العالم الإسلامي أمرًا موجبًا للتساؤل عن مغزاه في ذاته، ذلك أنه من الطبيعي والمتوقع أن يظل الاهتمام بالسيرة حيًّا مع حياة المجتمعات الإسلامية نفسها. بيد أن ظهور أربعة كتب عنه خلال عقد واحد يُثير السؤال عن دلالات ذلك وسياقاتها السياسية والثقافية في مصر حينذاك. تسعى هذه الدراسة إلى التعريف بأربعة كتب عن الرسول والسيرة النبوية ظهرت في مصر في الفترة 1931-1942، وتهدف إلى تحديد السمات العامة لتلك الكتب وأوجه الجدة فيها ودوافع ظهورها في سياقها التاريخي.
وبوسعنا القول إن كثيرًا من السمات العامة لتلك الكتب عكست الرغبة في تقديم الإسلام بديلًا من المنظومات الفكرية التي انتشرت في مصر والعالم في ذلك الوقت، وذلك من خلال السعي إلى البرهنة على مثالية الرسول وعالمية دعوته وصلاحيتها للعصر الحديث، لا سيما في مقابل آراء بعض المستشرقين «المشككين» في هذا وذاك.

فقد ظهرت في مصر كتبٌ أربعة عن السيرة النبوية خلال فترة أحد عشر عامًا، خلال الثلاثينيات والأربعينيات، وهي بترتيب ظهورها: «محمد صلى الله عليه وسلم: المثل الكامل» لمحمد أحمد جاد المولى (1931)، و«على هامش السيرة» لطه حسين (1933)، و«حياة محمد» لمحمد حسين هيكل (1935)، و«عبقرية محمد» لعباس محمود العقاد (1942). وقد ظهرت هذه السير -ولا سيما الثلاثة الأخيرة منها- في طبعاتٍ متعددة، منذ ظهورها حتى اليوم، وتُرجمت إلى عددٍ كبير من اللغات الأجنبية.
كما ازدهرت في العصر الحديث دراسات مهمة في السيرة النبوية، حيث خُصِّصت كتبٌ لموضوعات محددة في السيرة، كما رأينا «إنسانيات محمد» لخالد محمد خالد، و«نبي البر» للإبياري، و«نبي الإنسانية» لأحمد حسين، و«محمد في حياته الخاصة» لنظمي لوقا، و«الرسول القائد» لمحمود شيت خطاب، و«رحمة للعالمين» للمنصوري الهندي، وكذلك وجدنا عند الغربيين عدة كتابات، ما بين المنصف والمتحامل.
السيرة النبوية المقارنة
ثمة خطٌ لم يُطرَق كثيرًا في تناول السيرة النبوية، وهو ما يمكن أن نطلق عليه: السيرة النبوية المقارنة، أي أن تتم المقارنة بين تناول كل مؤلف لحدث معين في السيرة، حيث إن كل مؤلف يتناولها من حيث ثقافته، ولغته الأدبية، واستعداده النفسي والعقلي للسيرة، فيخرج بإبداعات وإشراقات عظيمة، وتغيب هذه النظرات والتأملات عندما تُقرأ منفردة في ثنايا سطور كتاب كبير عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن ذلك ما فعله د. محمد رجب البيومي حين كتب مقالًا بعنوان: من روائع السيرة النبوية: الرسول يبكي ولده إبراهيم، ووضعه في كتابه: (في ميزان الإسلام)، فهو يتحدث عن وفاة إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أنجبه من مارية القبطية، وتوفي صغيرًا.
رصد البيومي هذا الموقف في كتابات بعض الأدباء والمفكرين ممن عنوا بكتابة السيرة النبوية من المعاصرين، فاختار أربعة من كبارهم، وهم: عباس العقاد، وطه حسين، وأحمد حسن الزيات، ومحمد حسين هيكل.
وبرغم أن الحادث لا يستغرق في كتب السير أكثر من نصف صفحة، وعلى الأكثر صفحة، فإن قريحة هؤلاء الأدباء جادت بكتابات في غاية النفاسة، تنوعت في التناول بناءً على تنوع الكاتب؛ فالعقاد يميل في أسلوبه إلى خطاب العقل أولًا، ثم الوجدان، وطه حسين يميل إلى خطاب الوجدان أولًا، ثم العقل، أما الزيات فقد استلهم من الحدث عظة وعبرة له لفقده أحد أبنائه، فاستلهم من موقف النبي صلى الله عليه وسلم ما يعينه، وما يعين كل فاقد لأحد من أبنائه، أما هيكل فقد كان يميل في أسلوبه إلى السرد والتحليل في لغة أدبية دافقة.
