رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


د. عائشة عبد الرحمن.. المرأة ترفع لواء التجديد

10-3-2026 | 14:40


شيماء المهدي

شيماء المهدي

في بداية القرن العشرين، ومن قلب بيت أزهري شديد التحفظ بدمياط، وُلدت طفلة قُدِّر لها أن تصبح “أديبة الفقهاء” وأول امرأة تحاضر في الأزهر الشريف، إنها عائشة عبد الرحمن (1913–1998)، التي لم يكن لقبها بنت الشاطئ مجرد اسم مستعار هربت به من سطوة التقاليد، بل كان “بيانًا” لثورة فكرية هادئة؛ انطلقت من عتمة “الكُتّاب” لتصل إلى مدرجات الجامعة، ومن التعلم سرًا خوفًا من منع الأب، إلى مناقشة عمالقة الفكر “طه حسين” و”العقاد”. شقت بنت الشاطئ طريقها بوصفها نموذجًا فريدًا لمثقفة جمعت بين صرامة المنهج الأزهري ورحابة الأفق المدني. لم تكن ثائرة على الدين، بل على الجمود، ولم تكن مقلدة للغرب، بل مؤمنة بأن التجديد الحق هو أن نعيد اكتشاف ذواتنا داخل تراثنا، لا نهرب منه.

وُلدت عائشة عبد الرحمن عام 1913م في مدينة دمياط، لأسرة عريقة اشتهرت بالعلم والدين؛ فكان والدها محمد بن عبد الرحمن الحسيني أزهريًا، وكان جدها لأمها إبراهيم الدمهوجي شيخًا أزهريًا أيضًا.

حفظت القرآن في سن مبكرة على يد الشيخ مرسي في كُتّاب قرية والدها، وتلقت العلوم الشرعية الأولى على يد أبيها. وفي سيرتها الذاتية «على الجسر»، تحكي عن طفولتها فتقول إنها الابنة الثانية في الأسرة، وأن والدها كان يتمنى أن تكون مولودًا ذكرًا، فلما رزق بها سماها عائشة تفاؤلًا باسم أم المؤمنين رضي الله عنها، وكناها بـ«أم الخير»، ونذرها منذ طفولتها لطلب العلوم الشرعية، وكان ترتيبها بين خمس شقيقات وشقيقين.

غير أن هذا النذر للعلم لم يكن طريقه مفروشًا بالسهولة، فالتعليم في زمنها لم يكن متاحًا للفتيات إلا للقلة القليلة، وكانت مسيرتها التعليمية حصيلة صراع طويل مع التقاليد والخوف الأبوي. فقد كان والدها شديد الحرص على تعليمها العلوم الشرعية، لكنه كان يرى الالتحاق بالتعليم المدني أمرًا مستحيلًا، فقال لها حين أبدت رغبتها في الدراسة: «ليس لبنات المشايخ العلماء أن يخرجن إلى المدارس الفاسدة المفسدة، وإنما مكانهن في بيوتهن». اصطدم هذا الموقف بطموح طفلة لا تعرف الاستسلام، وكان تدخل الجد نقطة التحول الحاسمة في حياتها، إذ دعم رغبتها في التعليم، وساعدها على المضي في هذا الطريق رغم رفض الأب، فواصلت مسيرتها العلمية في جو مشحون بالتوتر والخوف، وكانت تذهب أحيانًا إلى الامتحانات خفية حتى لا يراها والدها.

ومع هذا الخوف، واصلت عائشة تعليمها بإصرار نادر، حتى حصلت على شهادة الكفاءة للمعلمات عام 1929م بترتيب الأولى على مستوى القطر المصري، وتصف تلك المرحلة قائلة: «كنت أتعلم خلسة، وأذاكر دروسي خفية واستتارًا، وأستعد للامتحان في جو مشحون بالفزع والذعر». ثم واصلت اجتياز الامتحانات من المنزل، حتى حصلت على شهادة البكالوريا الأدبية عام 1934م بعد سبع سنوات من المكابدة والعذاب، لتفتح لها أبواب الجامعة في العام التالي. التحقت بكلية الآداب، وحصلت على الليسانس عام 1939م، ثم نالت الماجستير بمرتبة الشرف الأولى عام 1949م.

