رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


الحرب على إيران.. بين إدارة التصعيد وأخطاء استراتيجية تشعل المنطقة

8-3-2026 | 15:53


الحرب على إيران

محمود غانم

تدخل منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة التعقيد مع تصاعد وتيرة العمليات العسكرية وتبادل الضربات، في ظل استمرار الهجمات التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل، مقابل رد إيراني يستهدف العمق الإسرائيلي والقواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة.

ولا يقتصر الرد الإيراني على الانطلاق من أراضيها فحسب، بل يمتد أيضًا ليخرج من قلب العراق ولبنان، حيث تنتشر فصائل مسلحة حليفة للنظام الإيراني، تشارك في توجيه الضربات واستهداف القواعد الأمريكية والعمق الإسرائيلي.

وفي خضم هذا التصعيد المتسارع، تجد دول عديدة في الشرق الأوسط نفسها عالقة في قلب صراع «لا ناقة لها فيه ولا جمل»، إذ باتت دول الخليج، إلى جانب الأردن والعراق، ضمن دائرة الاستهداف الإيراني، الذي تبرره طهران بأنه موجه نحو القواعد العسكرية الأمريكية وليس إلى دول المنطقة ذاتها.

ومع اتساع رقعة المواجهة وتزايد وتيرة الضربات المتبادلة، تتصاعد المخاوف من انزلاق المنطقة إلى صراع أوسع نطاقًا، قد يجر دولًا أخرى إلى ساحة المواجهة ويفتح الباب أمام مرحلة أكثر اضطرابًا في الشرق الأوسط.

لحظة معقدة

وفي غضون ذلك، يؤكد الدكتور علاء السعيد، خبير الشؤون الإيرانية والمتابع لملف الحرب، أننا أمام لحظة شديدة التعقيد في تاريخ الشرق الأوسط، لحظة تختلط فيها الحسابات العسكرية بالمغامرات السياسية.

ويوضح السعيد، في حديث لـ«دار الهلال»، أنها لحظة تتحول فيها الأراضي العربية مرة أخرى إلى مسرح لتصفية الحسابات بين قوى إقليمية ودولية لا تخوض معاركها غالبًا فوق أراضيها، بل فوق أراضي الآخرين.

ما حدث خلال الأيام الماضية، بحسب السعيد، يكشف بوضوح أن الصراع لم يعد محصورًا بين إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى، بل بدأ يتخذ شكل حرب متعددة الجبهات، تمتد آثارها من الخليج إلى بلاد الشام مرورًا بالعراق، وربما إلى مناطق أخرى لم تدخل بعد بشكل مباشر في دائرة النار.

ويشدد على أن استهداف إيران لدولة عربية بحجة وجود قواعد أمريكية هو تطور بالغ الخطورة، ليس فقط لأنه يوسع دائرة الحرب، بل لأنه يكشف أيضًا طبيعة الاستراتيجية الإيرانية في إدارة الصراع.

ويوضح أنه بدل أن يكون الرد محصورًا في مواجهة مباشرة مع الطرف الذي شن الهجوم، يتم نقل جزء من المعركة إلى الجغرافيا العربية، وكأن المنطقة كلها يجب أن تتحمل كلفة الصراع بين طهران وواشنطن.

ويقول السعيد إن ما حدث يطرح سؤالًا عميقًا لدى كثير من العواصم العربية: هل نحن أمام حليف محتمل أم أمام مشروع إقليمي يرى المنطقة مجرد ساحة نفوذ يمكن استخدامها وقت الحاجة؟.

ويرى أن دخول حزب الله في لبنان على خط المواجهة، وتحرك الفصائل المسلحة في العراق، يوضح أن إيران تحاول استخدام ما يمكن تسميته بـ«شبكة النفوذ غير المباشر».

ويبيّن أن هذه الشبكة لم تُبنَ خلال ليلة واحدة، بل هي نتيجة سنوات طويلة من الاستثمار السياسي والعسكري داخل عدد من الدول العربية، وهو ما يجعل أي مواجهة مع إيران لا تبقى محصورة داخل حدودها، بل تمتد تلقائيًا إلى ساحات أخرى.

الخطير في المشهد الحالي، وفق السعيد، أن هذه الجبهات قد لا تبقى ثابتة؛ فهناك احتمال حقيقي لدخول لاعبين جدد إلى المعادلة، ومن بينهم الأكراد الإيرانيون، الذين قد يرون في لحظة الاضطراب الحالية فرصة لإعادة طرح مطالبهم القديمة المتعلقة بالحكم الذاتي أو الانفصال.

وإذا حدث ذلك بالفعل، فإن إيران ستجد نفسها أمام معركة داخلية موازية للحرب الخارجية، وهو سيناريو بالغ التعقيد بالنسبة لأي دولة، بحسب السعيد.

أما عن مخاطر هذا التصعيد على المنطقة، فيؤكد أنه «يتجاوز بكثير حدود الضربات العسكرية المتبادلة، نحن نتحدث عن احتمالات اضطراب واسع في أسواق الطاقة، وتعطل طرق الملاحة في الخليج والبحر الأحمر، وتزايد موجات النزوح، إضافة إلى خطر انهيار بعض التوازنات الهشة في دول تعاني أصلًا من أزمات داخلية».

احتواء قبل المواجهة

وحول ما إذا كنا بالفعل أمام حرب إقليمية واسعة، يقول السعيد إن الإجابة هنا ليست بسيطة؛ فالتاريخ القريب للصراعات في الشرق الأوسط يقول إن كثيرًا من الحروب تبدأ بتصعيد كبير ثم يتم احتواؤها قبل أن تتحول إلى مواجهة شاملة.