هناك أيضًا دراسات جادة وجيدة لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم ولنقد كتب السيرة، ومن تلك الدراسات الجيدة ما كتبه عدد من الباحثين في جامعة أم القرى وفي الجامعة الإسلامية؛ فإن هؤلاء كتبوا عدة رسائل درسوا فيها بعض المسائل المتعلقة بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم دراسة حديثية نقدية ممتازة؛ فمثلًا: درسوا بيعة العقبة وأحداثها، ودرسوا هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأحداثها، ودرسوا غزوة بدر، ومن هذه الدراسات ما يتعلق بغزوة بني المصطلق، وما يتعلق منها بصلح الحديبية، وما يتعلق منها بغزوة تبوك، وقد طُبِعت أكثر هذه الدراسات، وهي دراسات مهمة جدًا.
وكان للشيخ محمد أمين المصري فضل في ذلك؛ فإنه أول من اقترح هذه الدراسات، وأشرف على عدد من هذه البحوث، ثم تابع الإشراف على هذه الرسائل د. أكرم العمري، الذي حرص على متابعة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى متابعة هذه الرسائل لإخراج سيرة جيدة متكاملة مبنية على الدراسة الحديثية المؤصلة.
ومن الدراسات التي اهتمت بالسيرة النبوية ما كتبه محمد سرور زين العابدين (دراسات في السيرة النبوية)، فإن هذا الكتاب قد طُبع، ودرس فيه كثيرًا من مناهج السيرة النبوية، ونقد نقدًا ممتازًا كثيرًا من مناهج المستشرقين، ودراسته هذه مطبوعة.
ومنها أيضًا ما كتبه د. أكرم العمري؛ فإنه له دراسات ممتازة جدًا حول سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن تلك الدراسات الممتازة له ما كتبه بعنوان: (المجتمع المدني في عهد النبوة)، وهو جزءان: جزء يتعلق بخصائص هذا العهد وتنظيماته الأولى، والجزء الثاني يتعلق بالجهاد ضد المشركين، وقد طبعت هذين الجزأين الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وفيه دراسة ممتازة وتأصيل جيد لدراسة سيرة النبي عليه الصلاة والسلام.
وثمة دراسات كثيرة ومتعددة اختلفت مناهجها وسبلها، وتعدادها يطول بنا.
مثالية شخصية الرسول
وعلى الرغم من وجود بعض اختلافات في خلفيات أصحاب المؤلفات الأربعة التي أشرنا إليها في مستهل حديثنا، فإن هذه الخلفيات اتفقت في بعض الأمور، من أهمها أن أصحابها كانوا من المشتغلين بالعمل العام، وأنهم حصلوا على قسطٍ من التعليم الغربي وأجادوا بعض اللغات الأجنبية، ولم يكونوا مؤرخين محترفين بشكل عام أو علماء دين.
ولعل من السمات التي يمكن رصدها في هذه الكتب عن الرسول والسيرة النبوية ما يلي:
أولًا: التأكيد على مثالية شخصية الرسول: يظهر في كتابي جاد المولى والعقاد تحديدًا حرصٌ واضح على تصوير الرسول على أنه شخصية مثالية في جوانب الحياة المختلفة. يظهر هذا الحرص في كتاب جاد المولى، أي «محمد صلى الله عليه وسلم: المثل الكامل»، كما يظهر في كتاب العقاد «عبقرية محمد». ويقول د. عمرو عثمان في دراسته المهمة المعنونة «إعادة كتابة السيرة النبوية في مصر في ثلاثينيات القرن العشرين وأربعينياته (محمد أحمد جاد المولى، وطه حسين، ومحمد حسين هيكل، وعباس محمود العقاد)» (مجلة «أسطور»، نوفمبر 2021): إن دافع إظهار مثالية الرسول والتأكيد عليها سيطر على كتابي جاد المولى والعقاد، إلى حد أنهما تخليا عن السرد التقليدي للسيرة. فقد بُوِّبَ هذان الكتابان أساسًا لتبيان عظمة الرسول في جوانب معينة. فجاد المولى يبدأ كتابه بحديث عن فضائل الرسول الشخصية والاجتماعية وعن «كمال منطقه» و«كمال عقله»، ثم ينتقل لاحقًا إلى الحديث عن «محمد أكبر المصلحين نجاحًا»، ثم عن كونه «أشرف الخلق»، إلى أن يصل أخيرًا، في باب الكتاب العاشر، إلى «موجز سيرة الرسول»، التي تسرد أهم الأحداث التي وقعت في حياة الرسول في ما يزيد قليلًا على عشر صفحات من مجموع 270 صفحة. ويفصِّل جاد المولى الحديث عن محمد المصلح، مبيِّنًا أوجه «حذقه في المعاهدات» (ص 118) و«نجاحه في حروبه» (ص 130).