وخلال مسيرتها التعليمية، تزوجت من أستاذها أمين الخولي (1895–1966)، الذي كان يكبرها بسبعة عشر عامًا، وكان له دور كبير في صقل مسارها العلمي والفكري. وقد أنجبت منه ثلاثة أولاد، غير أن الأمومة لم تكن عائقًا أمام طموحها العلمي، إذ حصلت بعد ذلك على درجة الدكتوراه بتقدير امتياز، التي ناقشها عميد الأدب العربي طه حسين، في لحظة رمزية جمعت بين جيل الرواد وجيل الطليعة. ومع ذلك، كانت عائشة تعي أن مسيرتها العلمية قبل تعرفها على أمين الخولي كانت أشد قسوة، لكنها في الوقت نفسه ظلت تعتز بوالدها الذي بدا ظاهريًا عائقًا، لكنه كان في العمق مصدر حصانة روحية ومعرفية.

وقد عبّرت عن هذا الاعتزاز في إهداءات كتبها، ومنها ما كتبته في «مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح» حين قالت: «إلى من أعزني الله تعالى به أبًا تقيًا… نذرني رضي الله عنه لعلوم الإسلام، ووجهني من المهد إلى المدرسة الإسلامية… يحصنني بمناعة تحمي فطرتي من ذرائع المسخ والتشويه».

ومع تراكم الخبرة العلمية، ترقت عائشة عبد الرحمن في درجات العلوم حتى بلغت أستاذ كرسي اللغة العربية وآدابها في جامعة عين شمس، ثم عملت أستاذًا زائرًا في جامعات عديدة: أم درمان والخرطوم في السودان عام 1967م، والجزائر عام 1968م، وبيروت عام 1972م، وجامعة الإمارات عام 1981م، وكلية التربية للبنات في الرياض بين عامي 1975 و1983م، كما درست التفسير لطلبة الدراسات العليا بكلية الشريعة بجامعة القرويين، واستمر عطاؤها فيها ما يقارب عشرين عامًا، لتصبح واحدة من أكثر الأكاديميات العربيات تأثيرًا في التعليم الجامعي العربي.

ومن تجربتها الشخصية انطلقت رؤيتها لقضية المرأة، لا من تنظير مجرد، بل من معاناة حقيقية مع الحرمان من التعليم وهيمنة التقاليد الصارمة. لذلك جاءت قصصها الأولى لتصوير حياة المرأة الريفية، كما في كتابها «صور من حياتهن». غير أنها رفضت مفهوم تحرير المرأة المنقول عن الغرب، معتبرة أن الحرية لا تعني التفلت من القيم، بل قالت عبارتها الشهيرة: «الحرية قيود، وكلما كثر إدراكي لحريتي، كلما كثر شعوري بالقيود، لكنها قيود مسؤولية وقيود حرية». وانتقدت انحراف المرأة الجديدة حين أهملت الأمومة والأسرة باسم الحداثة، مؤكدة أن النهضة الحقيقية تقوم على التوازن بين العلم والدور الاجتماعي والديني، وأن العلاقة بين الرجل والمرأة ليست علاقة صراع بل علاقة تكامل.

وفي هذا الإطار الفكري الإنساني، قدّمت أحد أهم إنجازاتها الأدبية في سلسلة «تراجم سيدات بيت النبوة»، ومنها «نساء النبي»، و«بنات النبي»، و«سكينة بنت الحسين»، و«أم النبي آمنة بنت وهب»، حيث عرضت تجاربهن الإنسانية من ألم وفقد وصبر وهجرة واختيار أخلاقي، بعيدًا عن المثالية المطلقة، مؤكدة قدرة المرأة المسلمة على الفعل والاختيار ضمن إطار حضاري وديني راقٍ. كما عالجت في كتابها «مع المصطفى» شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم ربطًا بالتحديات الإنسانية المعاصرة، لتبرز نموذجًا عمليًا للتوازن بين الدين والحياة.

وفي مجال التحقيق العلمي، برز اسم بنت الشاطئ بوصفها واحدة من أدق المحققين العرب، وكان نشرها لكتاب «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري عام 1950م علامة فارقة في تاريخ التحقيق، وقد أشاد بها محمود الطناحي إشادة كبيرة، معتبرًا أن جرأتها ودقتها جعلتها في مصاف كبار المحققين، إذ جمعت النسخ، وقارنت بينها، وكشفت أوجه النقص في الطبعات السابقة، وقدمت نصًا محررًا موثقًا. ولم يكن اهتمامها بالتحقيق طلبًا للشهرة، بل إيمانًا عميقًا بقضية التراث العربي وضرورة إنقاذه من الإهمال. كما كان كتابها «مقدمة في المنهج» نموذجًا متقدمًا في دراسة البحث العلمي، أكدت فيه على وحدة المعرفة وتكامل مناهجها، وضرورة الجمع بين النظرية والتطبيق.

