حينما سبق الإسلام... الديمقراطية وحقوق الإنسان
د. حنان كامل
كان المجتمع الغربي في العصور الوسطى يئن من التمييز على أساس الدين والمذهب بين البروتستانت والكاثوليك، ويئن من التمييز الطبقي بين طبقة ملكية حاكمة، ورعية، ونساء وعبيد، ويئن من تفاقم السلطات الدينية في يد الكنيسة، ووجود سلطتين حاكمتين: سلطة روحية هي الفاعل والحاكم الحقيقي، وسلطة زمنية صورية في يد الملوك والأمراء، وفي ظل هاتين السلطتين تلاشى الأفراد وتلاشت حقوقهم، فقد كانوا مجرد رعية للحكام، إلا إنه مع حلول القرن السابع عشر الميلادي، الذي يؤرخ به ظهور عصر التنوير في أوروبا والسعي إلى التحرر من سلطة الكنيسة ومن قبضة الحكم الديني والسلطة المطلقة للأمراء والملوك، الذي كرس التبعية والانصياع لحكم البابوات والملوك دون إعمال للعقل، وتبنى مفكرو هذا العصر إعمال العقل والتفكير الناقد والقانون والدستور بديلًا عن السلطة الدينية والملكية، تبدلت الأوضاع المتردية للأفراد، وأصبح هناك إرادة حقيقية لإعلاء دور الفرد في المجتمع، والبحث عن حقوقه، والدفاع المشروع عن وجود الفرد كإنسان له حقوق مكفولة بحكم الدين والعقل والإنسانية، وليس عبدًا أو متاعًا يباع ويشترى.
كان عصر التنوير شاهدًا على ظهور والإعلان عن مفاهيم اجتماعية جديدة، أبرزها مفهوم العقد الاجتماعي، والذي بموجبه يتنازل الفرد عن حقوقه بموجب إرادته لفرد يختاره بعينه ليحقق له مطالبه الأساسية.
وقد قاد هذا العصر فلاسفة إنجلترا وفرنسا وألمانيا، فقد سعوا من خلال مؤلفاتهم إلى تحديد علاقة المواطن بالأرض أو الدولة التي يقيم على أراضيها بعيدًا عن سلطة الكنيسة والملوك، وبناءً على مبادئ دستورية وقانونية تسري على جميع المواطنين بغض النظر عن كونهم حكامًا أو محكومين، فالجميع سواء أمام القانون، وذلك من خلال تحديد مجموعة من الواجبات على المواطن الالتزام بها تجاه الدولة، وحزمة من الحقوق على الدولة القيام بها حيال مواطنيها، ومن هنا تنشأ علاقة تبادل المنفعة بين الطرفين الدولة والمواطن، ومعها يتولد شعورا الانتماء والولاء.
فلقد وضع الفلاسفة الإنجليز من أمثال توماس هوبز (1588-1679) وجون لوك (1632-1704) الأساس النظري لفكرة المواطنة بما أحدثاه من تطور لعلم الاجتماع السياسي، وكان لهما أيادٍ بيضاء في تقييد السلطة بين الحكام والمحكومين، وإشراك المحكومين في الحكم، أما جون لوك فقد تحدث للمرة الأولى عن مصطلحات غريبة على المجتمع الأوروبي مثل حرية الفرد، وحقه في الحياة، وحقه في التملك، وأطلق عليها الحقوق الطبيعية، والتي بمقتضاها اعتقد أن لأي فرد يعيش على أرض الدولة حزمة من الحقوق، وأن السلطة الحاكمة عليها الالتزام بهذه الحقوق تجاه أفرادها.
أما فولتير (1694-1778) الفيلسوف الفرنسي فقد دعا إلى التسامح وحرية الرأي، واستبدال الحكم المطلق وسلطة الكنيسة بالعقل، ومن أشهر مقولاته المعبرة عن حرية الرأي وحرية التعبير وحرية الاختلاف:
(قد أختلف معك في الرأي، لكني مستعد أن أدافع حتى الموت عن حقك في التعبير عنه).
وتقر هذه العبارة مبدأ حق الاختلاف في الرأي، والحق في حرية الرأي، وهي المبادئ التي حُرم منها الأفراد في أوروبا حتى القرن السابع عشر الميلادي، ذات القرن الذي ظهر فيه للمرة الأولى هذه المصطلحات.
وكان مونتسكيو (1689-1755) الفيلسوف الفرنسي من أبرز الفلاسفة الذين مهدوا لظهور الثورة الفرنسية (1789م)، وقد دعا في كتاباته إلى الفصل بين السلطات التشريعية وسلطة الأمراء والملوك، وتفعيل صلاحيات البرلمان وإنفاذ القانون، مما يؤدي إلى تحقق المساواة والعدالة بين المواطنين وعدم تمركز السلطة في يد الفرد.