في المقابل، يضيف أن أمريكا تدرك جيدًا أن فتح حرب طويلة مع إيران قد يجر المنطقة كلها إلى حالة فوضى لا يمكن السيطرة عليها بسهولة، كما أن إسرائيل رغم قدرتها العسكرية لا ترغب في مواجهة حرب متعددة الجبهات لفترة طويلة.

وعلى الجانب الآخر، يوضح أن إيران نفسها لا تبدو في موقع يسمح لها بخوض حرب تقليدية طويلة بعد الضربات التي تعرضت لها بعض قدراتها العسكرية، بما في ذلك القوة البحرية التي كانت تمثل أحد أدوات الردع في الخليج.

لذلك يمكن القول إننا أمام لحظة اختبار للقوة أكثر مما نحن أمام حرب مفتوحة بلا نهاية، حيث إن أمريكا قد تسعى إلى تحقيق أهداف محددة ثم التراجع خطوة إلى الخلف، بينما تحاول إيران إثبات أنها ما زالت قادرة على الرد دون أن تنزلق إلى مواجهة وجودية، حسب قوله.

المشكلة الحقيقية، برأي السعيد، أن هذه الحسابات الباردة التي تجري في غرف القرار الكبرى، كثيرًا ما تُدفع كلفتها في مدن عربية، وعلى حساب استقرار دول لم تكن أصلًا جزءًا من المعركة.

لهذا فإن الخطر الأكبر في المرحلة القادمة، كما يضيف، ليس فقط في الصواريخ أو الطائرات، بل في اتساع رقعة الفوضى السياسية والأمنية في منطقة تعبت شعوبها من الحروب بالوكالة، ومن المشاريع الإقليمية التي ترفع شعارات كبيرة بينما تترك خلفها دولًا مدمرة ومجتمعات ممزقة.

وخلاصة ما يراه أن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مفترق طرق خطير: إما أن يتم احتواء هذا التصعيد سريعًا قبل أن يتحول إلى حرب إقليمية واسعة، أو أن نجد أنفسنا أمام مرحلة جديدة من الصراعات المفتوحة التي قد تستمر لسنوات طويلة.

إدارة التصعيد

كذلك، يؤكد الدكتور محمد العزبي، خبير العلاقات الدولية، أننا أمام مرحلة شديدة الحساسية في الشرق الأوسط، لأن ما يحدث لم يعد مجرد مواجهة بين دولتين، بل أصبح صراعًا متعدد الساحات.

ويوضح العزبي، في حديث لـ«دار الهلال»، أن ذلك نتيجة لأن إيران تمتلك شبكة من الحلفاء والفاعلين غير الدوليين في المنطقة، مثل حزب الله في لبنان وبعض الفصائل المسلحة في العراق، وهو ما أدى إلى توسيع دائرة الاشتباك لتشمل أكثر من جبهة في وقت واحد.

الخطر الحقيقي، وفق العزبي، يتمثل في أن أي تصعيد قد يتحول بسرعة إلى مواجهة إقليمية تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط، موضحًا أن استهداف البنية التحتية الحيوية، مثل منشآت الطاقة أو طرق الملاحة، قد ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي وليس فقط على دول المنطقة.

ورغم أنه يرى أن احتمال توسع الحرب قائم، فإنه يعتقد أنه ليس السيناريو الأكثر ترجيحًا حتى الآن، حيث إن معظم القوى الكبرى تدرك خطورة الانزلاق إلى حرب شاملة في الشرق الأوسط.

الولايات المتحدة، على سبيل المثال، يقول العزبي، لا ترغب في التورط في حرب طويلة جديدة في المنطقة، وإيران أيضًا تدرك أن المواجهة المباشرة مع واشنطن قد تكون مكلفة للغاية على المستويين العسكري والاقتصادي.

لذلك نحن أمام ما يمكن تسميته بـ«إدارة التصعيد»، أي عمليات عسكرية محدودة ورسائل ردع متبادلة دون الوصول إلى حرب مفتوحة، بحسب خبير العلاقات الدولية.

وبشأن احتمالية انسحاب الولايات المتحدة من التصعيد، يرى العزبي أن هذا السيناريو وارد إلى حد كبير، حيث إن السياسة الأمريكية، خاصة في ظل توجهات الرئيس دونالد ترامب، تقوم غالبًا على توجيه ضربات محدودة لإعادة فرض الردع، ثم الانتقال سريعًا إلى المسار الدبلوماسي لتجنب التورط العسكري الطويل.

بمعنى آخر، يضيف العزبي أن الهدف الأمريكي ليس بالضرورة إسقاط النظام الإيراني، بل إعادة ضبط قواعد الاشتباك في المنطقة ومنع إيران من توسيع نفوذها العسكري عبر حلفائها.

السيناريو الأقرب، برأي العزبي، هو استمرار حالة التصعيد المحدود، مع بقاء الصراع في إطار الضربات المتبادلة والضغط السياسي والدبلوماسي.

لكنه يلفت إلى أننا سنكون أمام خطر حقيقي يكمن فيما يسميه «خطأ استراتيجي كبير»، وذلك حال توسع الحرب بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، أو استهداف منشآت الطاقة في الخليج، أو الاستمرار في إغلاق مضيق هرمز.

ففي هذه الحالة، بحسب العزبي، قد يتحول الصراع سريعًا من أزمة إقليمية إلى حرب واسعة في الشرق الأوسط.

وفي تقديره أن ترامب قد يعلن نهاية الحرب أحد الأيام من ٢٧ إلى ٢٩ رمضان عبر إعلان الانتصار على إيران.