في لقاء تلفزيوني عام 1994، رفضت أن توصف بأنها من جيل الرائدات، معتبرة نفسها من جيل الطليعة، موضحة أن نساء كثيرات سبقنها مثل مي زيادة وملك حفني ناصف وهدى شعراوي، وقالت: «الرائدة تفتح الباب، أما أنا فقد دخلت من باب مفتوح لكنها مشت فيه أبعد».

خاضت بنت الشاطئ معارك فكرية كبيرة بأسلوب راقٍ قائم على الحجة والمنهج العلمي، دون صخب أو تجريح شخصي. ومن أبرز هذه المعارك:

الخلاف مع مصطفى محمود حول التفسير العلمي للقرآن؛ رأت أن ربط النصوص القرآنية بالاكتشافات العلمية الحديثة يخاطر بتقليص النص وتحويله إلى تجربة علمية وقتية، فكتبت مقالات ودراسات للحفاظ على القراءة المنهجية والبلاغية للنص.

الخلاف مع عباس العقاد حول صورة المرأة في الثقافة العربية؛ ردّت عليه بمقالات تناولت تراجم نساء بيت النبوة، موضحة دور المرأة الحضاري دون تجريح شخصي، وهو أسلوب أكسبها احترام القراء حتى من مؤيدي العقاد.

الدفاع عن اللغة العربية؛ خاضت معارك دفاعًا عن العربية ضد موجات التغريب ومحاولات التفكيك اللغوي، مؤكدة أنها أداة حماية للهوية الفكرية والثقافية.

الخلاف مع طه حسين؛ ناقشته حول الشعر الجاهلي، والمتنبي، وفلسفة عزلة أبي العلاء المعري من داخل المنهج العلمي نفسه، محافظة على الاحترام والموضوعية، في نموذج نادر للخلاف الفكري الراقي.

وقد نالت تقديرًا واسعًا تمثل في جوائز عديدة، منها جائزة الحكومة المصرية في الدراسات الاجتماعية عام 1956م، وجائزة الدولة التقديرية للأدب عام 1978م، ووسام الكفاءة الفكرية من المغرب، وجائزة الأدب من الكويت عام 1988م، وجائزة الملك فيصل للأدب العربي عام 1994م.

أما علاقتها بالكتابة، فقد بدأت في سن الثامنة عشرة حين كتبت في «البلاغ» و«كوكب الشرق» و«الأهرام»، وكانت ثاني امرأة تكتب فيها بعد مي زيادة، وكتبت باسم مستعار خوفًا من غضب والدها، قائلة: «فكرت في التستر وراء اسم مستعار… ولم يطل بي التفكير في اختيار الاسم، بل كان أول ما خطر على بالي هو أن أنتمي إلى الشاطئ… مهد مولدي وملعب طفولتي ومدرج حداثتي وتأملاتي».

وخلال مسيرتها الطويلة، أنتجت ما يقرب من خمسين كتابًا في الدراسات القرآنية والأدب والتحقيق، من «التفسير البياني للقرآن الكريم»، و«القرآن وقضايا الإنسان»، و«مع المصطفى»، إلى «الخنساء»، و«رابعة العدوية»، و«رسالة الغفران»، و«صور من حياتهن»، وغيرها من الأعمال التي تشهد على موسوعية نادرة.

لقد أثرت بنت الشاطئ في أجيال من النساء والباحثين العرب، وأعادت تعريف صورة المثقف الديني من ناقل للمعرفة إلى مجتهد، ومن مرشد وعظي إلى شريك في بناء وعي المجتمع، مؤكدة أن التجديد لا يحتاج إلى صخب بل إلى عمق وإتقان.

توفيت عائشة عبد الرحمن يوم الثلاثاء 11 شعبان 1419هـ الموافق 1 ديسمبر 1998م عن عمر ناهز 86 عامًا، تاركة إرثًا فكريًا وأدبيًا وإسلاميًا ضخمًا، ومقدمة نموذجًا نادرًا للتجديد بلا صدام، والوعي النسوي بلا ذوبان، والتدين بلا انغلاق. وفي زمن تتعالى فيه أصوات التطرف والتقديس الأيديولوجي، تظل تجربة بنت الشاطئ شاهدًا حيًا على أن الإسلام قادر على إنتاج عقل متفتح، وامرأة واعية، ومثقف مواطن، يؤمن بأن المعرفة طريق التعايش، وأن الفكر رسالة حياة لا معركة صدام.