بيد أن مجرد موجز سيرة الرسول لا يظهر في كتاب العقاد «عبقرية محمد»؛ إذ يصف المؤلف كتابه بأنه «تقدير لعبقرية محمد بالمقدار الذي يدين به كل إنسان، ولا يدين به المسلم وكفى» (ص 6). وفي فصل عن «محمد في التاريخ» ينهي به العقاد كتابه، يصف الرسول بأنه «عظيمٌ بالغٌ في العظمة، وفقًا لكل مقياس صحيح يُقاس به العظيم عند بني الإنسان في عصور الحضارة» (ص 150).
عالمية الدعوة
ثانيًا: تناول سيرة الرسول الاجتماعية والحديث عن عالمية الدعوة وصلاحيتها لكل العصور: باستثناء كتاب طه حسين الذي لا يغطي إلا جزءًا من سيرة الرسول، يغلب على كتابي جاد المولى والعقاد التركيز على محمد رجل الدولة والمصلح الاجتماعي. يقول جاد المولى: «اجتمع ]لمحمد[ ما لم يجتمع لمصلح من قبله؛ لأنه كوَّن أمة، وأسس دولة، وأقام دينًا» (ص 3). ويصفه بأنه «الأسوة الحسنة الصالحة لتأديب الأفراد وسياسة الأمم» (ص 4). بالمثل، يذكر العقاد في معرض حديثه عن أسباب تأليف كتابه أن «العالم اليوم أحوج مما كان إلى المصلحين النافعين لشعوبهم والشعوب كافة» (ص 6). ويتحدث العقاد عن عبقرية الرسول العسكرية والسياسية والإدارية قبل الحديث عن عبقريته بوصفه صديقًا وزوجًا وأبًا.
إن الرسالة الواضحة في كتابي جاد المولى والعقاد لا تقتصر على مثالية شخصية الرسول في الأمور العامة فضلًا عن الأمور الخاصة، وإنما تزيد لتؤكد أن مثاليته التي تتجلى في جوانب سيرته الاجتماعية والسياسية تبرهن على صلاحية رسالته لبناء الأمم في كل زمان.
ثالثًا: غياب السرد التاريخي: يغلب على كتب جاد المولى وطه حسين والعقاد غياب الاهتمام بالسرد الزمني التاريخي. وفي شرحه لطبيعة كتابه، يوضح العقاد أن كتابه «ليس ]...[ سيرة نبوية جديدة تضاف إلى السير العربية والإفرنجية ]...[ لأننا لم نقصد وقائع السيرة لذاتها» (ص 6). أما في كتاب «على هامش السيرة» لطه حسين، فنجد عرضًا أكثر شبهًا بالقصص الأدبي من السرد التاريخي، وإن كان المؤلف يحافظ على الترتيب التاريخي للأحداث. على سبيل المثال، يبدأ الكتاب بفصل عن «حفر زمزم»، يليه فصل عن «التحكيم»، وثالث عن «الفداء»، ثم يأتي بعد ذلك فصلان بعنوان «راهب الإسكندرية» و«الفيلسوف الحائر»، يتناول فيهما المؤلف بعض ما كان يجري في عالم الحضارة الرومانية الشرقية في زمن ظهور الإسلام.
وربما جاز القول إن كتاب محمد حسين هيكل «حياة محمد» هو أكثر هذه الكتب الأربعة التزامًا بمنهج التاريخ، حيث يأخذ شكل السيرة النبوية التقليدية بشكلٍ عام، وإن زاد عليها اهتمامه بالتحليل والتفسير ومناقشة قضايا أوسع من مجال السيَر التقليدية. ومع اختلاف كتابه عن الكتب الثلاثة المذكورة آنفًا، فإنه يشترك معها في الحرص على الاهتمام بجوانب سيرة الرسول الاجتماعية والسياسية وبعالمية دعوته.