وبهذه الآراء أفرد مساحة لحرية الرأي والتعبير على أساس القانون، وبحماية آراء الأفراد بموجب القانون.
أحدثت هذه المفاهيم والمصطلحات التي كانت غريبة على المجتمع الأوروبي هزة كبيرة في القيم والتقاليد الثابتة والراسخة منذ عقود، وأتت أكلها أول ما أتت في فرنسا.
كانت فرنسا الشرارة الأولى التي انطلقت منها مفاهيم الحرية والتحرر من السلطات والتحلل من القيود الدينية، فهي التي قادت الثورة على السلطات المطلقة والاستعباد والخضوع ومفاهيم الرعية والطبقية والتمييز، وذلك في عام 1789، ولذا لا عجب أن أول مظهر من مظاهر الثورة الفرنسية تمثل في اقتحام سجن الباستيل، والذي كان اقتحامه رمزًا لأول مبدأ من مبادئ الثورة الفرنسية، وهو إقرار مبدأ الحرية وتحقق المساواة، والمناداة بدستور وقانون يحاكم الأفراد وفقًا له، وليس وفقًا لأهواء شخصية سلطوية، بعد أن كان المجتمع الفرنسي يعاني من الطبقية بين طبقة ملوك حاكمة لها سلطة مطلقة ومحكومين لا يتمتعون بأدنى الحقوق الإنسانية. وقد ترتب على الثورة إعلان حقوق الإنسان والمواطن في فرنسا في نفس العام، وقد تضمن الإعلان ثلاث مبادئ أساسية، هي:
السيادة للشعب، والتي تشير إلى أن الشعب هو مصدر السلطات، وبالتالي التخلص من الحكم الفردي المطلق، والذي اعتمد على طبقية الأسرة المالكة وسلطة الكنيسة.
إسقاط الملكية، وذلك للقضاء على كل مظاهر الطبقية والتمييز بين أفراد المجتمع الواحد.
حقوق الإنسان والمواطن، والتي تشير إلى أن جميع المواطنين متساوون في الحقوق أمام القانون.
وبالتالي أصبح القانون والدستور هو المرجعية الحاكمة للحكام والمحكومين.
كما ترتب على هذا الإعلان استبدال مصطلح الرعية بالمواطن.
ومن خلال ثلاثة مبادئ رئيسة، وهي الحرية (حرية التعبير والرأي والاعتقاد)، والإخاء (التعاون بين الأفراد بما يحقق التعايش السلمي ويتحقق الأمان)، والمساواة أمام القانون الذي يصبح الفيصل والسلطة الحاكمة، وهذا الشعار الذي كرس البناء لمجتمع يحترم حقوق الجميع، فالجميع متساوون في الحقوق والواجبات أمام القانون دون أي اعتبار للطبقة الاجتماعية أو الاقتصادية التي ينتمي لها الفرد داخل المجتمع، وبغض النظر عن دينه الذي يعتنقه، وفي فترة لاحقة كان هذا الشعار هو رمز المواطنة وحقوق الإنسان التي بدأت رياحها تهب على باقي دول أوروبا تباعًا.
وما لبثت أن انتشرت هذه الأفكار في أوروبا لتصبح المواطنة علاقة أخذ وعطاء بين الوطن والفرد، علاقة يتحرر فيها الفرد أولًا من ميوله وأهوائه الشخصية وانتماءاته القبلية والعرقية وتعصبه لدين أو لغة أو جنس ليذوب في الدولة، ويصبحا كيانًا واحدًا، يتحقق من خلاله السلام الداخلي للفرد والاستقرار، ويعزز التعايش السلمي، ومن ثم أمن الفرد والمجتمع، ووحدة الدولة. وبالنظر إلى الشعارات الثلاثة التي نادت بها الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، سنجد أن محمد بن عبد الله نبي الله صلى الله عليه وسلم قد سبق عصره وسبق عصر التنوير والنهضة الأوروبية بأحد عشر قرنًا، ففي عام 622م، الموافق 1 هجريًّا، والموافق عام 13 من البعثة النبوية، كتب رسول الله صحيفة المدينة، وذلك بعد أن هاجر إلى المدينة المنورة، وكان بالمدينة الأنصار وهم من مسلمي يثرب، وقبائل الأوس والخزرج، وغير المسلمين، واليهود، بالإضافة إلى المهاجرين من قبيلة قريش الذين هاجروا مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فشرع عليه الصلاة والسلام في تنظيم العلاقة بين هذه القبائل وبين أصحاب الديانات المختلفة بما يضمن للجميع المساواة والعدل في الحقوق والواجبات، وبالتالي يتحقق السلم والأمن في مجتمع المدينة، وبقراءة بنود صحيفة المدينة التي بلغت سبعة وأربعين بندًا، نرى أنها حققت قيمة المساواة والحرية والإخاء، والتي تمخض عنها ما اصطلح على تعريفه فيما بعد (بالمواطنة) في أوروبا في العصر الحديث:
قيمة المساواة:
ساوت الصحيفة بين كل الأطياف المقيمة في المدينة على اختلاف دينهم وعقيدتهم وعشيرتهم.
