رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


الليث أكرم من حاتم!!

8-3-2026 | 13:23


حمدي رزق,

يقول الإمام الشافعي: "الليث أفقه من مالك إلا أن قومه أضاعوه، وتلاميذه لم يقوموا به"، وبالمثل نقول، وكما هو ثابت في العنوان أعلاه: "الليث أكرم من حاتم"، وحاتم الطائي أحد أشهر الأجواد في الجاهلية.

أبحرتُ في بحر الفقيه المصري الليث بن سعد، فلمستُ علمًا غزيرًا لا يقل بحال عن كرمه، كأنَّه على سنة رسولنا الكريم: "أجود الناس، أجودُ بالخير من الريح المرسلة".

هكذا عُرف الليث بن سعد، وتناقلت الروايات خبر فقهه وكرمه.

كان أبوه واسع الغنى، يملك في قرية "قلقشندة" بالقليوبية، حيث مولد الإمام، ضيعةً خصبةً تنتج خير الثمرات من زرع وفاكهة، ونشأ في هذه الأجواء يحب الحياة ويقبل عليها، غير مسرف فيها ولا ممسك، وكان مثله الأئمة العظام "جعفر الصادق وأبو حنيفة"، يحب التطيب والتنعم بحلو المأكل والملبس.

وذات يوم لامه الإمام مالك لتمتعه بأطيب الطعام، وتزينه بأبهى الثياب، وخروجه للنزهة في الحدائق والأسواق، فكتب مالك إليه معاتبًا: "بلغني أنك تأكل الرقاق وتلبس الرقاق، أي الثياب الراقية الفاخرة، وتمشي في الأسواق"؟!

فكتب إليه الليث: "قال الله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)".

ويبدو أن مالكًا قد اقتنع بوجهة نظر الليث، فسار على نهجه حينما طابت له الدنيا، فنال من زينتها ما جعل أتباعه يستفسرون عنها، فيقول لهم: "إن الله يحب أن يرى نعمته على عبده".

وبرغم ثراء الليث واتساع ثروته، فإنه لم تستحق عليه زكاة قط؛ ذلك لأنه كان لا يحتفظ بأموال لأكثر من عام، فكان يتخلص من المال وكأنه يبعد عن ثوبه عقربًا.

ويُذكر أن امرأة طلبت منه رطلًا من عسل لتعالج ابنها، في وقت شح فيه العسل، فأمر كاتبه أن يعطيها مرطًا من عسل "والمرط نحو مائة وعشرين رطلًا"، فقال كاتبه: "سألتك رطلًا، أتعطيها مرطًا؟" فقال الليث: "سألتنا على قدرها، ونحن نعطيها على قدرنا".

وكانت له ضيعة بالفرما "قرب بورسعيد" يأتيه خراجها، فلا يدخله داره، بل يجلس أمام أحد أبوابها العشرين، وقد جعل المال في صرر، يوزعها جميعًا صرةً بعد صرة، وكان لا يتصدق بأقل من خمسين دينارًا. ذلك أنه كان يحسن استثمار أرضه الواسعة الخصبة، حتى لقد كانت تدر عليه نحو عشرين ألف دينار كل عام.

كان الإمام الليث يحب الناس ويحب الحياة، معتبرًا أنه لا فائدة من أن تكون سعيدًا وسط تعساء، ومن أجل ذلك نادى في الناس بأنه ليس من حق أحد أن يحتفظ بمال إلا إذا بلغ الناس حد الكفاية، والحكام وولاة الأمور مسؤولون أمام الله عن أن يوفروا للناس جميعًا حد الكفاية لا حد الكفاف.

وحد الكفاف هو ما يحفظ للناس حياتهم من الطعام والشراب، أما حد الكفاية فهو ما يكفي كل حاجات الناس من جودة الطعام والشراب، والمسكن الصالح المريح، والدواب التي تحملهم، والعلم الذي ينقذهم من الضلال، وسداد ديونهم.

ولعل هذه الفتوى جاءت من اقترابه من الفقراء ومعاشرتهم، وشعوره بمعاناتهم اليومية، فكانت الفتوى هنا انتصارًا للعدالة الاجتماعية بمفهوم العصر الحالي.