كفلت الحماية والأمن للجميع داخل مجتمع المدينة، وجعلت الجميع مسؤولين عن حماية المدينة والدفاع عنها ضد أي اعتداء خارجي، وبالتالي أصبح الجميع متساوين في الحقوق والواجبات.
وهو ما عزز من مفهوم المواطنة والانتماء للمجتمع من خلال توحيد الأطراف المختلفة قبليًّا وعقائديًّا تحت كيان واحد والالتفاف حول الحماية والدفاع عن هذا الكيان.
وهذا هو أبرز ملامح المواطنة، فهي تعني الحرية والتسامح وتقبل الآخر والاعتراف بالاختلاف والتعددية وعدم الإقصاء والعدل والمساواة، وقد تحقق هذا المفهوم من خلال قيمة المساواة التي أقرتها صحيفة المدينة.
قيمة الحرية:
منحت الصحيفة لكل مجتمع المدينة الحق في ممارسة الشعائر والعبادات وحرية المعتقد، ولم يجبر الرسول صلى الله عليه وسلم اليهود أو الأوس والخزرج على اعتناق الإسلام، وإنما ترك لهم حرية العقيدة.
قيمة الإخاء:
تضامن وتعاون أطياف مجتمع المدينة في حماية المدينة وحفظ النظام والأمن والدفاع عن الأفراد، والتعاون في الالتزام بتنفيذ بنود الصحيفة، بغض النظر عن العرق أو الدين، كما حققت مبدأ مهمًّا وهو التكافل والتعاون بين أفراد الكيان الواحد في مجتمع المدينة.
أدت هذه المفاهيم التي تضمنتها الصحيفة إلى إعلاء قيمتي الولاء والانتماء لمجتمع المدينة، وغض النظر عن الانتماء الديني والعرقي لأفراد هذا المجتمع.
أسس المواطنة، مثلما انعكست في صحيفة المدينة:
الأساس الأول: المساواة والعدالة.
الأساس الثاني: الحرية، متمثلة في الحق في حرية العقيدة وممارسة الشعائر.
الأساس الثالث: الحكم وفق القانون والدستور، وهو المرجعية التي أقرتها جميع الأطياف الكائنة في مجتمع المدينة، ويتمثل القانون والدستور في بنود الصحيفة التي اعتبرت دستورًا للمدينة.
وفي القرن العشرين، وفي 10/12/1948، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي اشتمل على 30 مادة، على النحو التالي:
الحقوق الأساسية (المواد 1-2): والتي تشمل الحرية والمساواة بين جميع الأفراد وعدم التمييز على أساس الدين أو العرق أو اللون أو الجنس.
الحق في الحرية والحياة (المواد 3-5): الحق في الحياة ومنع الاتجار بالبشر والتعذيب.
الحقوق القانونية والأساسية (المواد 6-12): المساواة أمام القانون.
الحقوق الاجتماعية والثقافية (المواد 13-21): الحق في الإقامة والجنسية والزواج والتملك الفردي أو الجماعي، وحرية المعتقد والعبادة والدين وحرية الرأي، والحق في الانتخاب والترشح، والحق في الانضمام أو تكوين الجمعيات.
الحقوق الاجتماعية والاقتصادية (المواد 22-27): الحق في الضمان الاجتماعي والحق في العمل والإجازات والمستوى المعيشي والحق في التعليم.
الواجبات العامة وضمان الحقوق (المواد 28-30): واجبات الفرد تجاه المجتمع.
وقد التزم الدستور المصري بحقوق الإنسان وأعلى من قيمة المواطنة من خلال عدم التمييز بين الأفراد وكفالته للمساواة بين كل المواطنين، وذلك تماشيًا مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهو ما برز بوضوح في الدستور المصري الصادر في 2014 في الباب الثاني الذي يحمل اسم (المقومات الأساسية للمجتمع)، في الفصل الأول الذي يحمل اسم (المقومات الاجتماعية)، المواد من 8-20.
وبنظرة سريعة لبنود صحيفة المدينة وشعارات الثورة الفرنسية، سنجد أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قد تبنى نفس الشعارات الفرنسية، والتي على رأسها الحرية والمساواة، ولكنه أعطى المزيد من التفاصيل ووسع الحريات بالإضافة إلى ضمه بنودًا ومبادئ أكثر تدخل تحت إطار المواطنة، وهي كفالة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية مثل العمل والسكن والتعليم والصحة، وهي كلها حقوق تعمق المواطنة والانتماء والولاء.